في قلب
نهر النيل، وعلى مرمى البصر من أبراج القاهرة الفاخرة وكباريها اللامعة، تقف جزيرة
الوراق اليوم كجرح مفتوح في الجسد
المصري. جزيرة كانت يوما قطعة من الحياة الشعبية
المصرية البسيطة، تتحول تدريجيا إلى ساحة اشتباك بين شعب أعزل وسلطة لا ترى في
الإنسان سوى عقبة أمام الاستثمار العقاري والمشروعات التي تُباع تحت لافتات "التطوير"
و"التحديث".
ما يحدث
في جزيرة الوراق لم يعد مجرد نزاع على ملكية أراضٍ أو تنفيذ قرارات إزالة، المشهد
تجاوز ذلك بكثير، نحن أمام نموذج متكامل للحصار السياسي والاجتماعي والأمني، نموذج
يذكّر بصورة مصغّرة بما يحدث في قطاع غزة، لكن هذه المرة بأيدٍ مصرية ضد مواطنين
مصريين.
عبد
الفتاح
السيسي لا يبني دولة بقدر ما يبني خرائط خوف، والوراق أصبحت مثالا صارخا
على دولة ترى في الفقير
مشروع تهجير، وفي المواطن البسيط عائقا أمام رجال المال
والاستثمار.
جزيرة
الوراق.. الحكاية التي بدأت بالدم
منذ عام
2017، بدأت الدولة المصرية حملاتها العنيفة للسيطرة على الجزيرة، بحجة إزالة
التعديات واستعادة أراضي الدولة. لكن ما جرى على الأرض لم يكن مجرد "تنفيذ
قانون"، بل سلسلة من المواجهات الدموية والاعتقالات والحصار الأمني المتكرر. سقط قتلى وجرحى، وامتلأت شوارع الجزيرة بقوات
الأمن المركزي والغاز المسيل للدموع والخرطوش. ومع كل جولة اقتحام، كان الأهالي
يتمسكون أكثر بحقهم في البقاء داخل بيوت عاشوا فيها لعقود طويلة.
عبد الفتاح السيسي لم يعد يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة المقاولات والخرسانة والأبراج الزجاجية. الرجل ينظر إلى مصر كما ينظر المستثمر إلى قطعة أرض خام
السلطة
تتحدث عن "التطوير الحضاري"، بينما يرى السكان أن ما يحدث ليس سوى تهجير
قسري مقنّع يخدم مصالح استثمارية هائلة، خصوصا مع الحديث المستمر عن تحويل الجزيرة
إلى منطقة استثمارية فاخرة للأثرياء والمستثمرين.
من
القاهرة إلى غزة.. التشابه المخيف
حين تنظر
إلى ما يحدث في جزيرة الوراق، تجد نفسك أمام نسخة مصغّرة من الحصار: الدخول
والخروج مراقب، المعديات تخضع لتفتيش أمني، الناس يتحركون تحت عيون المراقبة، الاقتحامات
الأمنية متكررة، الغاز والقوة هما لغة الدولة الأساسية.. حتى المشهد النفسي متشابه؛ سكان يشعرون بأنهم محاصرون داخل
وطنهم، وأن السلطة تتعامل معهم باعتبارهم "خطرا أمنيا" لا مواطنين لهم
حقوق.
وقد شبّه
كثيرون على وسائل التواصل ما يحدث في الوراق بمشاهد من فلسطين المحتلة، معتبرين أن
الدولة المصرية تتصرف بعقلية الاحتلال تجاه سكان الجزيرة. الفارق الوحيد أن غزة تواجه احتلالا معلنا، بينما الوراق تواجه سلطة
يفترض أنها وطنية.
السيسي..
رئيس الجمهورية أم سمسار جمهورية المستثمرين؟
عبد
الفتاح السيسي لم يعد يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة المقاولات والخرسانة والأبراج
الزجاجية. الرجل ينظر إلى مصر كما
ينظر المستثمر إلى قطعة أرض خام؛ البشر بالنسبة له مجرد أرقام يمكن نقلها، والبيوت
مجرد عوائق أمام المشاريع العملاقة.
في عهد
السيسي، أصبحت كلمة "التطوير" مرادفا للهدم؛ الهدم في ماسبيرو، الهدم في
المقابر التاريخية، الهدم في سيناء، والآن الهدم في الوراق.
السيسي
يريد مصر بلا فقراء ظاهرين، ريد مدينة معقمة للأغنياء والسياح والمستثمرين، حتى لو
تم سحق الطبقات الشعبية بالكامل تحت جنازير المعدات العسكرية.
ما يحدث
في الوراق ليس خطأ إداريا، بل فلسفة حكم كاملة، فلسفة ترى أن المواطن يجب أن يخضع
أو يختفي.
الوراق
ليست أرضا بلا شعب
أخطر ما
في خطاب السلطة هو محاولة تصوير أهالي الوراق كأنهم مجرد "معتدين" على
أراضي الدولة، لكن الحقيقة أن الجزيرة مجتمع حيّ كامل؛ عائلات، وذكريات، وتاريخ، ومدارس،
وصيادون، وعمال، وأطفال ولدوا هناك قبل أن يسمعوا أصلا بمشروعات "التطوير".
الدولة
تتحدث عن المليارات التي ستدخل من الاستثمار، لكنها لا تتحدث عن الثمن الإنساني.. كم عائلة تفككت؟ كم رجل
اعتُقل؟ كم طفل عاش الرعب وهو يرى قوات الأمن تقتحم الشوارع؟ كم امرأة فقدت
الإحساس بالأمان داخل بيتها؟
هذه
الأسئلة لا تظهر في البيانات الرسمية، لأن الأنظمة السلطوية لا ترى الإنسان إلا
عندما يتحول إلى رقم في نشرات الأخبار.
إعلام
السلطة.. ماكينة تبرير بلا أخلاق
الإعلام
المصري الرسمي والموالي للنظام لعب دورا قذرا في قضية الوراق، فبدلا من فتح نقاش
حقيقي حول حقوق السكان، تحولت الشاشات إلى أبواق تكرر رواية واحدة: "الدولة
تستعيد حقها".
لا أحد
يسأل: ومن يحمي حق الناس؟ لا أحد يناقش لماذا تتحول كل مشاريع "التطوير"
إلى مناطق للأثرياء فقط؟ لا أحد يشرح لماذا تُستخدم القوة الأمنية الهائلة ضد
مواطنين عزل؟
ما يجري في جزيرة الوراق ليس مجرد نزاع محلي، بل معركة على معنى الوطن نفسه. هل الوطن هو الأرض فقط؟ أم الناس الذين يعيشون فوقها؟ هل التنمية تعني اقتلاع الفقراء من جذورهم؟ وهل يمكن لدولة تحاصر مواطنيها أن تدّعي أنها تحميهم؟
الإعلام
الذي يصمت أمام الغاز والخرطوش والاعتقالات لا يملك الحق في الحديث عن الوطنية. الوطنية
ليست تمجيد السلطة، الوطنية هي الدفاع عن الناس في مواجهة تغوّل السلطة.
الوراق
ومستقبل مصر المخيف
جزيرة
الوراق ليست مجرد جزيرة، إنها نموذج مصغر لما قد تصبح عليه مصر كلها، دولة تُدار
بالعسكر، ومواطن يُعامل كأنه متهم حتى يثبت خضوعه، وأرض تُباع لمن يدفع أكثر.
إذا نجحت
السلطة في كسر الوراق بالكامل، فإن الرسالة ستكون واضحة لكل المصريين: "لا مكان لكم إذا
تعارض وجودكم مع مصالح أصحاب النفوذ". وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ لأن الدول
لا تسقط فقط بالاحتلال الخارجي، بل تسقط أيضا عندما تفقد العدالة الداخلية.
الخاتمة
ما يجري
في جزيرة الوراق ليس مجرد نزاع محلي، بل معركة على معنى الوطن نفسه. هل الوطن هو الأرض فقط؟ أم الناس الذين يعيشون
فوقها؟ هل التنمية تعني اقتلاع الفقراء من جذورهم؟ وهل يمكن لدولة تحاصر مواطنيها
أن تدّعي أنها تحميهم؟
السيسي قد
ينجح في بناء أبراج أعلى، وكباري أطول، ومدن أكثر فخامة، لكنه يفشل كل يوم في بناء
الثقة بين الدولة والشعب. وجزيرة
الوراق ستبقى شاهدا على زمن تحولت فيه السلطة من حامية للمواطن إلى خصم مباشر له.
سؤال
للقراء الكرام
هل ترون
أن ما يحدث في جزيرة الوراق هو مشروع تطوير حقيقي يخدم مصر، أم أن الدولة تجاوزت
حدودها وتحولت إلى سلطة حصار ضد مواطنيها؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.