السيسي يطفئ نور الفقراء ويُضيء قصوره

سعد الغيطاني
"الظلام هنا ليس فقط غياب الضوء، بل غياب العدالة"- جيتي
"الظلام هنا ليس فقط غياب الضوء، بل غياب العدالة"- جيتي
شارك الخبر
مقدمة:

في مصر اليوم، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد خلل اقتصادي أو نتيجة لظروف عالمية متقلبة، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لطبيعة السلطة وأولوياتها. حين يُطلب من المواطن البسيط أن يطفئ مصباحا بالكاد ينير حياته، بينما تظل القصور مضاءة بلا انقطاع، يصبح السؤال سياسيا بامتياز: من يتحمل كلفة الحكم؟ ومن يعيش في ظله؟

فاتورة تُكتب بدم الفقراء

مع كل موجة ارتفاع في أسعار الكهرباء، تُعاد نفس الأسطوانة: "الترشيد ضرورة"ن لكن الواقع يقول إن الفقير لم يكن يوما مسرفا؛ المواطن في الأحياء الشعبية لا يملك أجهزة فاخرة ولا يستهلك الطاقة إلا في حدود الضرورة القصوى، ومع ذلك، يجد نفسه في مواجهة فواتير تتصاعد بلا رحمة.

هذه السياسات، المرتبطة بإدارة عبد الفتاح السيسي، لا تعالج جذور الأزمة، بل تنقل عبئها مباشرة إلى الأضعف. يصبح الترشيد هنا عقوبة جماعية، لا خيارا واعيا.

الفقير لم يكن يوما مسرفا؛ المواطن في الأحياء الشعبية لا يملك أجهزة فاخرة ولا يستهلك الطاقة إلا في حدود الضرورة القصوى، ومع ذلك، يجد نفسه في مواجهة فواتير تتصاعد بلا رحمة

قصور مضاءة.. وشعب في العتمة

في الجانب الآخر من الصورة، تتجلى المفارقة بوضوح: قصور رئاسية، عاصمة إدارية جديدة، مشاريع عملاقة تستهلك كميات هائلة من الطاقة. هذه ليست مجرد منشآت، بل رموز لسياسة ترى في الاستعراض أولوية، حتى لو كان الثمن ظلام بيوت البسطاء.

كيف يمكن إقناع مواطن بإطفاء النور، بينما يرى بأم عينه أضواء لا تنطفئ؟ كيف يتحول الترشيد إلى واجب على الفقير، بينما يظل ترف السلطة خارج أي حساب؟

خطاب يُحمّل الضحية الذنب

الخطاب الرسمي يركز على "الأزمة العالمية" و"ارتفاع أسعار الطاقة"، وهي عوامل حقيقية، لكنها لا تفسر كل شيء؛ ما يُغفل عمدا هو سوء إدارة الموارد، وغياب الشفافية، وتضخم الإنفاق على مشاريع لا تعود بعائد مباشر على المواطن. فبدلا من محاسبة السياسات، يتم توجيه اللوم إلى سلوك الأفراد، وكأن المشكلة في مصباح المواطن، لا في منظومة كاملة تُدار بلا رقابة.

حين يصبح الظلام سياسة

الظلام هنا ليس فقط غياب الضوء، بل غياب العدالة، فحين يُطلب من الفقير أن يتحمل وحده نتائج قرارات لم يشارك فيها، يتحول الترشيد إلى أداة قهر.

الدولة التي تبدأ إصلاحها من جيوب الفقراء، لا من قصورها، تعيد إنتاج الأزمة بدلا من حلها، والسلطة التي تطلب التضحية من شعبها، دون أن تقدم نموذجا مماثلا، تفقد مصداقيتها.

الخاتمة:

ما يجري في ملف الكهرباء في مصر يتجاوز كونه أزمة طاقة؛ إنه اختبار حقيقي لمفهوم العدالة، بين مصباح مكسور في بيت فقير، وثريا لا تنطفئ في قصر رئاسي، تتحدد ملامح العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

السؤال لم يعد: كيف نوفر الكهرباء؟ بل: من يُجبَر على العيش بدونها؟

سؤال للقراء:

هل تعتقد أن تحميل المواطنين مسؤولية ترشيد الكهرباء في ظل هذا التفاوت الصارخ هو إجراء عادل.. أم أنه تكريس لفجوة لا يمكن؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)