هل تحوّل الجيش المصري إلى "شركة أمن إقليمي"؟

سعد الغيطاني
"طائرات مصرية حديثة متمركزة خارج الحدود، في دولة تعتبر حليفا استراتيجيا لإسرائيل والولايات المتحدة، وفي قلب مواجهة محتملة مع إيران"- وزارة الدفاع الإماراتية
"طائرات مصرية حديثة متمركزة خارج الحدود، في دولة تعتبر حليفا استراتيجيا لإسرائيل والولايات المتحدة، وفي قلب مواجهة محتملة مع إيران"- وزارة الدفاع الإماراتية
شارك الخبر
مقدمة

في لحظة تاريخية شديدة الخطورة، وبينما تشتعل المنطقة على حافة حرب إقليمية مفتوحة بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي الخليجي من جهة أخرى، خرجت دولة الإمارات لأول مرة لتعلن رسميا تمركز مقاتلات مصرية على أراضيها، بالتزامن مع زيارة عبد الفتاح السيسي إلى أبو ظبي، وظهوره وسط الطيارين المصريين داخل القاعدة العسكرية الإماراتية.

الخبر لم يكن مجرد "تعاون عسكري عربي" كما حاول الإعلام الرسمي تصويره، بل إعلان سياسي وعسكري خطير يحمل دلالات تتجاوز مجرد المناورات المشتركة أو التنسيق الدفاعي التقليدي. نحن أمام تحول نوعي في وظيفة الجيش المصري نفسه: من جيش وطني تأسس لحماية حدود مصر وشعبها، إلى قوة تدخل إقليمي تعمل ضمن ترتيبات أمنية تقودها واشنطن وتل أبيب، وتمولها خزائن الخليج.

السؤال هنا لم يعد: لماذا أرسل السيسي مقاتلات رافال إلى الإمارات؟ بل أصبح: لصالح من يتحرك الجيش المصري اليوم؟ وهل بات القرار العسكري المصري خاضعا لمن يدفع الفاتورة السياسية والاقتصادية؟

مناورات أم تمركز دائم؟
الغضب الشعبي لا يتعلق فقط بإيران أو الإمارات، القضية أعمق بكثير، المصريون يعيشون واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخهم: تضخم مرعب، وانهيار الجنيه، وديون قياسية، وبيع أصول الدولة، وتراجع الخدمات، وفقر متزايد

البيانات الإماراتية الرسمية لم تتحدث عن "تدريب مؤقت"، بل استخدمت تعبيرات تحمل أبعادا استراتيجية، منها "المقاتلات المصرية المتمركزة في الدولة" و"تعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات".

كلمة "متمركزة" هنا ليست تفصيلا لغويا عابرا. في العقيدة العسكرية، التمركز يعني وجودا عملياتيا مستمرا، وليس زيارة بروتوكولية أو تدريبا قصير الأجل. هذا يعني ببساطة أن الجيش المصري أصبح جزءا من بنية الردع العسكرية في الخليج، في لحظة يجري فيها الحديث علنا عن احتمال توسع الحرب مع إيران.

وهنا تظهر الكارثة السياسية: هل استشار السيسي الشعب المصري؟ هل ناقش البرلمان هذا القرار؟ هل يعرف المصريون لماذا يمكن أن يصبح جنودهم وطياروهم أهدافا في حرب لا علاقة مباشرة لمصر بها؟

من يحكم القرار المصري فعلا؟

منذ سنوات، تتحرك السلطة المصرية داخل محور سياسي واضح يضم الإمارات والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة.

هذا ليس "تحليل مؤامرات"، بل وقائع سياسية متراكمة: قمم مشتركة مصرية إماراتية إسرائيلية، وتنسيق اقتصادي وأمني إقليمي، وتعاون استخباراتي متصاعد، اصطفاف سياسي شبه كامل في ملفات غزة والسودان والبحر الأحمر، وأخيرا.. تمركز عسكري مصري داخل الإمارات.

المفارقة الصادمة أن النظام المصري الذي يرفع شعارات "السيادة الوطنية" صباح مساء، هو نفسه الذي جعل القرار الاستراتيجي المصري مرتبطا بالمساعدات والاستثمارات والودائع الخليجية. لقد تحولت مصر، تحت حكم السيسي، من دولة مركزية تقود الإقليم، إلى دولة مدينة اقتصاديا، تبحث عن الرضا الخليجي والدعم الأمريكي بأي ثمن.

رافال مصرية.. لحماية من؟

حين اشترت مصر مقاتلات رافال الفرنسية، رُوّج للشعب أن هذه الطائرات جزء من تحديث الجيش لحماية الأمن القومي المصري. لكن ماذا نرى الآن؟ طائرات مصرية حديثة متمركزة خارج الحدود، في دولة تعتبر حليفا استراتيجيا لإسرائيل والولايات المتحدة، وفي قلب مواجهة محتملة مع إيران.

فهل أصبحت العقيدة القتالية المصرية مرتبطة بحماية المصالح الخليجية؟ وهل يمكن أن تجد مصر نفسها غدا في حرب تخدم تل أبيب أكثر مما تخدم القاهرة؟

هذا السؤال ليس مبالغة، فإسرائيل اليوم لديها مصلحة استراتيجية كبرى في بناء تحالف إقليمي ضد إيران، بحيث تتحمل الجيوش العربية جزءا من التكلفة العسكرية والسياسية لأي مواجهة قادمة. وهنا تحديدا يصبح وجود مقاتلات مصرية في الإمارات تطورا شديد الحساسية.

الجيش المصري.. من حرب أكتوبر إلى حروب الوكالة

كان الجيش المصري يوما رمزا للاستقلال الوطني والمواجهة مع المشروع الصهيوني. أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفا تماما.

الجيش الذي خاض حرب أكتوبر أصبح جزءا من منظومة إقليمية تتعايش مع إسرائيل، وتتعاون معها أمنيا، وتتحرك ضمن خرائط النفوذ الأمريكية. بل إن قطاعات واسعة من الشارع العربي باتت ترى أن التطبيع الإماراتي مع إسرائيل فتح الباب أمام إعادة تشكيل المنطقة بالكامل، سياسيا وعسكريا واقتصاديا. والأخطر أن مصر، بثقلها العسكري والتاريخي، تُستخدم الآن لإضفاء الشرعية العربية على هذا التحالف الجديد.

لماذا يغضب المصريون؟

الغضب الشعبي لا يتعلق فقط بإيران أو الإمارات، القضية أعمق بكثير، المصريون يعيشون واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخهم: تضخم مرعب، وانهيار الجنيه، وديون قياسية، وبيع أصول الدولة، وتراجع الخدمات، وفقر متزايد. وفي المقابل، يشاهد المواطن البسيط طائراته الحربية تُرسل إلى الخارج، بينما يُطلب منه في الداخل "التحمل والصبر والتقشف".

كيف لا يغضب الناس؟ كيف يمكن إقناع مواطن لا يجد ثمن الدواء أو الطعام، أن أولوية الدولة الآن هي تمركز مقاتلات رافال في الخليج؟ هل باع السيسي استقلال القرار المصري؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأخطر، فمنذ وصوله إلى السلطة، اعتمد السيسي بشكل شبه كامل على الدعم المالي الخليجي، خصوصا من الإمارات والسعودية. ومع كل أزمة اقتصادية جديدة، كانت القاهرة تتجه أكثر نحو التنازل السياسي مقابل الدعم المالي. شيئا فشيئا، لم تعد العلاقة بين مصر وبعض دول الخليج علاقة "تحالف متكافئ"، بل أصبحت أقرب إلى علاقة الممول بالتابع.

ولهذا يطرح كثيرون السؤال المؤلم: هل أصبح الجيش المصري يتحرك وفق حسابات الممولين؟ وهل تحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة لحماية ترتيبات إقليمية لا تعبر بالضرورة عن مصالح المصريين؟

ماذا عن إيران؟

انتقاد سياسات السيسي لا يعني بالضرورة تأييد النظام الإيراني؛ إيران دولة لها مشروعها التوسعي ومصالحها الخاصة، وقد تورطت في صراعات عديدة في المنطقة. لكن الفارق الجوهري أن قرار الحرب أو التحالف يجب أن يكون قرارا مصريا مستقلا، يخدم الأمن القومي المصري فقط، لا أن يأتي ضمن ترتيبات إقليمية تُدار من واشنطن أو أبو ظبي أو تل أبيب.

مصر ليست "مرتزقا عسكريا "لدى أحد، أو هكذا يفترض أن تكون.

أخطر ما في المشهد
قد يربح النظام دعما ماليا أو رضا سياسيا مؤقتا، لكن السؤال الأكبر سيظل قائما: ماذا تبقى من استقلال القرار المصري؟ وهل ما زال الجيش المصري جيش الشعب.. أم أصبح جيش النظام وتحالفاته؟

المشكلة الحقيقية ليست مجرد إرسال طائرات، بل تطبيع فكرة أن الجيش المصري يمكن أن يتحول إلى أداة في صراعات إقليمية لا تخص المصريين مباشرة.

اليوم الإمارات، غدا ربما البحر الأحمر، بعده ربما صدامات أوسع تخدم خرائط النفوذ الأمريكية والإسرائيلية، وحينها سيدفع المواطن المصري الثمن: اقتصاديا، وسياسيا، وربما بالدم أيضا.

خاتمة

تمركز المقاتلات المصرية في الإمارات ليس تفصيلا عابرا، بل لحظة سياسية تكشف حجم التحول الذي أصاب الدولة المصرية في عهد السيسي.

الدولة التي كانت تقود المنطقة أصبحت تبحث عن دور داخل تحالفات الآخرين، والجيش الذي كان رمزا للسيادة الوطنية بات يُستخدم ضمن ترتيبات إقليمية معقدة لا يملك الشعب المصري أي سلطة حقيقية عليها.

قد يربح النظام دعما ماليا أو رضا سياسيا مؤقتا، لكن السؤال الأكبر سيظل قائما: ماذا تبقى من استقلال القرار المصري؟ وهل ما زال الجيش المصري جيش الشعب.. أم أصبح جيش النظام وتحالفاته؟

سؤال للقراء الكرام

هل ترون أن إرسال وتمركز المقاتلات المصرية في الإمارات خطوة لحماية الأمن القومي العربي، أم أن النظام المصري يزج بالجيش في صراعات إقليمية تخدم مصالح قوى أخرى أكثر مما تخدم مصر؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)