اقتصاد القصور والسجون: كيف حوّل السيسي موارد مصر لمشروعات بلا عائد وديون بلا سقف؟

سعد الغيطاني
"القصور الرئاسية لن تبني اقتصادا، المدن الفاخرة لن تحل أزمة الفقر"- إكس
"القصور الرئاسية لن تبني اقتصادا، المدن الفاخرة لن تحل أزمة الفقر"- إكس
شارك الخبر
مقدمة

ليست المشكلة في أن تبني الدولة طرقا أو مدنا جديدة، بل في أن تتحول هذه المشروعات إلى عبء اقتصادي ضخم، يُموَّل بالقروض، ولا يحقق عائدا إنتاجيا حقيقيا. هذا هو جوهر المعضلة في مصر اليوم: دولة تغرق في الديون، بينما تُنفق عشرات المليارات على مدن فاخرة وقصور رئاسية ومشروعات عقارية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضعف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية للمواطن.

المفارقة الصادمة أن هذه المشروعات لا تأتي في سياق خطة تنموية واضحة، بل في إطار نمط إنفاق يراه كثير من الخبراء أقرب إلى "اقتصاد استعراضي"، يخدم السلطة أكثر مما يخدم الاقتصاد.

العاصمة الإدارية.. مشروع بلا اقتصاد

تُعد العاصمة الإدارية الجديدة النموذج الأوضح على هذا النهج. تقديرات تكلفة المشروع تتراوح بين 48 و58 مليار دولار في مرحلته الأولى فقط، وهو رقم ضخم لدولة تعاني أصلا من أزمة نقد أجنبي وديون متفاقمة.

العاصمة تُبنى في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمات هيكلية حادة: مصانع متعثرة، وإنتاج ضعيف، واعتماد متزايد على الاستيراد. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لمشروع عقاري فاخر أن يحل أزمة اقتصاد إنتاجي منهك؟

المشكلة ليست في الحجم فقط، بل في طبيعة المشروع نفسه. فهو مشروع عقاري بالأساس، يعتمد على بيع الأراضي والوحدات، وليس مشروعا إنتاجيا يخلق صناعات أو صادرات. بل إن تقارير اقتصادية حذرت من أن الاقتصاد المصري أصبح يعتمد بشكل متزايد على العقارات والمضاربة، وهو نموذج غير مستدام وقد يقود إلى "فقاعة عقارية".

الأخطر أن هذه العاصمة تُبنى في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمات هيكلية حادة: مصانع متعثرة، وإنتاج ضعيف، واعتماد متزايد على الاستيراد. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لمشروع عقاري فاخر أن يحل أزمة اقتصاد إنتاجي منهك؟

القروض.. تمويل بلا عائد

تمويل هذه المشروعات لم يكن ليحدث دون التوسع الكبير في الاقتراض. الدين الخارجي لمصر تجاوز 171 مليار دولار بحلول 2024، بينما تذهب نسبة ضخمة من الموازنة لسداد فوائد هذه الديون.

المعضلة هنا واضحة: الدولة تقترض لتمويل مشروعات، وهذه المشروعات لا تحقق عائدا إنتاجيا، فتضطر الدولة للاقتراض مجددا لسداد القروض. هذا ما يسميه الاقتصاديون "حلقة الدين المفرغة".

تقارير دولية تشير إلى أن أكثر من 60 في المئة من موازنة الدولة يُستنزف في خدمة الدين، وهو رقم خطير يعكس اختلالا هيكليا عميقا. فالاقتصاد المصري لم يعد يعمل لصالح التنمية، بل لصالح سداد الديون.

هل هناك دراسات جدوى أصلا؟

أحد أخطر الانتقادات الموجهة لهذه المشروعات هو غياب دراسات الجدوى الحقيقية أو تجاهلها، فخبراء اقتصاد أشاروا إلى أن مشروع العاصمة الإدارية تم تبنيه بسرعة ودون نقاش مجتمعي أو تقييم اقتصادي واضح. بل إن بعض التقديرات وصفت المشروع بأنه "إهدار لموارد الدولة وتوريطها بقروض بالعملة الصعبة دون حاجة حقيقية".

وفي علم الاقتصاد، أي مشروع لا يسبقه تحليل تكلفة وعائد واضحين، هو مشروع عالي المخاطر، وغالبا ما يتحول إلى عبء مالي طويل الأمد.

القصور الرئاسية.. رفاهية في زمن الأزمة

في وقت تعاني فيه الدولة من ضغوط اقتصادية شديدة، تم إنشاء قصور رئاسية جديدة ومجمعات فاخرة بمليارات الدولارات

السؤال هنا ليس سياسيا فقط، بل اقتصادي بحت: هل القصور الرئاسية تخلق وظائف مستدامة؟ هل تزيد الصادرات؟ هل تحسن الإنتاج؟ الإجابة ببساطة: لا.

هذه المشروعات لا تندرج ضمن أي نموذج تنموي معروف، بل تُصنف ضمن "الإنفاق غير المنتج"، الذي يستهلك الموارد دون خلق قيمة اقتصادية.

اقتصاد النخبة.. مدن للأغنياء لا للدولة

المدن الجديدة، من العاصمة الإدارية إلى العلمين الجديدة، تُبنى بمعايير فاخرة، لكن لمن؟ الواقع أن هذه المدن تستهدف طبقة محدودة قادرة على الشراء، بينما الغالبية العظمى من المصريين لا تستطيع تحمل تكاليفها. وهذا ما دفع خبراء للتساؤل: لماذا لا يتم توجيه هذه الأموال لإنقاذ المصانع المتعثرة أو تحسين الخدمات الأساسية؟

النتيجة هي اقتصاد مزدوج: مدن فاخرة للنخبة، وأغلبية تعاني من التضخم وارتفاع الأسعار. وهذا ليس نموذج تنمية، بل نموذج انقسام اقتصادي.

الدولة الأمنية.. الاستثمار الحقيقي
ما يحدث في مصر ليس مجرد سوء إدارة، بل نموذج اقتصادي كامل يقوم على: الإنفاق الضخم بلا عائد إنتاجي، والاقتراض المستمر، وغياب الشفافية، وتقديم الأمن على التنمية

وبينما يتم التوسع في هذه المشروعات العقارية، هناك مسار موازٍ لا يقل وضوحا: تعزيز البنية الأمنية. تقارير عديدة تشير إلى أن النظام يركز على تثبيت السيطرة عبر أدوات أمنية، في ظل تراجع العائد الاقتصادي للمشروعات الكبرى، وهذا يعكس تحولا في فلسفة الحكم: من التنمية إلى السيطرة. بل إن بعض التحليلات ترى أن هذه المشروعات نفسها تخدم هذا الهدف، من خلال إعادة توزيع السكان ومراكز القوة بعيدا عن القاهرة التقليدية.

من الاقتصاد إلى "الفقاعة"

الاعتماد على العقارات والقروض خلق وضعا هشا: ديون متصاعدة، واقتصاد غير إنتاجي، ونمو قائم على بيع الأصول.

تقارير دولية حذرت من أن هذا النموذج قد ينهار إذا توقفت التدفقات المالية الخارجية، خاصة من الخليج، أي أن الاقتصاد المصري الحالي ليس قائما على إنتاج حقيقي، بل على "سيولة مؤقتة".

الخاتمة

ما يحدث في مصر ليس مجرد سوء إدارة، بل نموذج اقتصادي كامل يقوم على: الإنفاق الضخم بلا عائد إنتاجي، والاقتراض المستمر، وغياب الشفافية، وتقديم الأمن على التنمية.

القصور الرئاسية لن تبني اقتصادا، المدن الفاخرة لن تحل أزمة الفقر، والمشروعات العقارية لن تعوض غياب الصناعة والإنتاج.

التاريخ الاقتصادي واضح: الدول لا تنهض بالإسمنت، بل بالإنتاج.

سؤال للقراء الكرام:

هل يمكن لاقتصاد قائم على القروض والعقارات والإنفاق غير المنتج أن يستمر، أم أن مصر تتجه نحو انفجار اقتصادي مؤجل؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل