السيسي واقتصاد الأزمات.. لماذا يتحول كل صراع عالمي إلى فاتورة يدفعها المصريون؟

سعد الغيطاني
"يتحمل المواطن المصري العبء الأكبر لهذه السياسات"- عربي21
"يتحمل المواطن المصري العبء الأكبر لهذه السياسات"- عربي21
شارك الخبر
مقدمة

في كل مرة تهتز فيها أسواق العالم بسبب حرب أو أزمة دولية، يتكرر المشهد نفسه في مصر: الجنيه ينهار، والأسعار ترتفع، والحكومة تخرج لتعلن أن ما يحدث خارج عن إرادتها.

من الحرب الروسية الأوكرانية إلى حرب غزة، ومن اضطرابات البحر الأحمر إلى التوترات الإقليمية، أصبح الخطاب الرسمي في القاهرة قائما على فكرة واحدة: العالم يعيش أزمة، ومصر تدفع الثمن. لكن هذا التفسير يطرح سؤالا بديهيا لا يمكن تجاهله: إذا كانت هذه الأزمات عالمية بالفعل، فلماذا يبدو أن الاقتصاد المصري هو الأكثر هشاشة أمامها؟ ولماذا يصبح الجنيه المصري أول العملات التي تتهاوى عند كل أزمة، بينما دول تعيش الحروب نفسها أو تخضع لعقوبات أشد لا تشهد الانهيار نفسه في عملتها أو أسعارها؟

تمهيد حكومي للغلاء.. الحرب شماعة جاهزة

خلال السنوات الأخيرة، أصبح من المعتاد أن تسبق قرارات رفع الأسعار في مصر تصريحات حكومية تحذر من تأثير الحروب العالمية على الاقتصاد. تكرر هذا الخطاب منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، حين أعلنت الحكومة المصرية أن ارتفاع أسعار القمح والطاقة عالميا سيؤدي إلى ضغوط كبيرة على الاقتصاد المحلي. ثم عاد الخطاب نفسه مع الحرب في قطاع غزة، ومع التوترات التي ضربت حركة الملاحة في البحر الأحمر.

وفي كل مرة تقريبا، كانت النتيجة واحدة: رفع أسعار الوقود، وزيادة تكاليف الخدمات، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن. بمرور الوقت، أصبح كثير من المصريين ينظرون إلى هذا الخطاب باعتباره تمهيدا سياسيا واقتصاديا لقرارات رفع الأسعار، أكثر منه تفسيرا حقيقيا للأزمة.

الجنيه المصري.. العملة الأكثر هشاشة

خلال سنوات قليلة فقط، فقد الجنيه المصري جزءا كبيرا من قيمته أمام الدولار. هذا التراجع لم يحدث مرة واحدة، بل جاء عبر موجات متتالية من التعويم والانخفاض، حتى أصبح المصريون يعيشون حالة شبه دائمة من عدم اليقين بشأن مستقبل عملتهم الوطنية.

السؤال هنا ليس لماذا يتراجع الجنيه، فكل العملات يمكن أن تتأثر بالأزمات العالمية، السؤال الحقيقي هو: لماذا يتراجع بهذه السرعة؟ الإجابة تكمن في طبيعة الاقتصاد المصري نفسه. فالاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير السلع الأساسية، كما يعتمد على تدفقات مالية خارجية مثل القروض والاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل. وهذا يعني أن أي اضطراب عالمي يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة داخلية.

الأموال الساخنة.. اقتصاد قائم على الرمال

أحد أكثر العوامل التي تجعل الجنيه المصري شديد الحساسية للأزمات هو الاعتماد الكبير على ما يعرف في الاقتصاد باسم الأموال الساخنة، وهي استثمارات مالية قصيرة الأجل تدخل الأسواق بحثا عن أرباح سريعة في أدوات الدين.

المشكلة أن هذه الأموال لا تبقى طويلا، فعندما تظهر أزمة عالمية أو توتر سياسي، فإنها تخرج بسرعة هائلة. وقد شهدت مصر بالفعل خروج مليارات الدولارات من هذه الاستثمارات خلال أسابيع قليلة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

هذا الخروج المفاجئ أدى إلى نقص حاد في الدولار، وهو ما دفع الحكومة إلى تعويم الجنيه مرات متتالية، وبذلك أصبح الاقتصاد المصري يشبه نظاما ماليا قائما على تدفقات مؤقتة لا على إنتاج حقيقي.

لماذا لا تنهار عملات الدول التي تخوض الحروب؟

المفارقة التي تثير الدهشة أن دولا تعيش حروبا فعلية لم تشهد الانهيار نفسه الذي يعيشه الجنيه المصري. فروسيا، رغم الحرب والعقوبات الغربية، استطاعت الحفاظ على قدر من الاستقرار في عملتها. كما أن اقتصاد إيران، رغم العقوبات الطويلة، لم يشهد التدهور المتسارع نفسه خلال فترات قصيرة كما حدث للجنيه المصري.

السبب بسيط في جوهره: هذه الدول تمتلك اقتصادات إنتاجية تعتمد على موارد حقيقية مثل الطاقة والصناعة والزراعة، أما الاقتصاد المصري فقد اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج مختلف يعتمد على الاقتراض الخارجي، والمشروعات العقارية الضخمة، وتدفقات الاستثمار قصيرة الأجل، وهو نموذج يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لأي صدمة خارجية.

القروض كحل دائم للأزمات

كلما واجه الاقتصاد المصري أزمة، تلجأ الحكومة إلى الحل نفسه: الاقتراض، وخلال العقد الأخير حصلت مصر على عدة برامج دعم من صندوق النقد الدولي، كان أحدثها برنامج بمليارات الدولارات لدعم الاقتصاد.

لكن هذه القروض لا تأتي دون شروط. فغالبا ما تتضمن برامج الإصلاح الاقتصادي مطالب مثل: تحرير سعر الصرف، رفع الدعم عن الطاقة، تقليص الإنفاق الحكومي.. وهذه الإجراءات تؤدي في النهاية إلى موجات جديدة من التضخم. وهكذا يجد المواطن نفسه عالقا في دائرة مغلقة:

قرض جديد → إجراءات تقشف → ارتفاع الأسعار → أزمة جديدة.

المواطن المصري.. ممول الأزمات

في النهاية، يتحمل المواطن المصري العبء الأكبر لهذه السياسات، فكل زيادة في أسعار الوقود تعني ارتفاعا في تكلفة النقل، وكل ارتفاع في النقل ينعكس على أسعار الغذاء والسلع، وبمرور الوقت، تتحول هذه الزيادات إلى ضريبة غير معلنة يدفعها المواطن يوميا.

في المقابل، لا يشعر كثير من المصريين بأن هناك تحسنا حقيقيا في مستوى معيشتهم أو في أداء الاقتصاد. بل إن الشعور السائد هو أن الاقتصاد أصبح يعيش على القروض، بينما يتحمل الشعب تكلفة السداد.

هل أصبحت الأزمات أداة سياسية؟

مع تكرار الأزمات الاقتصادية وتكرار الخطاب الرسمي نفسه، بدأ البعض يطرح تساؤلا أكثر حساسية: هل أصبحت الأزمات العالمية مجرد شماعة تستخدمها السلطة لتبرير قرارات اقتصادية صعبة؟ ففي كل مرة يرتفع فيها سعر سلعة أساسية أو يتم تعويم الجنيه، يظهر تفسير جاهز: الحرب العالمية، أو الأزمة الدولية، أو التوترات الإقليمية. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الاقتصاد القوي يستطيع امتصاص الصدمات، بينما الاقتصاد الهش ينهار عند أول أزمة.

خاتمة

لا يمكن إنكار أن العالم يعيش مرحلة مضطربة اقتصاديا وسياسيا، لكن ما يحدث في مصر يطرح سؤالا أكبر من مجرد تأثير الحروب العالمية، فالدولة التي كانت تمتلك أحد أكبر الاقتصادات في المنطقة أصبحت اليوم أكثر عرضة للصدمات من دول تخوض حروبا حقيقية.

ويبقى السؤال الذي يتردد في الشارع المصري بصوت خافت: هل يدفع المصريون ثمن أزمات العالم.. أم ثمن السياسات التي تدير اقتصاد بلادهم؟
التعليقات (0)