في مشهد
يتكرر بلا كلل، يعود اسم أحمد دوما إلى الواجهة، ليس بوصفه كاتبا أو ناشطا سياسيا
فحسب، بل كرمز لصراعٍ مستمر بين سلطةٍ تخشى الكلمة، ومجتمعٍ يحاول انتزاع حقه في
التعبير. وفي الوقت ذاته، يتجدد استهداف رموز الألتراس، وعلى رأسهم
سيد مشاغب،
الذي لم تكد تمر ساعات على الإفراج عنه حتى عاد إلى قبضة الأجهزة الأمنية. هذا
التزامن ليس مصادفة، بل يعكس نمطا ممنهجا في تعامل نظام عبد الفتاح السيسي مع كل
صوتٍ يخرج عن النص.
منع أحمد
دوما.. حين يصبح القلم تهديدا أمنيا
قرار منع
أحمد دوما من السفر إلى لبنان للمشاركة في مؤتمر ثقافي ليس إجراء إداريا عابرا، بل
رسالة سياسية واضحة. النظام الذي يمنع كاتبا من السفر، لا يخشى تحركاته الجغرافية
بقدر ما يخشى امتداد صوته خارج الحدود.
دوما،
الذي قضى سنوات طويلة في السجون، لم يُتهم بحمل سلاح، بل بحمل رأي. ومع ذلك،
يُعامل كخطر أمني. هذا يكشف خللا بنيويا في مفهوم الدولة نفسها: حين تتحول الكلمة
إلى جريمة، يصبح الصمت هو القاعدة، ويُفرض الخوف كأداة حكم.
النظام القوي لا يخشى النقد، بل يستوعبه، أما النظام الذي يرى في "هاشتاج" تهديدا، وفي "مقال" خطرا، وفي "هتاف" مؤامرة، فهو نظام يعاني من هشاشة داخلية عميقة
اللافت أن
المنع لم يكن مرتبطا بحكم قضائي جديد أو تهمة واضحة، بل جاء في سياق أوسع من
التضييق على الحريات، حيث يُعاد تدوير القيود بوسائل مختلفة: مرة بالحبس، ومرة
بالمنع من السفر، ومرة بالملاحقة الإعلامية.
سيد مشاغب..
الإفراج المؤقت في دولة الاعتقال الدائم
قصة سيد
مشاغب تكاد تكون أكثر فجاجة؛ الإفراج عنه، ثم إعادة اعتقاله بعد ثلاث ساعات فقط،
يعكس عبثية قانونية صارخة. ما الرسالة هنا؟ الرسالة ببساطة: الحرية ليست حقا، بل
منحة مؤقتة يمكن سحبها في أي لحظة.
الألتراس،
كظاهرة جماهيرية، لم يكونوا مجرد مشجعين لكرة القدم، بل كانوا صوتا شعبيا صريحا،
يهتف بما لا يجرؤ عليه السياسيون؛ المدرجات كانت مساحة نادرة للتعبير الحر، ولهذا
تحولت إلى هدف.
سيد
مشاغب، بصفته أحد رموز "وايت نايتس"، لم يُستهدف لشخصه فقط، بل لما
يمثله: جمهور لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، وهتاف لا يمكن تدجينه.
لماذا
يخاف النظام من الهتاف والكلمة؟
النظام
القوي لا يخشى النقد، بل يستوعبه، أما النظام الذي يرى في "هاشتاج"
تهديدا، وفي "مقال" خطرا، وفي "هتاف" مؤامرة، فهو نظام يعاني
من هشاشة داخلية عميقة.
الخوف من
التعبير ليس علامة قوة، بل دليل على غياب الشرعية الحقيقية. حين تُغلق المساحات
العامة، يتحول أي صوت صغير إلى مصدر قلق، وحين تُقمع الجماهير يصبح حتى التشجيع
الرياضي فعلا سياسيا.
المفارقة
أن هذا القمع لا يُسكت الأصوات، بل يضخمها. فكل منع يولد فضولا، وكل اعتقال يخلق
رمزا، وكل تضييق يوسع دائرة التعاطف.
وصف
النظام بأنه "بيت عنكبوت" ليس مجرد تشبيه بلاغي، بل توصيف لحالة سياسية.
بيت العنكبوت يبدو متماسكا من الخارج، لكنه في الحقيقة هش، يكفي لمسه لينهار.
النظام
الذي يخشى "جرّة قلم" أو "تغريدة"، هو نظام يدرك في داخله أن
روايته ليست مقنعة، وأن شرعيته ليست راسخة، لذلك يعتمد على القمع بدل الإقناع،
وعلى المنع بدل الحوار. لكن التاريخ يثبت أن هذا النموذج لا يصمد طويلا، فالقمع قد
يؤخر التغيير، لكنه لا يمنعه.
نظام يدرك في داخله أن روايته ليست مقنعة، وأن شرعيته ليست راسخة، لذلك يعتمد على القمع بدل الإقناع، وعلى المنع بدل الحوار. لكن التاريخ يثبت أن هذا النموذج لا يصمد طويلا، فالقمع قد يؤخر التغيير، لكنه لا يمنعه
تطورات
حديثة: حبس أحمد دوما على ذمة التحقيق
في تطور
يعزز الصورة العامة لهذا النمط من التعامل مع حرية التعبير، تم حبس أحمد دوما
احتياطيا على ذمة التحقيق في قضية جديدة، على خلفية كتابات نشرها عبر فيسبوك.
هذا
الإجراء يعيد طرح السؤال حول حدود التعبير في المجال الرقمي، ومدى اعتبار المنصات
الاجتماعية امتدادا للفضاء العام الذي يخضع لنفس القيود الصارمة. كما يعكس استمرار
الاعتماد على أدوات الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي، وهو ما يثير جدلا قانونيا
وحقوقيا واسعا حول استخدام هذا الإجراء كوسيلة للردع أو التضييق.
ما يحدث
مع أحمد دوما وسيد مشاغب ليس حالات فردية، بل نماذج لسياسة عامة تقوم على الخوف من
المجتمع؛ نظام يخشى المثقف كما يخشى المشجع، ويضع الكاتب في نفس خانة "الخطر"
مع الجمهور. السؤال
الحقيقي ليس لماذا يُمنع دوما أو يُعتقل مشاغب، بل لماذا يخشى النظام منهما إلى
هذا الحد؟
سؤال
للقراء:
هل تعتقد
أن قمع الأصوات الحرة يمكن أن يحقق استقرارا حقيقيا، أم أنه يؤجل فقط انفجارا أكبر
في المستقبل؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.