تشتعل
المنطقة بحرب قد بدأت وبينما حدد أحد طرفيها البداية لكن نهايتها لم تصبح مُلكا
لأطرافها، حيث تدحرج الفعل ورد الفعل ليصيب شظاياه جل دول المنطقة. وككل صراع،
هناك من يركز على الرأس الظاهر للأفعى، ويغفل جسدها الحقيقي الذي يتحرك في الخفاء.
في
مصر،
كثير من الخطاب الإعلامي والسياسي يتوقف عند تفاصيل سطحية، وكأن غياب القواعد
العسكرية الأمريكية الدائمة يعني تحررها من الحرب، ونجاة الجيش من أي خطر محتمل. هذه
الرؤية سطحية، فهي تنظر إلى الظاهر بينما الحقيقة أعمق وأكثر تعقيدا: الجيش المصري
قوي، لكنه مقيّد سياسيا واستراتيجيا، وقدرته على الرد محدودة وغير مضمونة.
اتفاقية
السلام لعام 1979 بين مصر وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وضعت قيودا واضحة على
نشر القوات والأسلحة في سيناء، وكانت هذه القيود سورا قانونيا يحمي الاستقرار أكثر
مما يحمي السيادة المطلقة. الجيش المصري لم يُسلب قوته، لكنه رُبط بمعايير تحد من
تحركه بعيدا عن أطر السلام، ما يجعل أي رد عسكري على إسرائيل أو المصالح الأمريكية
محفوفا بالمخاطر، ونجاحه غير مضمون.
مثال صارخ على ذلك هو مسلسل رأس الأفعى، الذي يروج لفكرة أن الإخوان المسلمين يمثلون تهديدا داخليا وجوديا على الدولة، في حين أنهم جزء من النسيج الوطني السياسي والاجتماعي لمصر
في الوقت
نفسه، يميل الإعلام المصري إلى التركيز على ما هو درامي وجاذب للرأي العام. مثال
صارخ على ذلك هو
مسلسل رأس الأفعى، الذي يروج لفكرة أن الإخوان المسلمين يمثلون
تهديدا داخليا وجوديا على الدولة، في حين أنهم جزء من النسيج الوطني السياسي
والاجتماعي لمصر.
هذا
التوجيه الإعلامي يخلق شعورا زائفا بالخطر، فبينما الأفعى الحقيقية، وهي التوترات
الإقليمية والحروب المحتملة، تتحرك في الخفاء بعيدا عن أعين الجمهور، أو ربما
الجمهور أكثر ذكاء ووعيا من الإعلام الذي لا يدرك خطورة الأحداث.
ويظهر هذا
التناقض بوضوح في المواقف الدبلوماسية الأخيرة، فعندما شنت الولايات المتحدة
وإسرائيل ضربات على أهداف إيرانية، لم تدن وزارة الخارجية المصرية هذه العمليات،
بينما انتقدت في بيان الخارجية المصرية أي ضربة إيرانية تستهدف قواعد أمريكية في
المنطقة.
هذا
الانحياز يعكس سياسة مصر الواقعية والمتوازنة، حيث تُراعي الانحياز إلى مصالح
إسرائيل والولايات المتحدة، وتُفضّل الاستقرار الإقليمي على المواجهة المباشرة، لكنه
أيضا يكشف عن محدودية الحرية الاستراتيجية للجيش والسياسة المصرية.
القوة موجودة،
لكنها مقيدة، والقدرة على الرد غير مضمونة، والنجاح في أي مواجهة يتطلب حسابات
دقيقة ومعقدة.
الدرس
الأهم هنا أن السياسة ليست مجرد قوة عسكرية أو عدد دبابات، بل قدرة على اتخاذ
القرار الحر ضمن قيود استراتيجية وسياسية واقتصادية.
الجيش
المصري يمتلك القدرات، لكنه مرتبط بالالتزامات الدولية، وبالمساعدات العسكرية،
وبالاعتماد على الأسلحة والتقنيات الأمريكية، ما يجعل أي حركة مستقلة في مواجهة
إسرائيل أو المصالح الأمريكية مخاطرة كبيرة.
الفضاء
الإعلامي، بانشغاله بتصوير الإخوان كعدو داخلي، يوجه الانتباه بعيدا عن المخاطر
الحقيقية التي تهدد الدولة: التحالفات الإقليمية المتغيرة، والنفوذ الأمريكي
المتشابك، والتطورات العسكرية في الشرق الأوسط التي قد تهدد الأمن المصري إذا لم
تُدر بحذر.
الوعي الاستراتيجي الحقيقي يتطلب قراءة المخاطر الكبرى، والفصل بين الأوهام الإعلامية وبين الحقائق الميدانية
وفي الوقت
الذي يغرق فيه المواطن في سرديات إعلامية درامية، تتحرك الأفاعي الحقيقية، غير
مرئية، تتربص بصبر لتستغل أي خطأ سياسي أو استراتيجي.
في
النهاية، المعركة الحقيقية ليست على الشاشة أو في عناوين المسلسلات، بل بين ما
يُرى وما يُخفى، بين الإعلام السطحي وحقائق السياسة الاستراتيجية. ربما المتغيرات
السياسية المتسارعة تستوجب سرعة التفاعل والاستجابة لنبذ الخطاب الإقصائي؛ إلى
خطاب سياسي جامع للنسيج الوطني ربما يكون في ذلك أحد عوامل تقوية للجبهة المصرية
الداخلية.
ومن يظن
أن غياب قاعدة أمريكية دائمة على الأراضي المصرية أو تصوير جماعة سياسية كعدو
داخلي يكفي لحماية الوطن، فقد غفل أن الأفعى الحقيقية تتحرك في الظل، بين تحالفات
ومصالح دولية وإقليمية قد تغيّر مصير مصر دون سابق إنذار.
الوعي
الاستراتيجي الحقيقي يتطلب قراءة المخاطر الكبرى، والفصل بين الأوهام الإعلامية
وبين الحقائق الميدانية، وفهم أن القوة وحدها لا تكفي إذا كانت مقيدة بالقيود
السياسية والدبلوماسية.