بين فتح وحماس.. فلسطين في معركة السلطة والسلاح؟

أحمد هلال‎
"المشكلة لم تعد فقط في وجود انقسام بين سلطة ومقاومة، بل في غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف الأولويات الفلسطينية"- الأناضول
"المشكلة لم تعد فقط في وجود انقسام بين سلطة ومقاومة، بل في غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف الأولويات الفلسطينية"- الأناضول
شارك الخبر
مرة أخرى، يجد الفلسطيني نفسه أمام مشهد يفيض بالأسئلة الثقيلة، بينما تقل فيه الإجابات. ففي رام الله تنشغل حركة فتح بمؤتمرها الثامن، وسط صراعات داخلية تتعلق بشكل القيادة المقبلة وترتيبات مرحلة ما بعد محمود عباس، وفي المقابل تتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على حركة حماس للتخلي عن سلاحها والانخراط في ترتيبات سياسية وأمنية جديدة يجري تسويقها باعتبارها ممر السلام أو بوابة إعادة الإعمار. وبين المسارين، تبدو القضية الفلسطينية نفسها وكأنها تتراجع إلى المرتبة الثانية.

هذا ليس حكما عاطفيا أو انطباعا عابرا، بل توصيف لواقع سياسي يتشكل أمام أعين الفلسطينيين منذ سنوات، وبلغ ذروته بعد الحرب الأخيرة على غزة. فبدلا من أن تتحول الكارثة الفلسطينية الراهنة إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة، تبدو الساحة الفلسطينية أكثر انقساما وتشظيا من أي وقت مضى.

داخل فتح، لا يبدو أن النقاش الحقيقي يدور حول سؤال: كيف نواجه الاحتلال؟ بقدر ما يدور حول: من يرث السلطة؟ ومن يسيطر على اللجنة المركزية؟ ومن يمتلك مفاتيح المرحلة المقبلة؟

بدلا من أن تتحول الكارثة الفلسطينية الراهنة إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة، تبدو الساحة الفلسطينية أكثر انقساما وتشظيا من أي وقت مضى

وليس سرا أن حركة فتح، منذ اتفاق أوسلو، انتقلت تدريجيا من كونها حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة مرتبط ببنية سياسية وأمنية واقتصادية معقدة. ولذلك، فإن أي تغيير داخلها أصبح محكوما بهاجس الاستقرار أكثر من هاجس التحرر. ولهذا أيضا، فإن المؤتمر الثامن يبدو أقرب إلى عملية إعادة ترتيب داخلية للنظام القائم، لا إلى مراجعة جذرية للمسار الوطني الفلسطيني الذي وصل إلى مأزق تاريخي.

في المقابل، تواجه حماس ضغوطا غير مسبوقة تتعلق بسلاحها ومستقبل وجودها العسكري والسياسي في غزة. ويجري الدفع بقوة نحو معادلة تقول إن إعادة إعمار القطاع أو إدماجه في ترتيبات إقليمية جديدة لا يمكن أن تتم إلا عبر نزع سلاح المقاومة أو تحييده بالكامل.

ظاهريا، يبدو هذا الطرح مغريا للبعض تحت وطأة الدمار الهائل الذي أصاب غزة، لكن السؤال الذي يتجنبه كثيرون هو: على ماذا سيحصل الفلسطينيون مقابل ذلك؟ هل هناك مشروع دولة حقيقي؟ هل هناك ضمانات لإنهاء الاحتلال؟ هل سيتوقف الاستيطان؟ هل ستُرفع السيطرة الإسرائيلية عن الأرض والحدود والقدس؟ أم أن المطلوب ببساطة هو إنتاج نسخة فلسطينية منزوعـة السيادة والسلاح، تكتفي بإدارة السكان تحت سقف الهيمنة الإسرائيلية؟

هنا تكمن العقدة الأساسية: ماذا تبقى في يد الشعب الفلسطيني من أدوات المقاومة وتقرير للمصير؟ المشكلة لم تعد فقط في وجود انقسام بين سلطة ومقاومة، بل في غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف الأولويات الفلسطينية. إذ تبدو الساحة الفلسطينية اليوم موزعة بين مشروع يدير السلطة دون أفق سياسي حقيقي، ومشروع يقاوم عسكريا لكنه محاصر إقليميا ودوليا، بينما يضيع المواطن الفلسطيني بينهما.

والأخطر أن إسرائيل تبدو المستفيد الأكبر من هذا الواقع. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الفلسطينيون بمعاركهم الداخلية، يتواصل تغيير الوقائع على الأرض بوتيرة غير مسبوقة: استيطان يتوسع، وضفة تُبتلع تدريجيا، وقدس يجري تهويدها، وغزة يزداد الحصار عليها رغم صدمة التدمير، ومجتمع فلسطيني يُستنزف سياسيا واقتصاديا ونفسيا.

يشعر كثير من الفلسطينيين اليوم بأن قضيتهم لم تعد مهددة فقط من الاحتلال، بل أيضا من غياب الرؤية الوطنية الجامعة القادرة على حماية المعنى السياسي لفلسطين

أما الحديث الدولي عن حل الدولتين، فقد تحول إلى لازمة دبلوماسية تُكرر في البيانات، بينما تسير الوقائع العملية في اتجاه معاكس تماما، بل لم تعد تلك الاطروحات على طاولة المفاوضات بالأساس.

والحقيقة المؤلمة أن القضية الفلسطينية تواجه اليوم أزمة قيادة ورؤية بقدر ما تواجه الاحتلال نفسه. فمنذ سنوات، لم يعد الفلسطينيون يملكون مؤسسة وطنية جامعة قادرة على: توحيد القرار وإنتاج استراتيجية مشتركة، أو حتى إدارة الخلافات الداخلية ضمن إطار سياسي واحد. بل إن المشهد الحالي يوحي أحيانا وكأن كل طرف يخوض معركته الخاصة: فتح تدافع عن شرعية السلطة، وحماس تدافع عن شرعية المقاومة، بينما تتآكل شرعية المشروع الوطني نفسه.

وفي ظل الحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد محمود عباس، تبدو الأمور أكثر خطورة. فالصراع القادم لن يكون فقط على قيادة فتح، بل على شكل النظام السياسي الفلسطيني كله، وعلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمقاومة، وربما على تعريف القضية الفلسطينية ذاتها؛ هل ستبقى قضية تحرر وطني؟ أم ستتحول إلى ملف إنساني وأمني يُدار إقليميا ودوليا؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يختبئ خلف كل ما يجري اليوم.

إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه الفلسطينيون ليس الانقسام بحد ذاته، بل الاعتياد عليه، والتعامل معه باعتباره قدرا دائما. فعندما تصبح السلطة غاية بحد ذاتها، وتصبح المقاومة معزولة عن مشروع سياسي جامع، تتحول القضية تدريجيا إلى أزمة إدارة لا قضية تحرر.

وربما لهذا السبب، يشعر كثير من الفلسطينيين اليوم بأن قضيتهم لم تعد مهددة فقط من الاحتلال، بل أيضا من غياب الرؤية الوطنية الجامعة القادرة على حماية المعنى السياسي لفلسطين. فالقضية التي صمدت عقودا بفضل وحدة فكرتها الكبرى، تواجه اليوم خطر التآكل من الداخل، في لحظة إقليمية ودولية لا ترحم الضعفاء ولا المنقسمين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل