الأزمة
السياسية والاقتصادية في
مصر لا تخفى على أحد، ولا ينكرها أحد، حتى النظام نفسه لا
يستطيع إنكارها، وإن سعى دوما إلى تبريرها، وزعم قدرته على تجاوزها، والحقيقة أنه
غير قادر، أو غير راغب في حلها بالأساليب الطبيعية للحل، ولكنه يلجأ دوما للعصا
الغليظة لترهيب وتأديب من يذكرونه بالأزمة، أو حتى يطرحون حلولا لا تروق له.
على
مدى العشرية الماضية ظهرت بعض الأصوات الداعية لتفعيل النص الدستوري المتعلق
بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، لكن هذه الأصوات قمعت بطرق مختلفة. وقبل
أيام أعاد البرلماني السابق والناشط السياسي زياد العليمي طرح الفكرة مجددا فتعرض
لهجوم قاس من الأذرع الإعلامية التي تعبر عن الجهات الرافضة للمصالحة، فيما بدا أنه
تحريض ضده بهدف إعادته للسجن مجددا، وهو الذي قضى فيه من قبل حوالي 4 سنوات فيما
عرف بقضية تحالف الأمل الذي استهدف تكوين تحالف انتخابي لخوض الانتخابات
البرلمانية في العام 2020.
تضمن
الدستور المصري نصا واضحا عن
العدالة الانتقالية في مادته 241: "يلتزم مجلس
النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة
الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض
الضحايا، وذلك وفقا للمعايير الدولية".
ما طرحه زياد العليمي في حواره مع بودكاست "زاوية ثالثة"، يمثل مخرجا عمليا لمصر من أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية.. الخ، وهو مخرج دستوري لا يمكن وصفه أنه طرح مثالي، أو أنه من أفكار المعارضة
وكان من المفترض صدور قانون للعدالة
الانتقالية في العام 2015، لكن هذا النص مثل نصوص كثيرة غيره جمدت عمليا، حيث كان
الهدف من وجودها هو تمرير المرحلة، ومجاملة شكلية لقوى 30 يونيو في حينه.
ما
طرحه زياد العليمي في
حواره مع بودكاست "زاوية ثالثة"، يمثل مخرجا عمليا
لمصر من أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية.. الخ، وهو مخرج دستوري لا يمكن
وصفه أنه طرح مثالي، أو أنه من أفكار المعارضة، وقد تركز هذا الطرح على محورين؛
أولهما تطبيق العدالة الانتقالية، وثانيهما الحوار الوطني الجاد. أما العدالة
الانتقالية فهي تبدأ بالمكاشفة ومعرفة الجرائم التي وقعت خلال الفترات الماضية من
خلال ما سيتم تقديمه من شكاوى للضحايا، ثم الخطوة الثانية هي المحاكمة التي تتعدد
صورها، حيث تكتفي بعض التجارب باعتراف المجرمين وندمهم، في حين تميز تجارب أخرى
بين الجرائم ثقيلها وخفيفها، حيث يمكن نقل بعضها وخاصة جرائم القتل والتعذيب للمحاكم،
أو الاكتفاء بتوجيه اللوم، أو إلزام البعض برد أموال حصل عليها بطرق غير مشروعة مع
غرامات وتعويضات يقضي بها القضاء، والخطوة الثالثة هي بناء عقد اجتماعي جديد
بمشاركة الجميع دون إقصاء لأي طرف، وحوار بين الضحايا والجهات التي انتهكت حقوقهم،
لكن هذه العملية -العدالة الانتقالية- تتطلب قبولا مسبقا من جميع الأطراف،
واعترافا من الكل بأننا في وضع سيئ، ولن يتغير هذا الوضع إلا بتعاون الجميع،
وجلوسهم على طاولة واحدة لوضع سياسات وقواعد عادلة لإدارة الدولة، والمنافسة
الحرة.
هذا
ينقلنا للنقطة الثانية التي طرحها وهي أن الحوار لن يكون جادا إلا بين مختلفين
أنداد، أصحاب رؤى متنوعة، وعلى نقاط واضحة ووفق جدول زمني، وليس بين شلة أصدقاء أو
معارف لا يملكون من أمرهم شيئا كما حدث في الحوار الوطني الذي رعته السلطة، ولم
تحترم حتى مخرجاته رغم شكلانيتها. ومهمة هذا الحوار الجاد بمشاركة الإخوان والقوى
المدنية الأخرى هي رسم ملامح الدولة الحديثة، وكيف نجعل مؤسسات الدولة كفؤة، تقوم
كل منها بواجباتها التي حددها الدستور ولا تخرج عنها، ووضع قواعد للمنافسة الحرة
والعادلة.. إلخ.
ومساهمة
مني في تطوير الفكرة، فإن الحوار المنتج ينبغي أن يضم ممثلين للقوات المسلحة،
وممثلين للأجهزة الأمنية، والهيئات القضائية، وممثلين للحكومة والجهاز التنفيذي،
وممثلين للقوى والتيارات السياسية الرئيسية، وممثلين للنقابات العمالية والمهنية، والفنية، وجمعيات رجال الأعمال، والأزهر
والكنيسة، والمنظمات الشبابية والنسائية، في صورة منقحة من تشكيل الجمعية
التأسيسية للدستور، وسيكون على طاولة الحوار البحث عن طبيعة وشكل ومواصفات الدولة،
ونظام الحكم الذي يرتضيه المصريون، وقواعد التنافس السياسي والاقتصادي العادلة،
وثوابت السياسة الداخلية والخارجية التي يلتزم بها الجميع.
الحوار لن يكون جادا إلا بين مختلفين أنداد، أصحاب رؤى متنوعة، وعلى نقاط واضحة ووفق جدول زمني، وليس بين شلة أصدقاء أو معارف لا يملكون من أمرهم شيئا كما حدث في الحوار الوطني الذي رعته السلطة، ولم تحترم حتى مخرجاته رغم شكلانيتها
الداعي لهذا الحوار الجاد ينبغي أن يكون جهة مستقلة، وموثوقة
ولو نسبيا من الجميع مثل الأزهر الشريف أو بيت العائلة، أو المجلس القومي لحقوق
الإنسان، أو لجنة تنسيقية من النقابات المهنية (بشكل خاص الصحفيين والمحامين
والمهندسين والأطباء، ونادي القضاة)، أو لجنة من المراكز البحثية الكبرى، وفي أضعف
الإيمان البرلمان، حيث إن الهندسة السياسية له تجعل الثقة به في أضعف درجاتها.
وقد
سبقتنا تونس إلى هكذا حوار وطني شامل في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، وقد رعت هذا
الحوار 4 منظمات وطنية مستقلة هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي
للصناعة والتجارة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية
للمحامين، وقد نجح ذاك الحوار في نزع فتيل الأزمة التي اندلعت عقب اغتيال زعيمين
يساريين (شكري بلعيد، ومحمد براهمي)، كما نجح في استمرار المسار الديمقراطي لمدة
عشر سنوات قبل أن ينقلب عليه قيس سعيد في تموز/ يوليو 2021. وقد استحق ذلك الرباعي
الراعي للحوار الوطني التونسي جائزة نوبل للسلام في العام 2015.
وعلى
ذكر تونس أيضا، فقد كانت أول دولة عربية تتبنى مشروعا للعدالة الانتقالية بعد
ثورتها، وشكلت هيئة مستقلة للحقيقة والكرامة، غطت مهمتها فترتي حكم الرئيسين
الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وباشرت عملها حتى أواخر 2018، وقد تسلمت 65
ألف شكوى، وأدارت نحو 50 ألف جلسة استماع، وأحالت عشرات القضايا المتعلقة
بانتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي إلى القضاء، وساهمت في استرجاع مبالغ مالية
ضخمة لخزينة الدولة عبر لجان التحكيم. ورغم أن نتائج تلك الهيئة لم تكن مرضية بشكل
كاف للمتضررين، وقد عبر عن عدم الرضا الرئيس الأسبق منصف المرزوقي نفسه الذي وقع
قرار تأسيسها، إلا أنها مثلت خطوة مهمة على طريق العدالة وجبر بعض الأضرار، واسترداد
بعض الأموال المنهوبة، والترضية المعنوية للمتضررين والتونسيين بشكل عام خاصة مع
إذاعة الكثير من جلساتها عبر وسائل الإعلام.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.