مسخرة سياسية.. تكريم رفاعة الطهطاوي والتنكيل بحفيده

قطب العربي
"باءت كل مساعي الأسرة القانونية لتمكينه من حقه في الزيارة بالفشل"
"باءت كل مساعي الأسرة القانونية لتمكينه من حقه في الزيارة بالفشل"
شارك الخبر
من مفارقات السياسة المصرية بل الأصح من مساخرها؛ أن تحتفي السلطة الحاكمة بالشيخ رفاعة الطهطاوي بينما تحبس حفيده، وتمنع آل الطهطاوي من زيارته على مدى بضع سنوات ماضية في سجن بدر اللعين.

تكريم طهطاوي الجد جرى في حفل تخريج الدفعة الثالثة للدعاة في الأكاديمية العسكرية يوم أمس السبت بحضور السيسي، حيث كان البحث المشترك لهذه الدفعة حول رفاعة الطهطاوي ومشروعه التجديدي تحت إشراف مشترك من الأكاديمية العسكرية، ووزارة الأوقاف. والطهطاوي يستحق بالفعل كل تكريم، فهو من أعلام الثقافة والتنوير الذين ساهموا في إحداث نقلة حضارية وثقافية في مصر، لكن التكريم الحقيقي هو إطلاق سراح أكبر أحفاده، السفير محمد رفاعة الطهطاوي الذي حمل اسمه وعلمه وتراثه، بل ودعوته كضيف شرف في أي فعالية تتعلق بالجد.

السفير محمد رفاعة الطهطاوي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق (محمد مرسي) هو رهن الحبس منذ الثالث من تموز/ يوليو 2013 (يوم الانقلاب على الرئيس مرسي)، وقضت المحكمة في 2015 بحبسه 3 سنوات، كما قضت محكمة أخرى بحبسه سبع سنوات في 2019 بتهمة الانضمام لجماعة الإخوان، وهي تهمة ملفقة،
التكريم الحقيقي هو إطلاق سراح أكبر أحفاده، السفير محمد رفاعة الطهطاوي الذي حمل اسمه وعلمه وتراثه، بل ودعوته كضيف شرف في أي فعالية تتعلق بالجد
حيث لم ينضم الرجل يوما للإخوان أو لغيرهم بدليل أنه عمل طيلة عقود في السلك الدبلوماسي، وكان رئيس البعثة المصرية في طهران في أصعب لحظات العلاقات بين البلدين، كما استمر عمله في وارة الخارجية ثم مستشارا لشيخ الأزهر ومتحدثا باسمه، وهي مناصب تستوجب فحصا أمنيا دائما.

وفقا لتقرير حقوقي صادر عن المبادرة الشخصية، "فقد أتم الطهطاوي كامل العقوبات الصادرة بحقه بإجمالي عشر سنوات كاملة في 2023، وبدلاً من إنفاذ القانون وإطلاق سراحه، تم تدويره على ذمة قضية جديدة، هي الرابعة له، واتهم مجدداً بالانضمام لجماعة إرهابية، وتمويلها من داخل مقر احتجازه، دون الالتفات إلى حقيقة أنه ممنوع من التواصل مع العالم الخارجي بأي شكل، ومحروم من تلقي أي زيارة من أسرته أو دفاعه".

ووفقاً لأسرته فهو ممنوع من تلقي الزيارات منذ ما يزيد عن سبع سنوات، إذ كانت آخر زيارة سُمح بها لأسرته بتاريخ 14 آذار/ مارس 2018. علاوة على ذلك، باءت كل مساعي الأسرة القانونية لتمكينه من حقه في الزيارة بالفشل، وتقدمت الأسرة بعدد من الشكاوى والالتماسات للنائب العام للتظلم من حرمانه المطول من حقه القانوني في الزيارة ولم تتلق أي رد.

وبسبب ما يتعرض له في محبسه بجناح 2 في سجن بدر 3 من انتهاكات، فقد خاض الطهطاوي إضرابا عن الطعام استمر عدة أسابيع رفقة عشرات السجناء السياسيين، وقد تمكن الطهطاوي من تسريب مناشدة عاجلة لإنقاذه من التعسف الذي يلاقيه، وطالب في رسالته بتشكيل لجنة تقصّي حقائق دولية لزيارة السجن، وتقديم تقريرها إلى المفوضية السامية ومجلس حقوق الإنسان في جنيف، واقترح لتلك اللجنة كلا من الدكتور محمد البرادعي، و رئيس الوزراء الأردني الأسبق عون الخصاونة، والسفير شكري فؤاد، والناشط السياسي جورج إسحق. وقد أكد هذا المقترح عزلة الرجل عن الأوضاع خارج السجن، إذ إن السفير شكري والسياسي جورج إسحق كانا قد فارقا الحياة قبل ذلك ببضع سنوات.

معرفتي بالسفير رفاعة الطهطاوي بدأت من زيارته في مكتبه وفي بيته في ظهران عام 2000، حين ترأس البعثة الدبلوماسية لمصر في طهران بدرجة سفير، إبان توتر العلاقات بين الدولتين، وقد حرص وزير الخارجية المصرية حينذاك عمرو موسى على تكليفه بهذه المهمة ليسهم في تحسين العلاقات نظرا لما يتمتع به من ثقافة وخبرة، ومحبة من الإيرانيين له ولجده، ونجح الرجل في مهمته، حيث تحسنت العلاقات تدريجيا.

أكد هذا المقترح عزلة الرجل عن الأوضاع خارج السجن، إذ إن السفير شكري والسياسي جورج إسحق كانا قد فارقا الحياة قبل ذلك ببضع سنوات

أما علاقة السفير رفاعة بالسياسة المحلية فقد بدأت مع ثورة 25 يناير، حيث قدم الرجل استقالته من موقعه كمستشار لشيخ الأزهر ومتحدثا باسمه في الأيام الأولى للثورة، والتحق بالمعتصمين في ميدان التحرير، وفيه كانت لقاءاتنا التالية. وحين فاز مرسي بالرئاسة حرص أن يكون بجواره في القصر الرئاسي، ونشأت بينهما علاقات متميزة، دفعت به لعدم ترك مرسي حين جرى الانقلاب عليه، رغم أن السلطة الجديدة عرضت عليه الخروج بسلام.

وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب (26 حزيران/ يونيو) فإنني أضم صوتي للمناشدة السابقة للسفير الطهطاوي بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية لزيارة السجون المصرية، وخاصة ذاك الذي يقبع فيه الطهطاوي وعدد كبير من كبار القادة السياسيين والبرلمانيين. والمناشدة هنا ليست موجهة للسلطات المصرية، فهي التي حبست الطهطاوي وآلاف الساسة والبرلمانيين والنشطاء بهدف الانتقام منهم، وكسر إرادتهم، والأهم جعلهم عبرة لغيرهم ممن يطالبون بالإصلاح والتغيير، لكنها مناشدة للأمم المتحدة، ولمجلس حقوق الانسان فيها، ولجنة مناهضة التعذيب، والمقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء، وغيرها من الآليات الدولية التي تتمتع مصر نفسها بعضويتها. ولا يمكن اعتبار توجيه مناشدات لها استدعاء للتدخل الأجنبي في الشئون الداخلية، وإلا فإذا كانت السلطة تعتبر ذلك تدخلا فإن عليها أن تنسحب من تلك الآليات، ولا تشارك في أنشطتها.

ما يجدر ذكره أيضا أن هناك بروتوكولا ملحقا باتفاقية مناهضة التعذيب لإنشاء نظام للقيام بزيارات منتظمة من قبل لجنة دولية، وآلية وطنية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم، بغية الوقاية ومنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبمقتضى هذا البروتوكول يجب على الدول الأطراف فيه (مصر طرف) أن تنشئ آلية وقائية وطنية مستقلة واحدة أو أكثر للوقاية ومنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على المستوى المحلي، ومن بين ما يجب القيام به من قبل كل من الآلية الوطنية واللجنة الفرعية؛ دراسة معاملة المحرومين من حريتهم وتقديم ما يلزم من توصيات، وزيارة أماكن الاحتجاز والسجون ومقابلة المعنيين ونشر تقرير عن أعمالها..

الكرة في ملعب المنظمات الحقوقية المصرية والعالمية وآليات الأمم المتحدة لوضع مقترح الطهطاوي وغيره من سجناء الرأي موضع التنفيذ، حتى لو رفضت السلطات المصرية استقبال تلك اللجنة الدولية.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)