رسائل انتخابات "المغرب" إلى "المشرق" العربي

قطب العربي
"يظل جزءا معتبرا من الخارطة السياسية والمجتمعية المغربية رافضا للمشاركة الانتخابية في ظل هذه المنظومة السياسية"- عربي21
"يظل جزءا معتبرا من الخارطة السياسية والمجتمعية المغربية رافضا للمشاركة الانتخابية في ظل هذه المنظومة السياسية"- عربي21
شارك الخبر
الانتخابات البرلمانية التنافسية ليست جديدة في المغرب، فقد جرت أول انتخابات برلمانية عام 1963 بعد إقرار أول دستور بعد الاستقلال، ومنذ ذلك الوقت شهد المغرب 12 دورة انتخابية كانت تمتد لسبع سنوات تم تقليصها لخمس سنوات لاحقا، لكن انتخابات 2026 التي جرت قبل أيام حظيت باهتمام خاص كونها جرت في ظل بيئة إقليمية معادية للديمقراطية، والانتخابات عموما، عقب هزائم الربيع العربي -وآخرها تونس- من ناحية، واشتعال الحروب في المنطقة من ناحية ثانية ومنها حروب (غزة-السودان-إيران-لبنان-اليمن-الساحل الأفريقي..) التي مثلت مددا جديدا للنظم السلطوية، ودفعتها لتقليص ما تبقى من هوامش ديمقراطية، في استدعاء سلطوي للشعار الماكر "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

نجح المغرب في تجاوز موجة الربيع العربي التي طالته بعض رياحه (حراك 20 فبراير2011) من خلال إصلاحات دستورية مكنت أقصى المعارضة (حزب العدالة والتنمية) من تولي الحكومة لدورتين متتاليتين، كما نجح في تجاوز موجة الحروب، بل إنه حقق بالسلم ما لم يحققه بالحرب في قضية الصحراء، حيث أقرت الامم المتحدة أخيرا الرؤية الرسمية المغربية للحل، والتي تحافظ على بقاء الصحراء ضمن السيادة المغربية مع توسيع صلاحيات الحكم الذاتي. وفي الحالتين حافظ المغرب على تجربته الديمقراطية، التي تمنح السلطات السيادية والمركزية للقصر الملكي، بينما تمنح هامشا ضيقا من الصلاحيات للحكومات المنتخبة، وهو ما تناضل الحركة السياسية المغربية لتوسيعه منذ عقود، تنجح حينا وتفشل أحيانا.

حافظ المغرب على تجربته الديمقراطية، التي تمنح السلطات السيادية والمركزية للقصر الملكي، بينما تمنح هامشا ضيقا من الصلاحيات للحكومات المنتخبة، وهو ما تناضل الحركة السياسية المغربية لتوسيعه منذ عقود، تنجح حينا وتفشل أحيانا

لا يختلف المغاربة (القصر وأحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة وحتى القوى التي تعمل من خارج المشهد الرسمي) على قضية الصحراء، ولا يختلفون كذلك على النظام الملكي الحالي ممثلا في الأسرة العلوية التي يمتد حكمها منذ القرن السابع عشر (1669)، لكنهم يختلفون حول توزيع السلطات والصلاحيات بين الملك والحكومة المنتخبة، وقد بدأت تلك الاختلافات عقب الاستقلال، وعند صياغة الدستور الأول بعده عام 1962، ثم تجددت مع الثاني والثالث (1970، و1972)، واستمر النضال في التسعينات مع الدستورين الرابع والخامس (1992 و1996) اللذين أبقيا على الصلاحيات الواسعة للقصر مقابل بعض التحسينات للبرلمان، وكانت النقلة الأهم خلال موجة الربيع العربي الأولى ومع خروج مظاهرات 20 فبراير في المغرب، والتي كان من أهم مطالبها دستور ديمقراطي، وفصل السلطات وتوسيع صلاحيات الحكومة والبرلمان.

وقد صدر بالفعل دستور جديد هو السادس في تموز/يوليو 2011، وبموجبه يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، مع توسيع نسبي لصلاحيات الحكومة والبرلمان، ومع ذلك ظل القصر هو مركز الثقل السياسي وخاصة في الملفات السيادية، لكن هذا الهامش المحدود لصلاحيات الحكومة ظل أفضل من غيره من دول الجوار المغاربي التي حافظت بدورها على ديمقراطية هامشية، وأقصد هنا الجزائر وموريتانيا، بينما انقلب قيس سعيد بشكل تام على الديمقراطية في تونس التي نعمت ولمدة عشر سنوات بتجربة ديمقراطية حقيقية.

مع ذلك يظل جزءا معتبرا من الخارطة السياسية والمجتمعية المغربية رافضا للمشاركة الانتخابية في ظل هذه المنظومة السياسية التي تحرم الحكومة المنتخبة والبرلمان المنتخب من الصلاحيات الحقيقية الكاملة، وعلى رأس هذا الفريق حركة العدل والإحسان ( تعمل بشكل غير رسمي) وحزب النهج الديمقراطي اليساري، وانضم إليهما في الانتخابات الأخيرة قطاعات شبابية من جيل زد الذين لم يسجلوا أسماءهم أصلا في كشوف الناخبين. وقد تسببت دعوات المقاطعة في تراجع نسبة المصوتين من 50 في المئة في انتخابات 2021 إلى 38 في المئة في انتخابات 2026. وهذه الدعوات هي جزء أيضا من ضغوط سلمية للإصلاح السياسي والدستوري في ظل الملكية..

الهامش الديمقراطي المحدود في بلدان المغرب العربي الثلاثة (المغرب- الجزائر- موريتانيا) مثّل متنفسا لشعوب تلك الدول، وحال دون انفجارات شعبية واسعة، فحتى الحراك الذي شهدته الجزائر في العام 2019 ورغم أنه حمل مطالب عالية ("يتنحوا قاع"، أي المطالبة بتغيير النظام كاملا)، إلا أنه لم يصل إلى حالة ثورة شعبية واسعة، وكانت نتيجته وقف التمديد للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، مع استمرار الهامش الديمقراطي الذي سمح بالتنافس تحت سقف منخفض. والأمر ذاته في موريتانيا، بينما حرصت حكومات دول المشرق العربي على نسف ما تبقى من هوامش ديمقراطية محدودة، وهو ما يوفر الأرضية لانفجارات شعبية واسعة حين تكتمل عناصر اشتعالها.

قرر المغرب إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان، ولذا تبارت أحزاب المعارضة، ومن بينها حزب العدالة والتنمية، في انتقاد هذا القرار، تجاوبا مع الرأي العام وخوفا من غضبه، وفي المقابل لم يتعرض مناهضو التطبيع في المغرب لملاحقات ومحاكمات كما يحدث في الجانب الشرقي من الوطن العربي

قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني من القضايا الخلافية بين القصر ومعه أحزاب الموالاة من جهة، وأحزاب المعارضة من جهة أخرى، ورغم إقدام القصر على توقيع معاهدة التطبيع الإبراهيمي، ثم إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان، إلا أن ذلك قوبل برفض شعبي واسع.

وفي الانتخابات البرلمانية 2021 كان التصويت العقابي ضد حزب العدالة والتنمية بسبب توقيع رئيسه والذي كان أيضا رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، على الاتفاق، رغم أن هذا الملف من الملفات السيادية التي يديرها القصر، بينما توقيع رئيس الحكومة هو أمر شكلي، لكن الحاضنة الشعبية للحزب لم تغفر للعثماني هذا التوقيع الذي كان بإمكانه تجنبه، حتى لو اقتضى الأمر الاستقالة من رئاسة الحكومة.

وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة قرر المغرب إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان، ولذا تبارت أحزاب المعارضة، ومن بينها حزب العدالة والتنمية، في انتقاد هذا القرار، تجاوبا مع الرأي العام وخوفا من غضبه، وفي المقابل لم يتعرض مناهضو التطبيع في المغرب لملاحقات ومحاكمات كما يحدث في الجانب الشرقي من الوطن العربي.

لعل الرسالة الأهم في الانتخابات البرلمانية المغربية بشكل عام هي فتح المنافسة أمام جميع القوى السياسية بلا إقصاء، فالخارطة الحزبية تتنوع بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مرورا بالإسلاميين الذين يتعرضون في الدول العربية المشرقية للإقصاء وفي الحد الأدنى التهميش، وهذه المنافسة الهامشية موجودة أيضا في الجزائر وموريتانيا، ما يعني أن الحالة المغاربية ككل أفضل نسبيا في الممارسة السياسية من المشرق العربي، وإن لم تصل إلى المستوى الذي تصبو إليه شعوبها بعد.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)