ليست
المرة الأولى التي تبرز فيها جدلية المشاركة والمقاطعة في
الانتخابات النيابية
المغربية التي ستجري يوم 23 أيلول/ سبتمبر الجاري، والتي يتنافس فيها 27 حزبا على
395 مقعدا نيابيا، فقد ظهرت هذه الجدلية في انتخابات سابقة أيضا، لكنها تبدو هذه
المرة أكثر بروزا خاصة أنها تأتي في سياق محلي وإقليمي ودولي مختلف في ظل أزمة ثقة
اجتماعية أعمق، واحتجاجات شبابية، وبطالة مرتفعة، وضغط الماء والمناخ، واستقطاب
حول غزة والتطبيع، وصعود أكبر لملف الصحراء الغربية في السياسة الخارجية المغربية.
في ظل
هكذا مناخ تبدو دعوات
المقاطعة أكثر صخبا، وهي تراهن على الغضب الشعبي وخاصة
الشبابي (جيل زد 212)، والغضب من البطالة والصحة والتعليم والفساد، وتراجع الثقة
في الأحزاب، ما يعني أن قوة جديدة انضمت لهذه الدعوة إضافة إلى قوتين تقليديتين لديهما
موقف ثابت بالمقاطعة في كل الانتخابات السابقة، وهما حركة العدل والإحسان وحزب
النهج الديمقراطي اليساري. والقوة الجديدة (حركة جيل زد) ليست تابعة للعدل
والإحسان أو الحزب اليساري، بل نشأت أساسا خارج الأطر الحزبية التقليدية.
حديث
المقاطعة لا يعني جزما بحدوثها، أو غلبتها، فقد تتمكن الأحزاب السياسية المشاركة
من تقديم خطابات انتخابية قادرة على جذب الفئات الغاضبة، سواء من الكبار أو جيل
الشباب إذا تبنت مطالبهم، ووضعتها في صلب برامجها الانتخابية.
تستند قوى المقاطعة التقليدية وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان إلى عدم جدوى العملية الانتخابية بالأساس، وفي بيانها الأخير الذي دعت فيه الجماعة للمقاطعة أوضحت أن دعوتها ليست اعتراضاً على إدارة الانتخابات، أو على حزب بعينه، وإنما رفضا لبنية سياسية كاملة ترى أنها تجعل الانتخابات عاجزة عن إنتاج تغيير حقيقي
تستند
قوى المقاطعة التقليدية وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان إلى عدم جدوى العملية
الانتخابية بالأساس، وفي بيانها الأخير الذي دعت فيه الجماعة للمقاطعة أوضحت أن
دعوتها ليست اعتراضاً على إدارة الانتخابات، أو على حزب بعينه، وإنما رفضا لبنية
سياسية كاملة ترى أنها تجعل الانتخابات عاجزة عن إنتاج تغيير حقيقي.
فالجماعة
ترى أن المؤسسات الانتخابية لا تملك القرار السيادي الفعلي، حيث يمنح الدستور
المغربي الحكومة صلاحيات محدودة، ولذلك فإن الانتخابات قد تنتج برلماناً وحكومة،
لكن مراكز القرار الأساسية تظل خارج المؤسسات المنتخبة؛ وبالتالي فإن التصويت لا
يؤدي في تصورها إلى انتقال حقيقي للسلطة السياسية، فحتى لو فاز حزب بالانتخابات فهو
لا يمتلك سلطة حقيقية للحكم، ما يعني في المحصلة أن الانتخابات تمنح شرعية
للسياسات التي لا ترضي المواطنين.
ورغم
قرارها الدائم بالمقاطعة فإن الجماعة تنفي أن تكون تلك المقاطعة انسحابا من الشأن
العام، ولكنها تسعى للتغيير من خارج المنظومة السياسية الراهنة لفتح أفق سياسي
يقوم على إرادة شعبية حرة ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية.
دعوات
الجماعة للمقاطعة تضرب مباشرة في حزب العدالة والتنمية الذي حاز أكثرية برلمانية قبل
سنوات مكنته من تشكيل الحكومة المغربية لدورتين، كانت أولاهما في زخم الربيع
العربي (عقب حراك 20 فبراير 2011)، حيث فاز الحزب بـ107 مقاعد في انتخابات تشرين
الثاني/ نوفمبر من العام ذاته، وترأس حكومته عبد الإله بن كيران، كما فاز الحزب في
انتخابات 2016 بـ125 مقعدا ليشكل الحكومة مجددا برئاسة سعد الدين العثماني،
واستمرت حكومته حتى 2021 حيث تراجع الحزب إلى 13 مقعدا فقط على وقع رفض شعبي
لتوقيع العثماني على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني.
من
هنا يأتي تصدي الحزب لدعوات المقاطعة التي تتبناها الجماعة، ويسوق العديد من
التبريرات لدعوته للمشاركة، فهو يرى أن المشاركة أفضل من ترك المجال للقوى الأخرى،
ويعتبر أن تجربته السابقة أثبتت
الأسباب التي قادت إلى الانتفاضات الشعبية السابقة لا تزال قائمة، وقادرة على تفجير انتفاضات جديدة، ولا سبيل لتجنب تلك الانفجارات الشعبية إلا بتغييرات سياسية سلمية حقيقية عبر التوافق على دساتير حديثة، تمنح السلطة للشعب عبر ممثليه المنتخبين، وتسمح بتداول لهذه السلطة بين الأحزاب والقوى السياسية
أفضل من انتظار "التغيير الشامل"، والأهم أنه يرى أن المقاطعة لا تقدم
بديلاً سياسياً، في حين أن المشاركة تتيح معاقبة الحكومة، وأنها تحافظ على فكرة
"التغيير عبر صندوق الاقتراع".
هذا
السجال بين الجماعة والحزب لا يتوقف عند حدود المغرب، فهو جدال ينتشر الآن في
العديد من الدول العربية الأخرى، ومنها مصر والجزائر، وتونس، حيث يرى كثيرون أن
المشاركة في الانتخابات بصورتها الراهنة لم تعد ذات جدوى، بل إنها تمنح شرعية
للنظام، ولسياساته المرفوضة شعبيا، كما أن الكثيرين داخل التيار الإسلامي فقدوا
حماسهم للتغيير والإصلاح عبر الانتخابات بعد الانقلابات على
الديمقراطية (1991 في
الجزائر و2013 في مصر، و2021 في تونس)، وتتصاعد في الوقت نفسه الدعوات لمقاطعة
المنظومة السياسية بشكلها القائم، مع مواصلة الضغوط لإصلاح هذه المنظومة من خارجها
وهو عين ما تفعله جماعة العدل والإحسان في المغرب.
كان
انفجار الانتفاضات العربية في موجاته المتلاحقة نتيجة طبيعية للكبت السياسي،
واحتكار السلطة، وحرمان الشعوب من حقها الطبيعي في اختيار نوابها وحكامها، وتحويل
العمليات الانتخابية إلى حالة مظهرية مثيرة للسخرية، حيث النتائج المعروفة مسبقا،
وحيث لا فرصة لتداول السلطة، بل لا سلطة أصلا إلا لنخب عسكرية أو عائلية. ورغم أن
هذه النخب بما تملكه من قوى عسكرية وأمنية ومالية نجحت في وأد ثورات الشعوب، وقضت
على تجاربها الديمقراطية الوليدة، إلا أن ذلك لا يعني موت أحلام هذه الشعوب في
الحرية والديمقراطية، ولذا فإن كل الأسباب التي قادت إلى الانتفاضات الشعبية
السابقة لا تزال قائمة، وقادرة على تفجير انتفاضات جديدة، ولا سبيل لتجنب تلك
الانفجارات الشعبية إلا بتغييرات سياسية سلمية حقيقية عبر التوافق على دساتير
حديثة، تمنح السلطة للشعب عبر ممثليه المنتخبين، وتسمح بتداول لهذه السلطة بين
الأحزاب والقوى السياسية وفقا لقواعد تنافسية عادلة وشفافة.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.