هل يصمد "تحالف مكة" أم يلحق ما سبقه؟

قطب العربي
"يبقى السؤال عن غياب مصر عن هذا التحالف الذي شاركت في جلسات تمهيدية له من قبل"- واس
"يبقى السؤال عن غياب مصر عن هذا التحالف الذي شاركت في جلسات تمهيدية له من قبل"- واس
شارك الخبر
بعد عام من المفاوضات العلنية والسرية، وقّع قادة السعودية وتركيا وباكستان يوم الجمعة الماضي اتفاق مكة للدفاع المشترك، والذي بدا إعلاميا بمثابة حلف عسكري جديد، أو نواة لحلف ناتو إسلامي كما روج الكثيرون، لكن من الصعب اعتباره حلفا بالمعنى المعروف، فالأحلاف تعقد في مواجهة عدو أو مجموعة من الأعداء المشتركين بينما لا يوجد هذا العدو في حالة اتفاق مكة، وقد كان الرئيس التركي أكثر صراحة في التعبير أن هذا التعاون ليس موجها ضد أي دولة.

تضمين الاتفاق نصا على اعتبار أي عدوان على دولة فيه اعتداء على العضوين الآخرين يستلزم مواجهة مشتركة؛ لا يعني أن هذا النص سيتم تنفيذه فعليا، فكم من اتفاق تعاون مشترك سابق بين أطراف متعددة تضمنت مثل هذا النص دون تنفيذه عمليا، ولعل أبرزها في حالتنا العربية اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي وقعت عام 1950، وبعد 6 سنوات من توقيعها تعرضت مصر لعدوان عسكري ثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ولكنها وجدت نفسها وحيدة في مواجهة هذا العدوان لولا تدخل الدولتين الكبريين في العالم آنذاك (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي)، وتكرر الأمر ذاته مع تعرض دول عربية أخرى للعدوان من أطراف غير عربية (إسرائيل- إيران) دون تفعيل لتلك الاتفاقية.

كما أن الدول الخليجية وفي القلب منها السعودية عقدت في العام 2000 اتفاقا للدفاع المشترك نص في بنوده الأولى على أن أي اعتداء على إحدى الدول الخليجية هو اعتداء عليها جميعا يستلزم المبادرة لنجدتها ولو بالقوة العسكرية، ولكن ذلك لم يحدث أبدا، حتى وقوع الحرب الإيرانية الأخيرة، والاعتداءات الإيرانية على بعض الدول الخليجية..

للتحالف كمبادرة جماعية قيمته إذا تطور كما يتوقع أطرافه أو المتفائلون به، وللتحالف قيمته في تحسين قوة أطرافه في ظل تغييرات هيكلية تجري في المنطقة، بما يعيد رسم خارطتها، حيث لن يكون فيها مكان للضعفاء، وفي الحد الأقصى مكان الخدم للسادة المتحكمون الجدد

ذلك لا يعني أن التحالف الجديد عديم الجدوى لأطرافه، فلكل منها مبتغاه الذي حققه أو يسعى لتحقيقه. وللتحالف كمبادرة جماعية قيمته إذا تطور كما يتوقع أطرافه أو المتفائلون به، وللتحالف قيمته في تحسين قوة أطرافه في ظل تغييرات هيكلية تجري في المنطقة، بما يعيد رسم خارطتها، حيث لن يكون فيها مكان للضعفاء، وفي الحد الأقصى مكان الخدم للسادة المتحكمون الجدد.

السعودية أرادت من التحالف التدثر بشريكين ذوي قدرات عسكرية متميزة، أحدهما (تركيا) في مجال الصناعات الدفاعية التي لعبت دورا مميزا في حسم العديد من المعارك مؤخرا، والثاني (باكستان) المالك الحصري للقنبلة النووية في العالم الإسلامي، وصاحب الجيش ذي الخبرة القتالية المعقولة، وهي توجه بذلك رسالة إلى الأطراف المعادية لها بأنها لن تكون وحدها إذا تعرض أمنها لأي خطر، فحتى لو لم يتدخل الحلفاء عسكريا فعلى الأقل سيمارسون ضغوطا لصالحها. وهي إلى جانب ذلك ستستضيف مقر التحالف الجديد على أرضها، ليضاف إلى مؤسسات إقليمية أخرى تستضيفها أو تسعى لاستضافتها تعزيزا لصورتها كعاصمة للقرار العربي كما تقدم نفسها.

تركيا ستستفيد استثمارات سعودية كبرى تسهم في تطوير صناعاتها الدفاعية التي أصبحت مفخرة صناعاتها، وتسهم أيضا في تحسين وضع الليرة التركية التي تعاني نزيفا لا يتوقف، كما أنها بذلك تبني علاقة استراتيجية مع المملكة تطوي بها تماما صفحة الأزمات السابقة وآخرها أزمة اغتيال جمال خاشقجي، وما تبعها من مقاطعة اقتصادية سعودية لتركيا أثرت كثيرا عليها، كما تسعى تركيا على المستوى الاستراتيجي ربما لاستكمال مشروع نجم الدين أربكان الذي بدأه بتأسيس مجموعة الثماني الإسلامية الاقتصادية الكبرى في العام 1996، وربما تستهدف إقناع أعضاء هذا التجمع للتحالف العسكري الجديد. هنا ستظهر مشكلة أن من بين أولئك الأعضاء إيران؛ التي قد تكون الهدف غير المعلن للتحالف العسكري الجديد، لكن تركيا وعلى لسان وزير خارجيتها تنفي ذلك، مؤكدة أن مفاوضات تأسيس هذا التحالف بدأت قبل الحرب الإيرانية وبالتالي فهو ليس مصمما ليكون ضدها، بل للدفاع عن دوله في مواجهة أي اعتداء.

أما باكستان فهي على غرار تركيا ستستفيد من الاستثمارات السعودية التي تنعش اقتصادها، وتسهم في تطوير صناعاتها العسكرية، وزيادة حصة العمالة الباكستانية في سوق العمل السعودي، وهي بالتأكيد لن تستخدم القنبلة النووية لصالح أحد غيرها، لكنها قد تساهم ببعض القوات النظامية، أو المستشارين العسكريين، أو المعدات العسكرية دعما لأحد أطراف التحالف حين تعرضه للخطر. وهذا ليس جديدا عليها، فقد فعلته من قبل في مواطن متعددة، منها المشاركة حرب يونيو/ حزيران1967، وفي حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 بطيارين ومستشارين عسكريين، كما شاركت القوات الجوية الباكستانية مع السعودية في نزاعها مع اليمن عام 1969، واستمرت مشاركة القوات الباكستانية في الدفاع عن السعودية خلال عقود السبعينات والثمانينات.

يمكن لهذا التحالف العسكري أن يتطور بانضمام دول جديدة إليه، وهذا يتوقف على جهود مؤسسيه في إقناع الآخرين به، وفي قناعة الآخرين بفائدته لهم، كما يمكن أن يلحق هذا التحالف بعديد التحالفات واتفاقات الدفاع المشترك التي ذكرنا بعضها والتي ظلت حبرا على ورق، لم تجد طريقها للتنفيذ الفعلي

لا مانع أن يكون لكل دولة أغراض خاصة في هذا التحالف، لكنه إلى جانب ذلك يمكن أن يمثل نواة لقوة عسكرية إسلامية تستقطب المزيد من الدول تباعا، ويعطي قوة لأطرافه على أي طاولة لإعادة تشكيل المنطقة بما يحول دون هيمنة الحلف الصهيوني الذي يضم إلى جانب إسرائيل دولا عربية وغير عربية أيضا، لكن المشكلة التي ستواجهه هي موقف واشنطن التي لم تُبد اعتراضا علنيا حتى الآن على الحلف الجديد، لكنها حتما ستتخذ موقفا سلبيا حين تتيقن أنه سيشكل خطرا على الكيان الصهيوني، وسيلعب اللوبي الصهيوني في واشنطن دورا كبيرا في ترسيخ هذه المخاوف لدى إدارة ترامب.

يبقى السؤال عن غياب مصر عن هذا التحالف الذي شاركت في جلسات تمهيدية له من قبل وآخرها في يونيو/ حزيران الماضي، وأغلب الظن أن النظام المصري الذي يجعل الأولوية لحماية نفسه في الداخل ومواجهة المشاكل الداخلية المتفاقمة؛ لم يجد ما يغريه بالانضمام، فعلى خلاف تركيا وباكستان اللتين ستتلقيان استثمارات سعودية سخية في مجال الصناعات العسكرية، لن تحصل مصر على حصة مناسبة لأنها لا تملك صناعات عسكرية مماثلة، وهي في الوقت نفسه تخشى من التورط في أي مواجهات عسكرية لصالح أحد أطراف التحالف، خاصة حين تكون هذه المواجهة ضد إيران التي حرصت القاهرة حتى الآن على عدم الصدام المباشر معها رغم الشكوك في تورطها بقصف سفينتي غاز في ميناء دمياط المصري مؤخرا، كما يخشى النظام المصري غضب واشنطن وتل أبيب المحتمل من هذا التحالف الذي قد تنظران إليه باعتباره تهديدا لأمن الكيان الذي ترتبط معه القاهرة باتفاقية سلام.

يمكن لهذا التحالف العسكري أن يتطور بانضمام دول جديدة إليه، وهذا يتوقف على جهود مؤسسيه في إقناع الآخرين به، وفي قناعة الآخرين بفائدته لهم، كما يمكن أن يلحق هذا التحالف بعديد التحالفات واتفاقات الدفاع المشترك التي ذكرنا بعضها والتي ظلت حبرا على ورق، لم تجد طريقها للتنفيذ الفعلي.. الأيام وحدها هي التي ستكشف إلى أي المسارين يتحرك؟

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل