يا
لها من مفارقة مدهشة!! أسر
مصرية تفرح، وقد تتلقى التهاني بعد أن يظهر أبناؤها في
أحد السجون أو مراكز الاحتجاز، أو أمام نيابة أمن الدولة!! لقد كان بالنسبة لها
مفقودا على مدى أسابيع أو حتى شهور وبعضهم على مدى سنوات، كانت الشكوك تتصاعد يوما
بعد يوم في وفاته، ودفنه في مقابر سرية، أو حتى تركه في ثلاجات الطب الشرعي مجهول
الهوية، لكن مجرد اكتشاف تلك الأسر لأبنائهم في الحبس فإن هذا يعني بالنسبة لهم
أنه لا يزال على قيد الحياة، ويعني عودة الأمل للقياه سواء في محبسه، أو خارجه بعد
الإفراج عنه.
هكذا
هي الأوضاع في مصر في ظلال اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا
الاختفاء القسري الذي
حددته الأمم المتحدة في الثلاثين من آب/ أغسطس من كل عام. هل تتصور عزيزي القارئ
أن العديد من هؤلاء
المختفين قسريا مر عليهم سنوات وصلت بالنسبة لبعضهم إلى 13
عاما، أي منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة، وبعضهم من قبله، وقد انقطعت أخبارهم بشكل
كامل عن ذويهم الذين لم يتوقفوا عن البحث عنهم طيلة هذه السنوات! بحثوا في أقسام
الشرطة وفي المستشفيات العامة والخاصة، وفي مراكز الطب الشرعي، وفي السجون، وأماكن
الاحتجاز الأخرى دون جدوى، لكنهم مع ذلك لم يفقدوا الأمل بعد، ولا يزالون ينتظرون
معلومة تشفي غليلهم وتطفئ نارهم، وما يُبقي الأمل لديهم هو ظهور بعض المختفين بالفعل بعد شهور أو سنوات من
اختفائهم.
لم يفقدوا الأمل بعد، ولا يزالون ينتظرون معلومة تشفي غليلهم وتطفئ نارهم، وما يُبقي الأمل لديهم هو ظهور بعض المختفين بالفعل بعد شهور أو سنوات من اختفائهم
تأكيدا
لما سبق هذه نماذج لمن اختفوا لسنوات قبل ظهورهم مؤخرا، مثل محمد يحيى رشاد فرحات
(ظهر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بعد خمس سنوات من الاختفاء)، وأحمد عبد العظيم
الدملجي (اختفى في 25 نيسان/أبريل 2017، ثم ظهر في 24 تموز/يوليو 2020)، وعمر حاتم
سيد إبراهيم (اختفى 20 شهرا قبل أن يظهر في نيسان/أبريل 2020)، ومنار عادل أبو
النجا وطفلها البراء (اختفت مع زوجها عمر عبد الحميد أبو النجا وطفلهما البالغ من
العمر عاماً واحداً في 9 آذار/مارس 2019، ولمدة 23 شهرا".
تتلذذ
السلطات الأمنية بالتعذيب المعنوي لأهالي المختفين قسريا، وهم من أصحاب الرأي
والنشطاء السياسيين في العادة، وترفض تقديم أية معلومات لهم عن أبنائهم. أحيانا
يكون المختفي موجودا داخل أحد اقسام الشرطة لفترة طويلة، لكن إدارة القسم تنكر
وجوده، ولا تكتفي بهذا التعذيب المعنوي لأسر المختفين، بل إنها تلفق لبعضهم قضايا،
وتعتقلهم إذا رأت أنهم يسببون لها إزعاجا، كما حدث مع المحامي إبراهيم متولي الذي
اختفى نجله عمرو منذ مذبحة الحرس الجمهوري في 8 تموز/ يوليو2013، وبحث والده عنه
في كل مكان دون جدوى، وحين حاول السفر خارج مصر لعرض قضيته أمام الأمم المتحدة تم
القبض عليه في مطار القاهرة، وإيداعه الحبس حتى الآن.
لم
يكن عمرو إبراهيم متولي الوحيد الذي اختفى قبيل فض اعصامي رابعة والنهضةن بل شملت
القائمة أيضا أشرف حسن إبراهيم محمد، ومحمود إبراهيم مصطفى أحمد عطية، وخالد محمد
حافظ عز الدين (أحداث المنصة التي وقعت يوم 26 تموز/يوليو 2013)، وعبد الرحمن محمد
عبد النبي منذ يوم 10 آب/أغسطس 2013، ولم يستدل على مكانهم حتى الآن.
أما
قائمة المختفين منذ فض رابعة وبعدها بيومين فقد شملت كلا من عبد الحميد محمد عبد السلام،
والذي توفي والده بعد عامين من البحث عنه، وعمر محمد علي حماد، ومحمد خضر علي
محمد، الطالبين بكلية الهندسة، وعادل درديري عبد الجواد، ومحمود محمد عبد السميع،
ومحمود أحمد محمد علي بدوي، وعماد زكريا عبد الله عبد الجواد، ومحمد حسين السيد
السمان، ومحمد الشحات عبد الشافي أحمد. وتبعهم لاحقا محمد السيد محمد إسماعيل،
المختفي منذ 24 آب/أغسطس 2013، والذي اختطفته قوات أمن ملثمة من أمام بيته، وعزت
سعيد فؤاد مراد، المختفي منذ أحداث رمسيس الثانية بتاريخ 16 آب/أغسطس 2013، ومحمود
المليجي، المختفي منذ 24 آب/أغسطس 2013، وأسامة محمد راشد عبد الحليم، المختفي منذ
2 أيلول/سبتمبر2013، وأحمد عبد الله جمعة حسانين، المختطف من مقر خدمته العسكرية في
12 شباط/فبراير 2014، وعلا عبد الحكيم محمد السعيد، المختفية منذ 3 تموز/يوليو
2014، وعبد الرحمن محمد عبد النبي، المختفي منذ 10 آب/أغسطس 2014.
هي مظالم بل ظلمات بعضها فوق بعض، لم تمر هدرا، بل تركت آثارها في كل مكان، ولا تزال تلقي بظلالها على كل مجال
وكل
هؤلاء لا يزالون قيد الاختفاء القسري حتى الآن، ولم تنجح جهود أسرهم في الحصول على
أي معلومات عنهم.
أكثر
من عشرين ألف مصري مروا بتجربة الاختفاء القسري المريرة لفترات متباينة على مدار
الأعوام الثلاثة عشر الماضية وفقا لتقارير حقوقية، إنهم ليسوا مجرد أرقام، وليسوا
مجرد أسماء في قوائم لا تحصى من
المعتقلين والمختفين، فخلف كل واحد منهم أسرة
صغيرة وعائلة كبيرة، وأصدقاء، وزملاء وجيران يتألمون لألمهم، ويصبون لعناتهم على
من ظلمهم، وينتظرون لحظة الكشف عن مصائرهم، أحياء كانوا أو أمواتا.
وفقا
لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي دخل حيز التنفيذ في 1
تموز/يوليو 2002، والاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، التي
اعتمدتها الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني/ديسمبر 2006، فإن "الاختفاء
القسري" هو جريمة ضد الإنسانية، ولا يخضع بالتالي لقانون التقادم. وفضلا عن
ذلك، فإن لأسر الضحايا الحق في طلب التعويض، والمطالبة بمعرفة الحقيقة فيما يتصل
باختفاء أحبائهم.
هي
مظالم بل ظلمات بعضها فوق بعض، لم تمر هدرا، بل تركت آثارها في كل مكان، ولا تزال
تلقي بظلالها على كل مجال، وها هي لعنة الظلم تصيب كل من مارسه، وكل من قبل به، أو
حتى سكت عنه وكان في مقدروه ألا يسكت، فالظلم مؤذن بخراب العمران، تنام عيناك
والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.