حين تصبح مصر كلها ثكنة عسكرية.. 120 مليون جندي وخطر اختزال الدولة بالجيش

أحمد هلال‎
"المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر"- الأناضول
"المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر"- الأناضول
شارك الخبر
ليست المشكلة في أن يحب المصري جيشه، أو يفتخر بجندي يقف على الحدود، أو يرى في القوات المسلحة رمزاً للدفاع عن الأرض والسيادة، فالجيش المصري جزء راسخ من الذاكرة الوطنية، وله مكانة خاصة في وجدان المصريين، خصوصاً بما تحمله حرب أكتوبر من معنى تاريخي. لكن الفارق شاسع بين احترام الجيش وبين اختزال مصر فيه، وبين أن تكون القوات المسلحة مؤسسة وطنية عزيزة على شعبها وبين أن تتحول إلى مرادف للدولة والوطن والشرعية السياسية. وهذه المسافة تحديداً هي التي ينبغي ألا يسمح المصريون بردمها، لأن ردمها لا يخدم الجيش بقدر ما يخدم سلطة سياسية تحاول الاحتماء برمزيته ومكانته.

من هنا تأتي دلالة حملة "120 مليون جندي مصري"، التي انتشرت فيها صور فنانين وفنانات ودعاة ومواطنين بملابس عسكرية، بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، مصحوبة بخطاب يدعو إلى الاصطفاف خلف الجيش والقيادة، ويحذر من التشتت والأعداء، ويربط أمن البلاد واستقرارها بالوقوف خلف القيادة السياسية. في ظاهرها تبدو الحملة تعبيراً عن وطنية تلقائية: مصر مهددة، والجيش درعها، والمصريون جميعاً يقفون خلفه. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: متى يتحول الجيش من مؤسسة تحمي الدولة إلى صورة تختصر الدولة كلها؟

نقل الشرعية المعنوية للجيش إلى النظام السياسي يجعل الدفاع عن السلطة يبدو دفاعاً عن الوطن، ويجعل انتقاد الحاكم قابلاً للتصوير باعتباره انتقاداً للجيش، ثم يصبح المعارض، بالتدريج، موضع شبهة وطنية

الدستور نفسه يقدم إجابة مختلفة، فالقوات المسلحة، وفق المادة 200، ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد وأمنها وسلامة أراضيها، والحفاظ على مدنية الدولة وحقوق المواطنين. أي أن الشعب هو صاحب الجيش، والجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة وظيفتها حماية الشعب والدولة. فليست العلاقة أن الجيش هو الشعب، أو أن الجيش هو الدولة، أو أن القيادة السياسية هي الجيش، ثم يصبح الاعتراض على القيادة اعتراضاً على مصر. وهذه ليست مسألة لغوية، بل جوهر العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع والدولة؛ إذ إن نقل الشرعية المعنوية للجيش إلى النظام السياسي يجعل الدفاع عن السلطة يبدو دفاعاً عن الوطن، ويجعل انتقاد الحاكم قابلاً للتصوير باعتباره انتقاداً للجيش، ثم يصبح المعارض، بالتدريج، موضع شبهة وطنية.

وهذا هو أخطر ما يمكن أن ينتجه شعار 120 مليون جندي. فعندما يصبح كل مصري جندياً، وحين يرتدي الفنان والداعية والمواطن المدني الزي العسكري، تتحول الوطنية من انتماء إلى وطن ومجتمع ودولة ومؤسسات إلى هوية عسكرية. المواطن لا يظهر بوصفه مواطناً صاحب حق في الاختيار والاختلاف والمساءلة، وإنما بوصفه جندياً في جبهة، والجندي في الجبهة لا يناقش الأوامر ولا يختلف مع قائده أثناء المعركة، وهنا تتحول السياسة إلى ثكنة.

الأخطر أن بعض الخطاب المصاحب للحملة لا يقوم بتمجيد الجيش، بل يجعل الخلاف السياسي نفسه نوعاً من الخطر. فحين يقال إن هذا ليس وقت الاختلاف، وإن أي تشتت في الجبهة الداخلية سيستغله العدو، تنتقل الرسالة من التضامن الوطني إلى تحريم المعارضة. قد يبدو ذلك مفهوماً في حرب حقيقية ومحددة، لكنه يصبح بالغ الخطورة إذا تحول إلى قاعدة دائمة. متى ينتهي وقت عدم الاختلاف؟ إذا كان كل تهديد إقليمي وكل أزمة أمنية وكل توتر دولي يعني تعليق الخلاف السياسي، فإننا لا نعود أمام تعبئة وطنية مؤقتة، بل أمام حالة طوارئ نفسية دائمة. يصبح المعارض مشتتاً، والناقد مضعفاً للجبهة الداخلية، والمختلف خادماً للعدو، ومن يطالب بالمحاسبة كأنه يهدد الأمن القومي.

وهكذا تكتمل الدائرة: الخطر الخارجي يستخدم لإسكات الاختلاف الداخلي، ثم يستخدم الصمت الداخلي لإثبات أن الجميع يقف خلف القيادة. وهذه من أقدم آليات الحكم السلطوي: صناعة عدو دائم، خارجياً كان أم داخلياً، ثم تحويل السلطة إلى ضرورة أمنية لا يجوز مساءلتها. وفي الحالة المصرية تصبح المعادلة أكثر خطورة بسبب المكانة التاريخية للجيش؛ إذ لا تحتاج السلطة إلى القول صراحة أيِّدوا السيسي، يكفي أن تضع الرئيس في الصورة نفسها التي وضعت فيها الجيش والوطن والأمن والاستقرار، وتترك للمواطن استكمال المعادلة: من يحب الجيش يقف مع القيادة، ومن يعارض القيادة يضعف الجيش، ومن يضعف الجيش يضعف مصر.

لكن الجيش شيء، والحكومة شيء آخر، والوطن شيء، والرئيس شيء آخر، والدولة شيء، والنظام السياسي شيء آخر. وهذه الفواصل ليست ترفاً سياسياً، بل شروط لبقاء الدولة نفسها. فلا يمكن أن نستدعي الرصيد الوطني للجيش كلما احتجنا إلى شرعية سياسية، ثم نرفض إخضاع أداء الحكومة للمعايير التي يخضع لها أي نظام آخر. الجندي الذي يحمي الحدود ليس مسؤولاً عن سعر العملة، والضابط الذي يدافع عن الأرض ليس مسؤولاً وحده عن الدين العام، والقوة العسكرية لا تمنح صاحبها تلقائياً كفاءة في الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الإدارة أو السياسة؛ نجاح المؤسسة العسكرية في مجالها لا يمكن أن يكون شهادة نجاح مفتوحة للحكومة في كل المجالات.

وهنا تظهر مفارقة السنوات الماضية؛ ليس دقيقاً اختزال القضية في القول إن الجيش فشل، فالجيش كمؤسسة عسكرية شيء، والنظام السياسي الذي تداخلت فيه المؤسسة العسكرية مع الحكم والاقتصاد والإدارة شيء آخر. لكن السؤال المشروع هو: لماذا يُطلب من المصري أن يمنح النظام السياسي شرعية مستمدة من مكانة الجيش، بينما لا يُسمح بتقييم حصيلة الحكم بمعايير الاقتصاد والمؤسسات والحريات والمساءلة؟ وإذا كانت البلاد تواجه مخاطر خارجية حقيقية، فالقوة المطلوبة ليست دبابات وسلاحاً فقط، بل اقتصاداً قادراً على الصمود، ومؤسسات مدنية قوية، ودبلوماسية فاعلة، وصناعة وطنية، ومعلومات دقيقة، ومجتمعاً متماسكاً لأنه مقتنع لا لأنه خائف.

تكشف صور المشاهير بالزي العسكري، ومنها صور فنانات في أزياء أسلحة محددة، عن وظيفة تتجاوز الترفيه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع في دقائق جيشاً افتراضياً من الفنانين والدعاة والمواطنين، وأن يحول كل وجه مدني إلى مقاتل. الصورة لا توثق واقعاً؛ إنها تصنع واقعاً مزيفا: كل المصريين جنود، وكل الجنود شعب، وكل الشعب جبهة، وكل الجبهة خلف القيادة. وهذه هي قوة الدعاية الحديثة؛ فهي لم تعد بحاجة إلى تصوير الواقع، بل تستطيع صناعة صورة بديلة له حتى تبدو الفكرة وكأنها حقيقة اجتماعية مكتملة.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن كل من شارك في الحملة يقصد دعم استمرار الحكم أو يعي كل هذه الدلالات، لكن الحكم على الحملات السياسية لا يكون فقط بنوايا المشاركين فيها، بل بما ينتجه خطابها من معنى عام. وإذا كان الخطاب يربط الجيش بالقيادة والوطن، ويصور الاختلاف باعتباره تشتتاً، ويستدعي المخاطر الخارجية لتبرير الاصطفاف السياسي، فإنه يؤدي وظيفة سياسية واضحة، بصرف النظر عن الجهة التي أطلقت كل منشور أو صورة.

تحويل مئة وعشرين مليون مواطن إلى جنود في حملة رقمية، فقد لا يجعل مصر أقوى؛ ربما يجعلها فقط أكثر استعداداً لأن يُطلب من أبنائها صمت القطيع كلما قيل لهم إن المعركة بدأت

مصر ليست ثكنة، وليست دبابة، وليست زياً عسكرياً، وليست شخصاً واحداً مهما كانت مكانته؛ مصر هي الجندي والمهندس والطبيب والعامل والفلاح والمعلم والطالب والصحفي والقاضي والفنان، والمؤيد والمعارض؛ هي المواطن الذي يحب بلاده ويملك في الوقت نفسه حق مساءلة حكومتها. والجيش المصري مُلك للشعب، وهذه الجملة ينبغي أن تُقرأ في اتجاهها الصحيح: ليس الشعب ملكاً للجيش، ولا الوطن ملكاً للسلطة التي تستند إلى الجيش.

ومن يحب الجيش حقاً ينبغي أن يرفض استخدامه كغطاء سياسي، ومن يحترم الجندي ينبغي ألا يحمّله مسؤولية انتكاسات النظام، ومن يخاف على الأمن القومي ينبغي ألا يقبل تحويل الأمن القومي إلى حصانة دائمة من السؤال والمحاسبة، ومن يحب مصر ينبغي أن يرفض اختزالها في مؤسسة، مهما كانت عظيمة.

الخطر الحقيقي ليس أن يكون لمصر جيش قوي؛ بل أن يصبح الجيش معيار الوطنية، وأن تتحول صورته إلى مصدر شرعية سياسية، وأن يصبح الاعتراض على الحاكم اعتراضاً على الوطن، وأن يتحول كل تهديد خارجي إلى ذريعة لتأجيل الإصلاح، وكل أزمة إلى مبرر لمزيد من السلطة، وكل إخفاق إلى دعوة لمزيد من الصمت.

النظام الشرعي لا يحتاج إلى أن يقول للشعب باستمرار: أنا الجيش، وأنا الوطن، وأنا الاستقرار. الدولة القوية تعرف أن الجيش يحمي حدودها، وأن المؤسسات تحمي حقوق مواطنيها، وأن السلطة تخضع للمحاسبة، وأن الاختلاف ليس خيانة، وأن المعارضة ليست تشتتاً، وأن الوطن أكبر من الحاكم وأبقى من النظام. أما تحويل مئة وعشرين مليون مواطن إلى جنود في حملة رقمية، فقد لا يجعل مصر أقوى؛ ربما يجعلها فقط أكثر استعداداً لأن يُطلب من أبنائها صمت القطيع كلما قيل لهم إن المعركة بدأت.

ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب وسط ضجيج الشعارات وصور الزي العسكري: هل ندافع عن الدولة، أم ندافع عن نظام يريد أن يصبح هو الدولة؟

بين السؤالين يقع الفارق كله بين الوطن والسلطة، وبين جيش يحمي مصر، ونظام يستخدم صورة الجيش كي يحتمي من المصريين. وهنا يتحدد واضحا معنى الوطنية بمفهومها الطبيعي بعيدا عن الابتزاز المعنوي عبر استخدام الزي العسكري في غير موضعه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل