في الحروب
الكبرى، لا يكون السؤال الحاسم: من انتصر في الميدان؟ بل: من استطاع أن يحول نتائج
الميدان إلى مكاسب سياسية دائمة؟ فكثيراً ما عجزت الجيوش عن تحقيق ما نجحت
الدبلوماسية في انتزاعه، وكثيراً ما انتهت المعارك العسكرية لتبدأ معركة أخرى أشد
تعقيداً، هي معركة الشروط والرواية والشرعية.
من هذا
المنظور، لا تبدو مسودة الاتفاق الخاصة بغزة مجرد مبادرة لوقف إطلاق النار، بقدر
ما تبدو محاولة لإعادة تشكيل نتائج الحرب سياسياً. فالبنود المتعلقة بإعادة هندسة
الواقع الأمني في القطاع، ونزع القدرات العسكرية للمقاومة، وترتيبات اليوم التالي،
توحي بأن الهدف يتجاوز إنهاء القتال إلى بناء واقع جديد يعالج ما لم تستطع القوة
العسكرية وحدها حسمه.
ليست هذه
القراءة ادعاءً بأن الحرب فشلت أو نجحت بصورة مطلقة، وإنما محاولة لفهم منطق
التفاوض نفسه. فحين تعجز الحرب عن فرض جميع أهدافها، يصبح التفاوض امتداداً لها
بوسائل أخرى، وتسعى كل الأطراف إلى تعويض ما فاتها على الأرض بما يمكن انتزاعه على
طاولة المفاوضات.
الانخراط في مسار تفاوضي قد يُفهم، وفق هذا التحليل، باعتباره محاولة لتخفيف الكلفة الإنسانية، وإعادة ترتيب الأوراق، وكسب الوقت، أكثر من كونه تعبيراً عن قبول بالشروط المفروضة أو تخلياً عن الأهداف المعلنة
لكن
الصورة تظل ناقصة إذا أُغفل الطرف الآخر من المعادلة، فقبول
المقاومة بالتعامل مع
هذه المسودة لا يمكن فهمه بعيداً عن الواقع الذي فرضته الحرب على
غزة. فبعد أشهر
طويلة من المواجهة، وجدت المقاومة نفسها في حالة استنزاف مستمر، تواجه تفوقاً
عسكرياً واستخباراتياً هائلاً، بينما تتلقى ضربات متلاحقة طالت قياداتها وبنيتها
العسكرية. وفي الوقت نفسه، كانت ترى مجتمعها الحاضن يدفع الثمن الأكبر؛ مدن مدمرة،
وبنية تحتية منهارة، ومؤسسات تعليمية وصحية وخدمية أصابها الخراب، وملايين البشر
يعيشون تحت وطأة النزوح والجوع وانعدام مقومات الحياة.
وعليه فإن
المقاومة استنفدت إلى حد بعيد ما تستطيع تقديمه للحفاظ على قدرتها على الصمود،
لكنها وجدت نفسها أيضاً تتحمل أعباءً لم يكن من المفترض أن تقع على عاتقها وحدها.
فقد بدا العمق العربي، في نظرها، أقل حضوراً وتأثيراً مما تقتضيه جسامة الحدث، ولم
يرتقِ الإسناد السياسي والاقتصادي واللوجستي إلى مستوى يخفف الكلفة عن غزة، حتى في
الحدود التي لا تستلزم مواجهة عسكرية مباشرة مع
إسرائيل أو الولايات المتحدة. أما
الدعم الإيراني، فعلى أهميته، فقد بقي محكوماً بحسابات إقليمية واستراتيجية وسقف
سياسي وعسكري لم يتجاوزه.
وهكذا، لم
تكن المقاومة تخوض حرباً ضد إسرائيل وحدها، بل كانت تواجه اختلالاً واسعاً في
موازين القوى، بينما تتحمل في الوقت نفسه عبء الدفاع عن مجتمع يعيش إحدى أشد
الكوارث الإنسانية في العصر الحديث وتتحمل وحدها الدفاع عن أرض مقدسة تستوجب نهوض
الأمة الإسلامية بكاملها لانتزاع وتحرير القدس الشريف وفلسطين. ومن هنا، فإن
الانخراط في مسار تفاوضي قد يُفهم، وفق هذا التحليل، باعتباره محاولة لتخفيف
الكلفة الإنسانية، وإعادة ترتيب الأوراق، وكسب الوقت، أكثر من كونه تعبيراً عن
قبول بالشروط المفروضة أو تخلياً عن الأهداف المعلنة.
ومع ذلك،
فإن قياس نتائج الحرب بالمعيار العسكري وحده يفضي إلى قراءة مبتورة. فهذه الحرب لم
تُخض بالسلاح فقط، بل خيضت أيضاً بالصورة، والكلمة، والرواية، والشرعية. وللمرة
الأولى منذ عقود، عادت القضية الفلسطينية لتحتل مركز النقاش العالمي، وخرجت مئات
التظاهرات في عواصم الغرب، واتسعت دوائر التعاطف الشعبي، وارتفعت أصوات أكاديمية
وإعلامية وسياسية تنتقد السياسات الإسرائيلية، وانعكس جانب من هذا التحول على
مواقف عدد من الحكومات والبرلمانات في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولا يعني
ذلك أن موازين النظام الدولي قد انقلبت، لكنه يعني أن إسرائيل لم تعد تحتكر
روايتها كما كانت تفعل لعقود، وأنها أصبحت تواجه تحدياً متنامياً في معركة الشرعية
الدولية. وهذا بدوره يفسر جانباً من الحرص الإسرائيلي والأمريكي على التوصل إلى
اتفاق لا يقتصر على وقف القتال، بل يسعى أيضاً إلى احتواء التداعيات السياسية
والدبلوماسية للحرب، واستعادة المبادرة، وتقليص موجة الرفض المتصاعدة، وإعادة بناء
صورة تآكلت بفعل استمرار القتال وما خلفه من مآسٍ إنسانية.
لهذا، فإن
إعلان هزيمة المقاومة، كما إعلان انتصارها الكامل، يظل حكماً سابقاً لأوانه.
فالحروب الممتدة لا تُحسم عند توقف إطلاق النار، وإنما عند الإجابة عن سؤال أكثر
عمقاً: من نجح في فرض إرادته السياسية بعد أن صمتت المدافع؟
ذلك هو
الامتحان الحقيقي، فالتاريخ يخبرنا أن البنادق قد تصنع لحظة، أما السياسة فهي التي
تكتب نهايات الحروب. وقد تنجح القوة في كسب معركة، لكنها لا تضمن وحدها كسب
الرواية، ولا احتكار الشرعية، ولا حسم الذاكرة. وفي الصراعات الكبرى، كثيراً ما
تكون هذه العناصر هي التي تحدد المنتصر الحقيقي بعد أن ينقشع غبار الميدان.
ما يثير التساؤل هو اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، حين تُمارَس الضغوط بصورة غير متوازنة، ويُختزل السلام في تجريد الضعيف من أسباب قوته، دون معالجة أصل الصراع المتمثل في استمرار الاحتلال وإنهاء أسبابه
ويبقى
السؤال الأعمق أبعد من غزة، وأبعد من هذه الحرب ذاتها: أي نظام دولي هذا الذي
يطالب الشعب الواقع تحت الاحتلال بالتخلي عن أدوات مقاومته، بينما يواصل تزويد
القوة القائمة بالاحتلال بأحدث منظومات السلاح والدعم السياسي والدبلوماسي؟ وأي
ميزان للعدالة ذاك الذي يجعل نزع سلاح الطرف الأضعف شرطاً للسلام، في حين لا يفرض
أي قيد حقيقي على ترسانة الطرف الأقوى؟
إن جوهر
الأزمة لا يكمن في اختلال موازين القوة وحدها، بل في اختلال موازين القيم. فحين
تصبح شرعية القوة مقدمة على قوة الشرعية، ويتحول القانون إلى أداة تُطبَّق
بانتقائية، وتُمنح الحماية السياسية والعسكرية لطرف، بينما يُطالَب الطرف الآخر
وحده بتقديم التنازلات، فإن المشكلة لا تعود في نزاع بعينه، بل في بنية النظام
الدولي نفسه.
إن حق
الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال يجد سنداً في مبادئ القانون الدولي، كما
أن جميع أطراف النزاعات ملزمة في الوقت ذاته باحترام قواعد القانون الدولي
الإنساني. غير أن ما يثير التساؤل هو اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات
الفعلية، حين تُمارَس الضغوط بصورة غير متوازنة، ويُختزل السلام في تجريد الضعيف
من أسباب قوته، دون معالجة أصل الصراع المتمثل في استمرار الاحتلال وإنهاء أسبابه.
ولذلك،
فإن أي سلام يقوم على اختلال دائم في الحقوق والواجبات، ويطالب طرفاً واحداً بدفع
ثمن التسوية، بينما يبقى الطرف الآخر محتفظاً بكل عناصر التفوق العسكري والسياسي،
لن يكون سلاماً مستقراً، بل هدنة مؤقتة تؤجل أسباب الصراع ولا تعالجها. فالسلام
العادل لا يولد من ميزان القوة وحده، وإنما من ميزان العدالة؛ والعدالة لا تستقيم
إذا أصبحت القوة هي المصدر الوحيد للشرعية.
"ولا
تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.