رسائل عالقة! (4)

عزات جمال
"استمرار في الإبادة، وإمعان في الإجرام، وحكم بالإعدام على شعب بأكمله"- الأناضول
"استمرار في الإبادة، وإمعان في الإجرام، وحكم بالإعدام على شعب بأكمله"- الأناضول
شارك الخبر
تقول الحكمة المشهورة: "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد"، وهي دعوة صيغت من وحي التجربة، تدعو إلى الانضباط والالتزام بالإنجاز حتى يدرك المرء مبتغاه، ويصل إلى مقصده وهدفه في شتى شؤون حياته. لكن، مهلاً، ماذا عن تأجيل الحياة نفسها؟ تأجيل يشمل كل شيء، فيغدو الناس، لوهلة، وكأنهم عالقون في لحظة توقف فيها الزمن، ولم يعد له أي معنى، وقد تحولت أبسط الاحتياجات الإنسانية إلى أحلام.

أول ما عملت آلة الإبادة الدعائية على ترسيخه هو نزع الإنسانية عن المجتمع بأكمله، حتى تمهد لعملية السيطرة على ردود الأفعال، وتبرر الانتهاكات والعدوان عندما يتسرب شيء من صور الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان القطاع المحاصر، في ظل استمرار الغارات والقصف اليومي، وشح المياه، وغياب الغذاء، وندرة الدواء، فلا معنى بقي لـ"وقف إطلاق النار".

وهنا يحيا الناس في ما يشبه الحد الأدنى للبقاء فقط، وقد أخضع الاحتلال الإسرائيلي كل شيء لعملية هندسة محسوبة، وهو الذي يتحكم في المعابر والواردات، وسط الصمت الرهيب والخذلان. فالغذاء لا يعدو كونه سعرات تبقيك حياً، والماء قطرات تُحصى عليك، تحصل عليها بشق الأنفس، والسكن خيمة من قماش أو بلاستيك، لا تمنع حراً ولا برداً، ولا توفر خصوصية، ولا تحفظ الكرامة الإنسانية، وقد أصبحت بيئة مثالية للأوبئة والقوارض.

كل شيء خاضع للهندسة والضبط الصارم من الاحتلال الإسرائيلي، تُحبك المشاهد بعناية، وتُمرر الرسائل تباعاً في محاولة لإظهار الواقع على غير حقيقته، إمعاناً في سياسة التضييق والحرمان والعقاب الجماعي للشعب المظلوم

ولأن كل شيء خاضع للهندسة والضبط الصارم من الاحتلال الإسرائيلي، تُحبك المشاهد بعناية، وتُمرر الرسائل تباعاً في محاولة لإظهار الواقع على غير حقيقته، إمعاناً في سياسة التضييق والحرمان والعقاب الجماعي للشعب المظلوم.

فصور الشاحنات المكدسة التي ينشرها الاحتلال الإسرائيلي، والتي يحتوي جزء كبير منها على أصناف من الكماليات، على سبيل المثال: كالشيبسي، والأندومي، والشوكولاتة، تخدع العالم، وتحرف النظر عن أصل الحكاية، وأقسى فصول الإبادة، حيث يعمل الاحتلال الإسرائيلي على إلهاء العالم عن الواقع المأساوي الذي يعيشه أكثر من مليون إنسان في الخيام، بعيداً عن مدنهم ومخيماتهم التي ابتلعها الخط الأصفر. لقد فقد هؤلاء بيوتهم، وفقدوا أعمالهم، وباتوا يحيون على المساعدات المقدمة لهم. وهذه المساعدات، وفق شهادات متواترة لكبريات المنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة، كالأنروا، وبرنامج الغذاء العالمي، ومنظمة المطبخ العالمي، وغيرها، لا تكفي سوى للحد الأدنى للبقاء، إذ يعاني الكثير من الصغار والكبار آثار التجويع الممنهج، في ظل شح الأغذية الأساسية وارتفاع ثمنها، في حال توفرت بكميات قليلة، وفق الهندسة التي ذكرناها. أما منظمة الصحة العالمية، فتدق ناقوس الخطر بسبب انتشار الأوبئة والقوارض.

وإذا سألنا عن الخدمات الأساسية، فهي مؤجلة إلى وقت غير معلوم، وكذلك الحق في العلاج مؤجل، وكذا الحق في السفر، والحق في التعليم، فكل الحقوق مؤجلة، حتى أصبح التأجيل أصلاً وثابتاً من ثوابت الواقع الإنساني في غزة المحاصرة، وهي الحالة التي تحلو للاحتلال الإسرائيلي للمضي قدماً نحو التهجير القسري للسكان بمسميات براقة.

إن استمرار الغارات والقتل اليومي، في ظل ما يسمى "وقف إطلاق النار"، وإجبار الآلاف على العيش في خيام تفتقد أدنى المعايير الإنسانية، وحرمان السكان من الغذاء والماء والدواء والمسكن الآمن، لهو استمرار في الإبادة، وإمعان في الإجرام، وحكم بالإعدام على شعب بأكمله. لكن الأصعب أن تُنفذ هذه المشاريع بصمت وهدوء، وعلى مرأى ومسمع من العالم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل