من بين
رسائلنا العالقة، اخترت لكم رسالةً خاصةً سأحاول فيها تقريب المشهد من المتابع؛
ليكون على اطلاع بمعاناة أحد أهم الفئات العمرية، ألا وهم
الأطفال.
ولتدرك
حجم المأساة، يكفي أن تقف على بعض الحقائق والأرقام الواردة في عدد من التقارير
الدولية المتعلقة بجرائم الاحتلال الإسرائيلي وجيشه المصنف في قائمة العار؛ لتعمّده
استهداف الأطفال. فالصغار هم أحد أهم الفئات التي تعرضت لأبشع أنواع الانتهاكات في
هذه الإبادة المستمرة. فقد أوردت لجنة التحقيق الأممية بشأن فلسطين بأن أكثر من 20
ألف طفل فلسطيني قُتلوا خلال الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى تشرين الأول/
أكتوبر 2025، وأن إسرائيل تستهدف الأطفال من أجل التأثير على بنية المجتمع وحرمان
الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، وأنها دمرت 97 في المئة من المدارس و22
جامعة في
غزة، وأن أعداد الأيتام تجاوزت 50 ألف طفل، والمبتورين تجاوزت 15 ألف
طفل، أضف إلى ذلك ما تركته من تأثير نفسي واجتماعي كبير.
لقد أحدثت
هذه الإبادة انعكاسات خطيرة على حياة أطفال غزة، فبدلاً من الملاعب الرياضية
والمساحات الترفيهية، ينهمكون يومياً في البحث عن المياه والحطب، ويقضون بقية
يومهم في طوابير التكيات؛ لعلهم يحصلون على وجبة طعام. لقد حُرموا من الحق في
الحياة، والحق في العلاج، والحق في التعليم، والحق في السفر، والحق في الأكل،
والحق في الشرب، والحق في النوم بأمان!
ذنب هؤلاء أنهم وُلدوا وعاشوا في زمن الإبادة، ونجوا من بين أنياب الموت والتجويع؛ ليجدوا أنفسهم في مخيمات غير آدمية تفتقد أدنى المعايير الإنسانية، وتعج بكل أشكال الوباء والمرض!
لذلك أُشفق
على الأطفال حينما أتذكر أن هؤلاء الصغار لا يعرفون أبسط الأشياء، وهم الذين
يعيشون مع آبائهم وأمهاتهم في خيام النزوح؛ إذ إن هؤلاء الأبرياء، وخاصةً من
وُلدوا في هذه الحرب، لا يعرفون "الثلاجة، والغسالة، وشاشة التلفاز،
والهواية، ولا الأثاث، ولا المفروشات"، بل هم لا يملكون بيوتاً تؤويهم! لا يعرفون كثيراً من الأشياء، حتى تلك التي لا
تعيرونها أي اعتبار. ذنب هؤلاء أنهم وُلدوا وعاشوا في زمن الإبادة، ونجوا من بين
أنياب الموت والتجويع؛ ليجدوا أنفسهم في مخيمات غير آدمية تفتقد أدنى المعايير
الإنسانية، وتعج بكل أشكال الوباء والمرض!
يُقتل
هؤلاء وعائلاتهم بصمت، دون أدنى رحمة أو اعتبار. فلا مياه صالحة للاستهلاك البشري،
ولا مياه صالحة للشرب، ولا كهرباء، ولا صرف صحي، ولا بنية تحتية. أما على صعيد
الخيام، فهي تتحول إلى أفران لاهبة في ظل حر الصيف، وإلى ثلج زمهرير في الشتاء،
وتسكنها الحشرات والقوارض، فتزاحم السكان وتشاركهم قوت يومهم، في ظل غياب
التجهيزات والأواني والأمتعة اللازمة لاستخدام الأسر في الخيام، وعدم وجود مواد
فعالة لمحاربة القوارض والحشرات، فتمسي الصورة خياماً باليةً توفر بيئة مثالية
للمرض والوباء والحشرات والقوارض.
ويقفز
السؤال: إلى متى ستستمر هذه المعاناة؟ ومتى ستقف اللجنة الوطنية على مسؤولياتها
وتصل إلى غزة؟ وما هو دور الوسطاء؟ ومجلس السلام؟
أسئلة
كثيرة ومتشابكة، لكن الواقع المأساوي يزداد، مع الأسف، من سيئ إلى أسوأ، وسط صمت
رهيب وممتد.
أين ذهبت
الوعود؟ وكيف تبخرت الجهود؟
تساؤلات
لا تتوقف، وتهديدات لا تتلطف، والخاسر الأكبر الفئات الهشة؛ الصبية، والنساء،
والجرحى، والمرضى. تُنتهك حقوقهم، وتُنتزع آدميتهم، ويحيون في عذاب.
لقد سقطت
كل الادعاءات، وبانت كل المخططات. فالواقع أليم، والبلاء عظيم، والجهد المبذول لا
يفي بالغرض، ولا يحقق العوض. إن مأساة الإنسانية، في كلمة، هي "غزة"
الجريحة، التي تساوم على لقمة العيش ورشفة الماء، وأن أشد الفئات معاناة هم
الأطفال الصغار.
هل يدرك
العالم هذه الحقائق؟ نعم، إذاً لماذا يصمت؟ وإلى متى سيستمر في صمته!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.