لبنان شرط لاستمرار وقف إطلاق النار.. وغزة خارج المعادلة

صدام سحويل
"غزة تخضع لظروف جغرافية وسياسية معقدة، وتتعرض لحصار مستمر"- الأناضول
"غزة تخضع لظروف جغرافية وسياسية معقدة، وتتعرض لحصار مستمر"- الأناضول
شارك الخبر
مع الإعلان عن الاتفاق الأمريكي-الإيراني لوقف الحرب، برزت تساؤلات عديدة حول طبيعة البنود التي حملها الاتفاق، والأولويات التي حكمت سلوك الأطراف خلال المفاوضات. ومن بين أكثر النقاط التي أثارت الاهتمام؛  إصرار إيران على إدراج الملف اللبناني ضمن شروط استمرار وقف إطلاق النار، في الوقت الذي لم يظهر فيه إدراج مباشر لملف غزة ضمن ذات الشروط، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل: لماذا أصبح لبنان جزءاً من معادلة الاتفاق بينما بقيت غزة خارجها؟

لفهم ذلك، لا بد من النظر إلى طبيعة الموقع الذي يشغله كل من لبنان وغزة في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية. فالقضية لا تتعلق بالضرورة بترتيب الأهمية السياسية أو الأيديولوجية، وإنما تتصل بدرجة التأثير المباشر لكل ملف على معادلات الأمن الإقليمي وموازين القوة.

يمثل لبنان بالنسبة لإيران أكثر من مجرد ساحة نفوذ إقليمي أو مساحة للتأثير السياسي؛ فهو يشكل أحد أهم عناصر منظومة الردع التي عملت طهران على بنائها خلال العقود الماضية. فوجود حزب الله بما يمتلكه من قدرات عسكرية وشبكات نفوذ متداخلة جعله جزءاً رئيسياً من التوازنات الإقليمية التي تعتمد عليها إيران في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية.

لا بد من النظر إلى طبيعة الموقع الذي يشغله كل من لبنان وغزة في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية. فالقضية لا تتعلق بالضرورة بترتيب الأهمية السياسية أو الأيديولوجية، وإنما تتصل بدرجة التأثير المباشر لكل ملف على معادلات الأمن الإقليمي وموازين القوة

ومن هذا المنطلق، فإن أي تغيير جذري في المعادلة اللبنانية، أو أي محاولة لإعادة تشكيل التوازنات هناك بصورة تؤدي إلى إضعاف حزب الله أو إخراجه من المعادلة، لا يُنظر إليه في طهران بوصفه تطوراً محلياً يخص لبنان وحده، بل باعتباره تحولاً استراتيجياً قد ينعكس على مجمل موقع إيران الإقليمي وقدرتها على الردع والمناورة.

أما غزة، فرغم مكانتها السياسية والرمزية الكبيرة في الخطاب الإيراني، فإن موقعها في الحسابات العسكرية والاستراتيجية يختلف بصورة ملحوظة. فغزة تخضع لظروف جغرافية وسياسية معقدة، وتتعرض لحصار مستمر، كما أن هامش التأثير الإيراني المباشر داخلها لا يوازي حجم التأثير القائم في الساحة اللبنانية.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل طبيعة العلاقة المختلفة التي تربط إيران بكل من لبنان وغزة. فالعلاقة مع حزب الله تبدو أكثر تشابكاً واندماجاً ضمن المنظومة الإقليمية التي عملت طهران على بنائها على مدى سنوات طويلة، بينما تقوم العلاقة مع فصائل المقاومة الفلسطينية على مستويات مختلفة من التنسيق والدعم والمصالح المشتركة.

كما أن لبنان كان حاضراً بصورة مباشرة في دائرة التصعيد المرتبط بالحرب الأخيرة، الأمر الذي جعله جزءاً من ترتيبات وقف إطلاق النار بصورة أكثر وضوحاً مقارنة بغزة.

أما البعد العقائدي أو المذهبي، فرغم حضوره في بعض القراءات السياسية، فإنه وحده لا يبدو كافياً لتفسير سلوك الدول وتحالفاتها، إذ غالباً ما تبقى اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية العامل الأكثر تأثيراً في رسم السياسات خلال لحظات الأزمات الكبرى.

وبمعنى آخر، فإن أي تطورات في غزة، مهما كانت مؤثرة سياسياً أو إنسانياً، لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير مباشر في معادلات الردع الإقليمي بالشكل الذي يمكن أن يحدثه تحول كبير في لبنان.

قد لا يكون استبعاد غزة مؤشراً على تراجع مكانتها السياسية أو الرمزية في الخطاب الإيراني، بقدر ما يعكس اختلاف موقعها ووظيفتها داخل شبكة التحالفات الإقليمية الإيرانية

لكن ذلك لا يعني أن غزة خرجت نهائياً من الحسابات الإيرانية، أو أن طهران قررت تجاوزها سياسياً. فإيران تدرك أن القضية الفلسطينية ما تزال تمثل عنصراً مهماً في خطابها السياسي والإقليمي، إلا أن إدارة الأولويات خلال الأزمات تختلف في كثير من الأحيان عن الشعارات المعلنة، إذ تميل الدول عادة إلى التركيز على الملفات الأكثر ارتباطاً بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية المباشرة.

وعليه، فإن إدراج لبنان ضمن شروط استمرار وقف إطلاق النار، مقابل غياب غزة عن ذات المعادلة، لا يبدو مجرد تفصيل تفاوضي عابر، بل قد يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم الحسابات الإيرانية في هذه المرحلة. فالدول، خصوصاً خلال الحروب والأزمات الكبرى، لا تتحرك وفق الشعارات وحدها، بل وفق حسابات الأمن القومي وموازين القوة وطبيعة المصالح الاستراتيجية التي تسعى للحفاظ عليها.

ومن هذا المنطلق، قد لا يكون استبعاد غزة مؤشراً على تراجع مكانتها السياسية أو الرمزية في الخطاب الإيراني، بقدر ما يعكس اختلاف موقعها ووظيفتها داخل شبكة التحالفات الإقليمية الإيرانية. فلبنان، بما يمثله من أهمية في معادلات الردع والتوازن الإقليمي، بدا بالنسبة لطهران ملفاً أكثر ارتباطاً بأمنها الاستراتيجي المباشر، الأمر الذي جعل استقراره جزءاً من شروط استمرار الاتفاق.

وربما تكشف هذه التطورات حقيقة طالما أكدت عليها تجارب السياسة الدولية، وهي أن لحظات الأزمات الكبرى لا تعيد رسم خرائط الصراع فحسب، بل تكشف أيضاً ترتيب الأولويات الحقيقي لدى الأطراف المختلفة، بعيداً عن الخطابات والشعارات المعلنة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل