صدر
في 11 حزيران/ يونيو 2026، اعتراف من المكان الأقل توقعاً. لم يكن اعترافاً من خصم،
بل من بنيامين نتنياهو نفسه. أعلن رئيس الوزراء
الإسرائيلي أن بلاده ليست طرفاً في
الاتفاق الناشئ مع
إيران الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تأمل
المشهد للحظة؛ دولة خاضت
حربين على إيران في أقل من عام، عبأت جيشها، استهدفت مدنها
بالصواريخ، شاركت في ضربة أفضت إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني ثم، حين جاءت ساعة
التسوية، وجدت نفسها خارج الغرفة. لم تُستشر، لم تمثل، أُبلغت بالنتيجة في مكالمة هاتفية
باغتتها، بعد أن أعلن ترامب أن الاتفاق قد أُنجز تقريباً.
ها
هو الحليف الأوثق لواشنطن في المنطقة يترك على عتبة الباب بينما يقرر مصير عدوه اللدود
في الداخل. وإذا كان هذا مصير الحليف الأقوى، فأي مصير ينتظر الحليف التابع الذي لا
يملك ما يملكه من أوراق؟
إذا
كانت إسرائيل، أقوى حلفاء واشنطن، تترك خارج الغرفة، فما الذي يضمن ألا يباع التابع
العربي في أول منعطف؟
أولاً:
ما الذي جرى فعلاً؟ صراع روايتين
لنكن
دقيقين، لأن الدقة هي ما يميز التحليل عن الدعاية. هناك روايتان متصارعتان لما جرى،
والمسافة بينهما هي حيث تكمن الحقيقة.
الرواية
الأولى، رواية واشنطن وتل أبيب: تقول إن الحرب حققت غايتها، وإن المفاعلات النووية
الإيرانية دمرت، وإن إيران لم تعد قادرة على صناعة قنبلة، وإن الاتفاق انتزع منها تنازلات
صارمة في برنامجها النووي. لكن هذه الرواية نفسها قيلت بعد "حرب الاثني عشر يوماً"
في صيف 2025، حين أعلن تدمير القدرة النووية الإيرانية، ثم عادت الحرب أشد ضراوة بعد
أشهر. فإذا كانت القدرة قد دمرت في الجولة الأولى، فعلام كانت الجولة الثانية؟ التكرار
وحده يكشف هشاشة الادعاء.
الرواية
الثانية، رواية الوقائع على الأرض: تروي قصةً مختلفة تماماً. فلننظر إلى ما حدث فعلاً،
لا إلى ما أُعلن. دخلت إيران الحرب وهي في أضعف حالاتها: حزب الله انسحب إلى شمال الليطاني،
أذرعها تتهاوى، اقتصادها منهار، مرشدها وقادتها العسكريون اغتيلوا في ضربة أمريكية-إسرائيلية
مشتركة. كانت، بكل المقاييس، دولةً جريحة. ثم -حين وصلت صواريخها الباليستية إلى كل
مكان في الكيان المحتل- سارعت واشنطن إلى وقف الحرب فجأةً، تحت غطاء "انتهاء المهمة".
ولنتأمل
الثمرة التي خرجت بها إيران من حرب كان يفترض أن تسقط نظامها: فرضت هيمنتها على مضيق
هرمز؛ من يعبر يدفع، أو يعود. والبارع في هذه المناورة أن المضيق كان مفتوحاً أصلاً
قبل الحرب. حولت إيران ورقةً كانت بحوزتها أصلاً إلى خط دفاع تفاوضي: تنازلت عما لم
تكن تملكه فعلاً (الرسوم)، فبدا تنازلاً يحفظ ماء الوجه، بينما حمت خلفه ما يهمها حقاً؛
برنامجيها النووي والباليستي. وحين تقدم واشنطن "فتح هرمز أمام الملاحة بلا رسوم"
على أنه نصر أمريكي كبير، بينما يعرف العالم أن المضيق كان مفتوحاً عادياً قبل الحرب،
فتلك شهادة على براعة الطرف الإيراني، لا على عجزه.
ثم
انتزعت غنائم اقتصادية ملموسة لا تقبل التأويل: بيع نفطها علناً بالسعر العالمي، ورفع
العقوبات عن أرصدتها المجمدة، وفرض ما يشبه الإتاوات على بعض دول الخليج لإصلاح ما
ألحقته القواعد الأمريكية على أراضيها من خسائر بإيران. والأهم رمزياً: لم توقف إيران
الحرب إلا حين توقفت الحرب على ذراعها في لبنان، أي أنها فاوضت لا لنفسها وحدها، بل
لصالح أذرعها في الأقطار الأخرى. هذا سلوك قوة إقليمية صاعدة، لا دولة مهزومة.
أي
الروايتين نصدق؟ المنهج التحليلي السليم لا يصدق الإعلانات، بل يقرأ النتائج. والنتائج
تقول: من يخرج من حرب "لإسقاطه" وقد بقي نظامه، ورُفعت عقوباته، وبيع نفطه،
وفرضت هيمنته على أهم ممر مائي في العالم، وفاوض لصالح حلفائه؛ لم يهزم، مهما قيل في
بيانات النصر.
هنا
يجب أن نتوقف لنحصن هذا التحليل من سوء الفهم. لسنا في معرض تمجيد طهران؛ نظامها يقمع
شعبه بوحشية، ومشروعها المذهبي زرع الانقسام من بيروت إلى صنعاء. نحن نستخلص مبدأ مجرداً:
أن القوة الذاتية -وتحديداً ورقة الردع الباليستية- هي ما فرض على أعتى تحالف في العالم
أن يتراجع. لم يكن النووي المتخيل البطل، بل الباليستي الواقعي.
ثانياً:
سقوط هيبة الردع الأمريكي
وهنا
تكمن الدلالة الأخطر، التي تتجاوز إيران نفسها، فالحرب لم تكشف ضعف إيران بقدر ما كشفت
تآكل الردع الأمريكي.
ويجب
أن نقارن بين حربين: حين غزت أمريكا العراق عام 2003، فعلت ذلك بذكاء استراتيجي؛ غطاء
من مجلس الأمن، تحالف دولي واسع، شرعية ظاهرية. حققت غايتها: دُمر العراق، وأُسقط نظامه،
وأعيد إلى الوراء عقوداً.
أما
في إيران، فحاربت واشنطن منفردةً، بلا شرعية دولية سوى شرعية القوة العارية والأماني
الإسرائيلية ثم لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة: لم يتم تدمير النووي، لم يتم القضاء
على الباليستي، لم يتم إسقاط النظام.
دولة
"مريضة" كإيران أعجزت القوة الأعظم في العالم عن حسم الحرب، فإذا كان هذا
حال أمريكا مع طهران المنهكة، فأي ضمان بقي لقدرتها على تحقيق الطموحات الإسرائيلية
الأوسع؟ لقد فقدت واشنطن -كما فقدت إسرائيل من قبل- هيبة الردع. وهذا وحده زلزال في
بنية النظام الإقليمي كله.
ثالثاً:
هل انتصر الكيان المحتل؟ معيار النصر المزدوج
هنا
يفرض السؤال المعاكس نفسه: إذا كانت إيران قد انتصرت، فهل انتصرت إسرائيل بتوسعها في
ثلاث دول عربية؟ الإجابة تتوقف على المعيار الذي نقيس به. وهنا مكمن الخدعة.
بالمعيار
التكتيكي، معيار الأرض: لا يمكن إنكار أن حيازة الأرض هي المقياس التقليدي للنصر، فلا
تعد خسارة الأرض مكسباً، مهما ألحقت بالعدو من هزائم. وبهذا المقياس، اتسعت إسرائيل
فعلاً: ابتلعت جزءاً إضافياً من سوريا، وجزءاً من جنوب لبنان، ونصف قطاع غزة تقريباً،
خسر حزب الله أرضه في الجنوب اللبناني، وخسرت المقاومة الفلسطينية نحو نصف جغرافيا
غزة. فإذا ضيقنا العدسة على هذه الزاوية وحدها، وجب أن نقول بالفم الملآن: انتصرت إسرائيل،
وخسرت القضية الفلسطينية أرضاً غالية.
لكن
بالمعيار الاستراتيجي، معيار التاريخ: تنقلب الصورة رأساً على عقب. فلنسأل سؤالاً واحداً
حاسماً: بم توسعت إسرائيل؟ لم تتوسع بقوتها العسكرية الذاتية، ولا بمتانة جغرافيتها،
ولا برصيدها التاريخي، بل بالضعف العام الذي تعانيه الدول الثلاث: سوريا، ولبنان، وفلسطين.
ثلاث دول بلا جيوش حقيقية قادرة على القتال، بلا أسلحة ردع تجعل المحتل يفكر مرتين
قبل أي تمدد. إن توسع إسرائيل ليس دليل قوتها، بل دليل فراغ القوة من حولها. والدولة
التي تكبر بفضل ضعف جيرانها لا بفضل قوتها الذاتية، تكبر على أرض هشة، وتمددها رهن
ببقاء ذلك الضعف.
والدليل
على هشاشة هذا التوسع يأتي من داخل إسرائيل نفسها. فلأول مرة، يرى المستوطنون دولتهم
تضرب من كل اتجاه. الدولة المهابة لم تعد مهابة، صار سكانها يركضون إلى الملاجئ والأنفاق
مع كل جولة. والحلم الشعبي العربي بزوال إسرائيل لم يعد خيالاً بعيد المنال، بل صار
-في الوعي الجمعي- أملاً قابلاً للتحقق، بعد أن ثبت أن هذا الكيان قابل للاختراق والاستباحة،
ولهذا دولة الاحتلال الآن تتدرع بحلفائها من الحكام العربي لتأجيل هذا السقوط.
وإسرائيل
ذاتها تدرك هذه الحقيقة المرة، فهي دولة قائمة على الردع أولاً، والتوسع ثانياً. والردع،
حين يسقط، يسقط معه كل شيء. هي تعلم أنها لم تنتصر، وأن توغلاتها هشة، وأن طموحها في
تطبيق الرؤية "الإبراهيمية" وسيادة الشرق الأوسط قد قصقص ريشه. والأخطر:
أن توقيع الاتفاق الأمريكي-الإيراني يعني أن واشنطن قد لا تكون شريكاً واضحاً في أي
هجوم إسرائيلي مستقبلي على إيران، بل قد تمسك بلجام نتنياهو، وربما تجبره مع الوقت
على الانسحاب من جنوب لبنان، حيث سيعود حزب الله سراً، يقبع في مكانه بانتظار جولة
جديدة.
إسرائيل
تكبر على الخريطة، وتتآكل في العمق؛ تتمدد جغرافياً، وتنهار استراتيجياً.
رابعاً:
من يجلس نداً، ومن يترك خارج الباب
قدمت
اللحظة الراهنة تجربةً مخبرية شبه مثالية في موازين القوى؛ ثلاثة أطراف، ثلاثة مصائر:
*
إيران امتلكت أوراق ردع حقيقية -برنامج نووي، وترسانة صواريخ، وقدرة على إغلاق هرمز-
فجلست على الطاولة نداً، حتى وهي منهكة.
*
إسرائيل امتلكت تحالفاً لا أوراقاً مستقلة، فحين تعارض مشروع نتنياهو مع المصلحة الأمريكية،
اكتشفت أن التحالف يضمن الحماية لا الشراكة في القرار، فأقصيت.
*
الطرف الثالث -العالم العربي الرسمي- لم يكن لاعباً أصلاً. لم يُقصَ كإسرائيل، لأنه
لم يكن مدعواً من الأساس، كان متفرجاً على إعادة رسم خريطة إقليمه.
والمفارقة
القاسية أن الوسيط لم يكن عربياً أيضاً، بل باكستان: رئيس وزرائها شهباز شريف هو من
أعلن وقف النار "في كل مكان بما فيه لبنان"، ثم أعلن الاتفاق وموعد توقيعه
في سويسرا. دولة من جنوب آسيا تصنع السلام في قلب الشرق الأوسط، بينما عواصم العرب
تتلقى الأنباء كأي مراقب بعيد، ما عدا قطر الوسيط الاشهر في ملفات كثيرة انتهت بالنجاح.
في
عالم السياسة، لا يُحجز مقعدك على الطاولة بحسن سلوكك، بل بثقل ما تملكه من أوراق.
خامساً:
في جذور التبعية- من كامب ديفيد إلى أبراهام
لم
يولد هذا الخلل من فراغ، ففي عام 1978، جلس أنور السادات مع مناحيم بيغن في كامب ديفيد
برعاية جيمي كارتر، لتصبح مصر أول دولة عربية توقع سلاماً منفرداً مع إسرائيل عام 1979،
مستعيدةً سيناء مقابل خروجها من معادلة الصراع. كان المنطق المعلن "أرضاً مقابل
سلام"، لكن النتيجة العملية كانت تفكيك الجبهة العربية الموحدة ورقةً ورقة. تبعها
الأردن عام 1994 باتفاقية وادي عربة.
ثم
جاءت اللحظة الفارقة عام 2020: اتفاقات أبراهام، التي طبّعت فيها الإمارات والبحرين
علاقاتها مع إسرائيل، لكن هذه المرة دون أي ثمن لفلسطين يذكر.
لم
تعد المعادلة "أرضاً مقابل سلام"، بل "تطبيعاً مقابل لا شيء" للفلسطينيين،
بل مقابل صفقات سلاح وتكنولوجيا وضمانات أمنية للأنظمة الموقعة، وأن يبقوا على عروشهم
أكبر وقت ممكن. هكذا انتقل النظام العربي، عبر أربعة عقود، من موقع المساوم إلى موقع
المستجدي، حتى وجد نفسه في لحظة 2026 بلا أوراق، خارج كل طاولة.
سادساً:
غزة- الورقة التي يجهز عليها أصحابها
كانت
اللحظة التي كان فيها امتلاك أوراق القوة يثبت أنه السبيل الوحيد للاحترام، كانت ثلاث
عواصم عربية منشغلةً بالمهمة المعاكسة: الإجهاز على آخر ورقة أخلاقية واستراتيجية يملكها
العرب؛ غزة. والمواقف ليست متطابقة.
الإمارات
هي الأوضح انحيازاً، إذ حافظت على تطبيعها وعمقته رغم حرب الإبادة، وسعت -وفق التقارير-
إلى إقناع إدارة ترامب بنسف خطة الإعمار المصرية، دافعةً برؤية تقوم على غزة خالية
من حماس بقيادة محمد دحلان.
أما
مصر والأردن فموقفهما أكثر خداعاً: رفض قاطع للتهجير ظاهريا الى أراضيهم، ولكنه رفض
دفاعي، مدفوع بالخوف على الاستقرار الداخلي، لا موقف نابع من مشروع ردع. والدليل على
هشاشته أن إسرائيل، حين خشيت رداً إيرانياً، أوقفت فجأةً إمدادات الغاز عن الأردن ومصر
بإغلاقها حقلي لفياثان وكاريش. فمن راهن على المحتل شريكاً للطاقة، تقطع عنه الطاقة
أول ما تشتد الأزمة.
في
هذا السياق، تصبح غزة أكثر من قضية، إنها المرآة التي تكشف الجميع. لقد اختزل مشروع
تحرير وطني، تحت إدارة النظام العربي الرسمي، إلى ما وصفه باحثو كارنيغي بدقة: مجرد
إدانات رمزية ومساعدات إنسانية محدودة. والأقسى أن بعض هذه المساعدات تحول إلى أداة
في خدمة التطبيع، هدفها دحض الانطباع بأنه جاء على حساب الفلسطينيين.
ومع
ذلك تظل غزة تفعل ما عجزت عنه الجيوش مجتمعة: تصمد، وفي صمودها وحده فضيحة لكل نظام
راهن على أن التخلي عن أوراق القوة حكمة.
سابعاً:
المرآة التي لا تكذب
لم
تكن اللحظة الإيرانية انتصاراً لطهران بقدر ما كانت كشفاً لزيف الرهان العربي بأكمله. فالنظام
العربي بنى عقيدته على فرضيتين انهارتا معاً:
*
الفرضية الأولى: أن الولاء لواشنطن يضمن الحماية. والواقع أثبت أنها تتخلى عن أوثق
حلفائها حين تتعارض المصالح.
*
الفرضية الثانية: أن التخلي عن أوراق القوة هو طريق "الواقعية". والواقع
أثبت العكس: من تخلى عن أوراقه خرج من الحساب، ومن تمسك بها فرض حضوره.
هذه
هي المرآة، ومن ينظر فيها إذا نظر من حكام العرب سيرى حقيقةً مرة: أنهم راهنوا على
الحصان الخطأ، في السباق الخطأ، باستراتيجية تضمن الخسارة في كل الأحوال.
خاتماً:
ساعة تدق
حين
عقدت التسوية من فوق رأس تل أبيب، وحين اعترف نتنياهو بأن بلاده ليست طرفاً في قرار
يمس وجودها، كانت رسالة واحدة تكتب على جدار المنطقة: انتهى زمن التحالفات التي تضمن
مقعداً دائماً، وبدأ زمن تقاس فيه الدول بما تملكه من أوراق، لا بما تبديه من ولاء.
إسرائيل،
الحليف الأقوى، أُقصيت، فما بالنا بالحليف الأضعف؟ هل يقرأ حكام أبو ظبي وعمان والقاهرة
هذا الجدار؟ أم يظلون يطاردون ظل الاحتلال، ويُجهزون على غزتهم الأخيرة، ويراهنون على
سيد أثبت أنه لا يحتفظ بحلفائه لحظةً بعد أن تنتفي حاجته إليهم؟
التاريخ
لا ينتظر من لا يقرأه، وغزة، التي صمدت حين تهاوى الجميع، تكتب الآن -بدمها- الفصل
الذي سيحاكم على ضوئه كل من اختار أن يكون خارج الغرفة، لا لأنه أُقصي، بل لأنه لم
يملك يوماً ما يجعله جديراً بالدخول.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.