أبحر الأسطول في
المرة الأولى، ثم في الثانية، ثم في الثالثة.. وفي كل مرة كان المشهد نفسه: زوارق
حربية
إسرائيلية، اعتراض، تهديد، وأحيانا اقتحام واحتجاز. لكن خلف هذا المشهد
المتكرر كان يجري شيء آخر، أشد إيلاما وأقل تغطية: لم تتحرك عاصمة
عربية واحدة؛ لا
بيان، لا احتجاج دبلوماسيا رسميا، لا سفينة تردّ على سفينة.
ما الذي يقوله
هذا عن العالم العربي؟
يقول، بكل بساطة،
إن مدنيين من النرويج وكندا وإندونيسيا وماليزيا باتوا يفعلون ما عجزت عنه أنظمة
عربية بجيوشها وموانئها وعلاقاتها الدولية: محاولة كسر
حصار غزة.
وهذه ليست مفارقة
أخلاقية تستوقف القارئ للحظة ثم تمضي. إنها كشف سياسي عميق لمنظومة كاملة من
التواطؤ البنيوي؛ تقف فيه القاهرة وأبوظبي في موقع لا يختلف جوهريا، من حيث الأثر،
عن موقف تل أبيب نفسها.
حين يصبح الأسطول
سؤالا لا إجابة
الأسطول لا
يُعرّف نفسه فقط بما يفعله؛ يُعرّف نفسه بما لم يفعله غيره. حين تبحر سفينة من
ميناء أوروبي أو آسيوي باتجاه غزة، فهي تحمل في طياتها سؤالا موجها لعواصم تدّعي
الانتماء إلى نفس القضية: لماذا لستم هنا؟
الجواب المعتاد
يأتي من ثلاثة اتجاهات:
أولها، أن الوضع
"معقد" وأن "المسارات الدبلوماسية" قائمة. وهي عبارة لا تقول
شيئا؛ لأن هذه المسارات لم تُغيّر على أرض غزة حبة رمل واحدة منذ عام 2007.
وثانيها، أن
إيران هي من تستغل الملف الفلسطيني لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وثالثها، أن
التصعيد سيضر بالفلسطينيين أنفسهم، وهي حجة تتفنن في إلقاء المسؤولية على الضحية.
هذه الحجج الثلاث
ليست مجرد مراوغة عابرة، إنها بنية خطابية مُصمَّمة بعناية لتحويل السؤال الجوهري:
ماذا تفعلون لغزة؟ إلى سؤال آخر: ماذا تفعلون لمواجهة إيران؟ والانزياح من سؤال
إلى آخر هو في حد ذاته فعل سياسي.
منذ عام 2007،
حين فرضت إسرائيل حصارها البري والجوي والبحري على غزة، لم تتخذ أي دولة عربية
إجراء فعليا واحدا لتغيير هذا الواقع.
لم تُرسل دول
الخليج سفينة، ولم تُحرّك مصر -رغم حدودها البرية مع القطاع- إلا ما تقرره إسرائيل
وتُوافق عليه واشنطن. ولم تُعلن الإمارات، التي تملك أسطولا تجاريا من بين الأكبر
في العالم، موقفا واحدا يطالب بفتح الممرات البحرية.
وجاء في هذا
السياق أسطول مدني بتمويل شعبي وبطاقم متطوعين من عشرين جنسية ليملأ الفراغ الذي
تركته الأنظمة العربية مجتمعة، ويفضح هذا الفراغ في الوقت نفسه.
والأكثر دلالة
مما تفعله إسرائيل في البحر: أن هذا الأسطول يواجه أيضا الضغط الدبلوماسي الأمريكي
على الدول التي تسمح لسفنه بالانطلاق من موانئها. وحين يتصل مسؤول أمريكي بعاصمة
عربية طالبا "الامتناع عن أي تحرك استفزازي"، يأتي الجواب سريعا مستجيبا.
هذه الاستجابة موقف سياسي في حد ذاتها، لا غيابه.
مصر: الحارسة
التي تبيع المفتاح
لا يمكن تحليل
الحصار على غزة دون الوقوف عند دور مصر بعيدا عن المجاملات. فالقاهرة لا تقتصر على
الصمت، إنها تُشارك وظيفيا في إدارة الحصار.
فمنذ توقيع
معاهدة السلام عام 1979، تعاملت مصر مع حدودها مع غزة باعتبارها متغيرا تابعا
للسياسة الأمريكية-الإسرائيلية، لا مسؤولية سيادية عربية مستقلة.
معبر رفح -الحد
الفاصل بين مصر وغزة، والممر الوحيد الذي لا تسيطر عليه إسرائيل مباشرة- لم يُفتح
يوما بالكامل وبلا شروط، حتى في أشد لحظات الأزمة الإنسانية وضوحا. والمفارقة التي
تستحق الوقوف عندها: مصر التي تُضيّق على مدنيي غزة تُبقي قناة السويس مفتوحة أمام
السفن الإسرائيلية، تحافظ على علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب في أشد لحظات
العدوان، وتشترى الغاز الطبيعي من إسرائيل في ذروة الحرب بصفقة تعدت 35 مليار
دولار.
الالتزام
بالاتفاقيات انتقائي، يُطبَّق حيث يخدم إغلاق الحصار، ويُتجاهَل حيث تُملي المصالح
الاقتصادية ذلك. حين يُواجَه المسؤولون المصريون بهذه المفارقة، يلجأون إلى
المعاهدة. لكن المعاهدة لا تمنع القاهرة من الإعلان عن رفضها للحصار، ولا تمنعها
من استخدام ورقة التبادل التجاري ضغطا، ولا تمنعها من فتح معبر رفح بقرار سيادي في
مواجهة أزمة إنسانية لا لبس في تصنيفها. الإرادة السياسية غائبة، لأن حسابات
القاهرة الاستراتيجية تضع المساعدات الأمريكية والعلاقة مع واشنطن وتل أبيب فوق أي
اعتبار آخر، ليس هذا حكما، بل قراءة في سجل الأفعال.
وحين تتعرض سفينة
مدنية للاعتراض الإسرائيلي في البحر المتوسط، يكون موقف القاهرة -الدولة التي تملك
وزنا إقليميا وجيشا بين أكبر جيوش المنطقة- هو الصمت. وهذا الصمت، في هذا السياق
تحديدا، لا يختلف من حيث الأثر عن الموافقة الضمنية.
الإمارات:
التطبيع الذي لا يحتاج إلى اعتراف
أما الإمارات،
فقصتها مختلفة في الشكل ومتشابهة في الجوهر، لم تكن اتفاقية أبراهام عام 2020
مفاجأة لمن يتابع. كانت إعلانا رسميا عمّا كان قائما بصمت لسنوات طويلة، فالإمارات
وإسرائيل كانتا تتبادلان المعلومات الاستخباراتية، وتتشاركان التقنيات الأمنية،
وتُنسّقان المواقف من إيران قبل عقد من أي توقيع، ما أضافه الاتفاق هو الاعتراف
العلني بعلاقة كانت موجودة.
ومنذ ذلك الحين،
تضاعف التبادل التجاري بصورة تجاوزت التوقعات، فشركات الذكاء الاصطناعي والأمن
السيبراني وتطوير العقارات والسياحة؛ كلها باتت جسورا حقيقية بين أبوظبي وتل أبيب.
لكن الأهم في هذه
المعادلة: أن هذه الشراكة لم تتراجع بعد أكتوبر 2023، بل تعمّقت. بينما كانت غزة
تُحرَق، استمرت المبادلات التجارية الإماراتية-الإسرائيلية بوتيرة لم تنخفض جوهريا،
وبقيت الرحلات الجوية المباشرة منتظمة، وبقيت صفقات الاستثمار قائمة.
التناقض هنا ليس
خافيا: الإمارات التي ترفع شعار التضامن الإسلامي وتموّل منظمات إنسانية تُعلن
دعمها لفلسطين، هي نفسها التي تُعمّق تعاونها الاقتصادي والأمني مع الدولة
المُحاصِرة لغزة في توقيت لم يكن يحتمل الغموض.
فحين يبحر أسطول
الصمود، فهو لا يشقّ طريقه في مواجهة الحصار العسكري الإسرائيلي وحده؛ يبحر في
مواجهة منظومة اقتصادية وسياسية متكاملة تُؤمّن لهذا الحصار استمراريته وتُوفّر له
غطاءه الإقليمي.
إيران: الشماعة
المُريحة
لا بد هنا من
الوقوف عند الحجة الأكثر تداولا. تقول الأنظمة العربية الداعمة للتطبيع أو
المتعاطفة معه: إيران تستغل الملف الفلسطيني لزعزعة الاستقرار الإقليمي.. وهذا
صحيح؛ إيران لا تهتم بالفلسطينيين بالقدر الذي تُعلنه. دعمها لحماس وحزب الله أداة
في صراع جيوسياسي أوسع، لا انتصار لمبدأ، تمول طهران المقاومة حين يخدم ذلك نفوذها
وتتوقف حين لا يخدمه. هذه حقيقة موثّقة ينبغي قولها، لكن المشكلة ليست في الحقيقة
ذاتها، المشكلة في توظيفها.
ورقة إيران
تُستخدم لتحويل سؤال أخلاقي واضح: هل يجب كسر حصار غزة؟ إلى سؤال استراتيجي ملتبس:
هل نكسر الحصار ونُسعد إيران؟
وهذا التحويل
مُصطنع لأنه يُقدّم مصلحة الفلسطينيين ومصلحة إيران باعتبارهما وجهين لعملة واحدة،
بينما الطفل الذي يموت في مستشفى مُدمَّر في غزة لا يهتم بمن يستفيد جيوسياسيا من
بقائه حيا.
أن تقول "لن
أرفع الحصار لأن ذلك سيُسعد إيران" يعني ببساطة: أنك تُضحّي بمليوني مدني لأن
حساباتك في مواجهة طهران لا تتحمل أي مرونة. وهذا موقف قد يكون له منطقه
الاستراتيجي الداخلي، لكنه يفقد أي سند أخلاقي أو إنساني.
والسؤال الذي
يستحق الطرح: لو افترضنا أن إيران غير موجودة في المعادلة، هل كانت هذه الأنظمة
ستُغيّر موقفها من الحصار؟
الجواب الصادق،
الذي تمليه وقائع ثلاثة عقود لا خطب يوم واحد، هو لا؛ لأن الحسابات البنيوية تتعلق
بالعلاقة مع واشنطن وبأمن الأنظمة وبمصالح اقتصادية راسخة، لا بالتهديد الإيراني
الذي يُستحضر انتقائيا حين تحين الحاجة إليه.
إذن الورقة
الإيرانية غطاء خطابي لسياسة اتُّخذت مسبقا، وهذا الغطاء يتهاوى حين يُواجَه
بوقائع الأفعال لا بمنطق النيات.
الشعوب تبحر حين
تُرسي الأنظمة
ما يبقى بعد كل
هذا التحليل أهمّ ربما من التحليل نفسه: ماذا يُنتج كل هذا في وعي الشارع العربي؟
كل رحلة يبحر
فيها الأسطول وتواجه الاعتراض الإسرائيلي دون أن تتحرك عاصمة عربية واحدة؛ تُنتج
مقارنة ضمنية في عقل كل مواطن عربي يتابع. المقارنة بسيطة ولا تحتاج إلى خبير:
أناس من النرويج وكندا وإندونيسيا يُخاطرون بحياتهم للوصول إلى غزة، بينما الدول
العربية بجيوشها وموانئها وعلاقاتها الدولية تقف على الرصيف تُشاهد.
هذه المقارنة
تُشكّل ما يمكن تسميته "الوعي المُتسرِّع"؛ الحالة التي تسبق فيها
قناعات الشعوب قدرتها على التعبير السياسي المؤسسي. الشارع العربي من المحيط إلى
الخليج يرى في أسطول الصمود ما لا يجرؤ الإعلام الرسمي على قوله: أن الأنظمة تقف
على الضفة الخاطئة من الحصار.
هذه الفجوة ليست
وليدة اليوم، فجذورها ضاربة في تاريخ الدولة العربية الحديثة منذ نكبة 1948. لكن
ثلاثة عوامل جعلتها اليوم أكثر حدة وأقل قابلية للاحتواء:
الأول: وضوح
الصورة. الحرب على غزة هي الأكثر توثيقا في تاريخ الصراعات المعاصرة، بالفيديو
والإحصاء واليومية اللحظية. فلا يمكن لأي نظام ادّعاء الجهل أو التشوش.
الثاني: تراجع
فاعلية الخطاب الرسمي. الجيل العربي الذي عاش الربيع العربي وتداعياته بات أكثر
حصانة من الرسائل الرسمية وأقدر على بناء رواية مضادة والتحقق منها باستقلالية.
الثالث: انكشاف
التطبيع. ما كان يُمارَس بصمت باتت تُصوّره الكاميرات وتُلحق به الأرقام التجارية
والشراكات المُعلنة. وهذا الانكشاف يُفقد الأنظمة هامش الإنكار الذي تمتعت به
طويلا.
حين تتضافر هذه
العوامل الثلاثة، تجد أن الفجوة بين الشعوب والأنظمة لم تعد مجرد توتر كامن، فقد باتت
مادة سياسية تنتظر ظرفها. والأنظمة التي تُراهن على أن الغضب الرقمي لن يجد مسارا
تنظيميا تُخطئ في قراءة التاريخ، فالفجوات الكبرى بين الشعوب وحكوماتها لا تُغلَق
بالخطب.
التاريخ لن
يُدوّن فقط من أطلق النار
السؤال الذي
تطرحه رحلات الأسطول المتكررة في نهاية المطاف ليس سؤالا إجرائيا عن آليات توصيل
المساعدات، إنه سؤال سياسي جوهري يتحاشى كثيرون صياغته بوضوح:
من المسؤول عن
استمرار هذا الحصار؟ الإجابة التلقائية تُشير إلى إسرائيل، وهذا صحيح، لكن الإجابة
الكاملة تُشير أيضا إلى منظومة عربية رسمية توفّر للحصار غطاءه وتُقلّل تكلفته على
فارضه.
تغلق مصر معبر
رفح وتبيع الغاز وتُبقي السفير في تل أبيب، تعمّق الإمارات شراكتها الاقتصادية
والأمنية بعد أكتوبر 2023 لا قبله، وتنعقد جامعة الدول العربية وتُصدر بيانات لا
يُغيّر حبرها شيئا على أرض غزة.
أسطول الصمود ليس
قافلة مساعداتن إنه وثيقة سياسية تُصدرها المجتمعات المدنية في مواجهة حكومات عجزت
أو رفضت التحرك. وفي كل رحلة يُعيد نفس السؤال الذي لا تريد هذه الحكومات الإجابة
عنه: إذا كنتم فعلا مع الفلسطينيين، فأين سفنكم؟
الحقيقة التي
يُعلنها الأسطول بحضوره قبل كلماته واضحة ولا تحتمل التأويل: الحصار ليس إسرائيليا
فقط، إنه حصار تُسهم في تثبيته أنظمة تدّعي الانتماء إلى المحيط الذي تُحاصَر فيه
غزة.
وحين يكتب
التاريخ هذه المرحلة، لن يُدوّن فقط من أطلق النار ومن أصدر أوامر التدمير.
سيُدوّن أيضا من أغلق المعبر، ومن وقّع الاتفاقية في غير وقتها، ومن باع الغاز
والصمت في آنٍ واحد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.