أُدرج إسمي في عام 2025، داخل قضيَّةٍ.
رقمها 1282. مقيَّدٌ فيها "متَّهمًا". لم
أُستدعَ، ولم يتَّصل بي أحدٌ ليخبرني بالتهمة على وجه الدقَّة.. عرفتُ الأمر كما
يعرفه كلُّ من هو في وضعي من زميلٍ، أو من بحثٍ سريعٍ بالاسم، أو من صحفيٍّ آخر
اتَّصل يسأل: "هل تعلم أنَّ اسمك مُدرَجٌ؟".
لا أريد أن أُبالغ في الحكاية. لا مطاردة
سينمائيَّة، ولا سيَّارة تُلاحقني في شارعٍ أوروبيٍّ. ما حدث أبسط وأقسى من ذلك:
دولةٌ تبعد عنِّي آلاف الكيلومترات فتحت ملفًّا باسمي و رفاق الطريق ، دون علمي،
ودون أن أتمكَّن من الدفاع عن نفسي فيه، ودون أن يكون أمامي أصلًا من أردُّ عليه.
التهمة ليست قائمةً على فعلٍ ارتكبته.
التهمة أنِّي كتبت. مقالٌ، رأيٌ، تغريدة لا فرق. المهمُّ أنَّ هذا الكلام قُرئ،
وقرَّر أحدهم أنَّه خطيرٌ بما يكفي ليتحوَّل إلى رقم قضيَّة.
لأنني قررت مقاومة الاحتلال العسكري الواقع
على
مصر منذ سنة 1952 ، وأرفع صوتي ب لا أمام ألة
قمع لا تتوقف على مدار عقود .
أوَّلًا ـ كيف تعرف أنَّك متَّهم؟
يبدو هذا هو السؤال تفصيليًّا، لكنَّه في
الحقيقة جوهر المشكلة كلِّها. فأنا لم أتلقَّ خطابًا رسميًّا، ولم يقرع بابي محامٍ
يحمل أوراقًا، ولم يتَّصل بي أحدٌ من السفارة أو القنصليَّة ليخبرني. المعرفة
نفسها جاءت "مصادفةً" بحثًا عابرًا، أو رسالةً من صديقٍ يقول :
"شفت اسمك فى السوشيال ميديا ".
تبدأ القضيَّة في الأنظمة القانونيَّة التقليديَّة المنطقية ، بفعلٍ: سرقةٌ، اعتداءٌ، احتيالٌ ـ شيءٌ ماديٌّ يمكن إثباته أو نفيه. لكنَّ قضيَّتي، مثل قضايا كثيرين غيري، بدأت بكلمة. لم أسرق شيئًا. لم أعتدِ على أحد. لم أحرِّض على عنفٍ، ولم أدعُ إلى فوضى. كتبتُ رأيًا وعبرت عنه بالرفض عبر التظاهر. حلَّلتُ سياسةً. انتقدتُ قرارًا. هذا كلُّ ما في الأمر.
هذا التفصيل الصغير يكشف شيئًا أكبر بكثير
من مجرَّد إجراءٍ إداريٍّ ناقص. فحين لا تُخطَر رسميًّا بأنَّك متَّهمٌ، فأنت لا
تملك حتَّى نقطة بدايةٍ واضحة تتحرَّك منها. لا تعرف متى فُتح الملف بالضبط. لا تعرف من قرَّر إدراج اسمك بقوائم ما يسمى
"إرهاب". لا تعرف إن كانت هناك جلسة استماعٍ عُقدت، أو قرارٌ اتُّخذ، أو
حتَّى تحقيقٌ جرى من الأساس.
أنت ببساطةٍ تكتشف، ذات يومٍ، أنَّك أصبحت
"متَّهمًا" في نظامٍ قانونيٍّ لم يُعطِك فرصة معرفة قواعده. هذا الغموض ليس عيبًا في
الإجراء؛ إنَّه الإجراء نفسه. فالقضيَّة المفتوحة دون إعلانٍ واضح، ودون محاكمةٍ محدَّدة الموعد،
تؤدِّي وظيفتها كاملةً حتَّى وهي معلَّقةٌ إلى أجلٍ غير مسمًّى. لا تحتاج إلى
إدانةٍ لتُخيف؛ يكفي أن تبقى قائمة.
ثانيًا ـ التهمة التي لا تحتاج جريمة
تبدأ القضيَّة في الأنظمة القانونيَّة
التقليديَّة المنطقية ، بفعلٍ: سرقةٌ، اعتداءٌ، احتيالٌ ـ شيءٌ ماديٌّ يمكن إثباته
أو نفيه. لكنَّ قضيَّتي، مثل قضايا كثيرين غيري، بدأت بكلمة. لم أسرق شيئًا. لم أعتدِ
على أحد. لم أحرِّض على عنفٍ، ولم أدعُ إلى فوضى. كتبتُ رأيًا وعبرت عنه بالرفض
عبر التظاهر. حلَّلتُ سياسةً. انتقدتُ قرارًا. هذا كلُّ ما في الأمر.
ومع ذلك، تحوَّل هذا الفعل البسيط
"الكتابة" إلى أساسٍ لملفٍّ قانونيٍّ يحمل رقمً 1282 ويُصنَّف تحت بندٍ أمنيٍّ. والمفارقة أنَّ هذا النوع
من التهم لا يحتاج إلى معيارٍ ثابت. فما يُعدُّ "خطيرًا" اليوم قد لا
يكون كذلك غدًا، والعكس صحيح.
لا توجد قائمةٌ منشورةٌ بالكلمات الممنوعة،
ولا معيارٌ واضحٌ لما يُعتبر تحريضًا وما يُعتبر رأيًا. هذا الغموض المتعمَّد
"أو ربَّما غير المتعمَّد، لكنَّه فعَّالٌ على أيَّة حال" يجعل كلَّ
كاتبٍ يعيش في حالة قلقٍ دائم: هل هذه الجملة ستكون هي التي تفتح ملفًّا باسمي؟
ثالثًا ـ الخطر الحقيقيُّ ليس عليَّ
يسألني كثيرون: "هل يستطيعون الوصول إليك في هولندا؟"
والإجابة الصادقة: لا، ليس مباشرةً ، قد يتم الاعتداء علي مثلما حدث مع أنس حبيب
من أذرع الانقلاب المنتشرة على الاراضي الأوروبية .
ولكن أنا هنا فى هولندا، بلدٍ تحكمه سيادة القانون، وتحميني الشرطة
الهولنديَّة جسديًّا، ولا يستطيع أحدٌ اعتقالي بناءً على قضيَّةٍ في بلدٍ آخر ما
لم تكن هناك معاهدة تسليمٍ سارية ووقائع تدعمها. هذا ليس مصدر قلقي الأوَّل.
مصدر القلق الحقيقيُّ أنَّ هذه القضيَّة لا
تستهدفني وحدي. تستهدف من حولي. أهلي في مصر. أناسٌ يمشون في الشارع، يفتحون باب بيتهم، لا شأن لهم بالسياسة أصلًا،
وفجأةً يصبح هناك من يسأل عنهم لأنِّه فقط علق او ريأكت على ما كتبتُه من كلمات من
هنا.
هذا ليس تهديدًا يُقال بصوتٍ عالٍ. وحدث
أن يتَّصل بي أحدٌ ليقول: "إن
استمررت، سنفعل كذا." أو تهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي . فالرسالة تصل دون أن
يقولها أحد من نوعيَّة الأسئلة التي تُسأل لأهلي، ومن توقيتها، ومن الصمت الذي
يقابلني حين أحاول معرفة التفاصيل.
أحيانًا تكون مكالمةً هاتفيَّةً
"روتينيَّة" من جهةٍ ما، تسأل عن مكان إقامتي، أو عن نشاطي، أو عن
أشخاصٍ أتواصل معهم ، أو تهديد صريح في أيٍّ منها، وطلبات محالة لكنَّ التوقيت
وحده كافٍ ليوصل الرسالة.
هذه هي الآليَّة التي يعمل بها هذا النوع من
الملاحقة: لا تحتاج إلى لمسي جسديًّا لتؤثِّر فيَّ. يكفي أن تجعلني أعرف أنَّ من
أحبُّهم عرضةٌ للأذى بسبب ما أكتب.
رابعًا ـ لستُ استثناءً
من السهل أن يتحوَّل مقالٌ كهذا إلى شكوى
شخصيَّة او يظنوا هذا ، ولكن أنا حريصٌ أن يكون فضح لسوءة النظام العسكري. ليست
القضيَّة رقم 1282 حالةً فرديَّة، وإن سكتُّ عنها سأشارك دون قصدٍ في إخفاء نمطٍ قائمٍ فعلًا.
هناك آخرون مثلي أكثر منِّي بكثير أسماؤهم مُدرَجةٌ في ملفَّاتٍ مشابهة، وبعضهم
لا يملك منبرًا يتحدَّث منه كما أملك أنا. صحفيُّون، نشطاء، حتَّى أشخاصٌ عاديُّون
لم يمارسوا الصحافة يومًا لكنَّهم شاركوا منشورًا أو علَّقوا تعليقًا.
إن القضيَّة 1282 ليست استثناءً؛ إنَّها
طريقة عملٍ. يكتب أحدهم من الخارج، ويقرِّر أحدٌ آخر أنَّه "خطرٌ"،
ويتحوَّل الأمر من رأيٍ إلى ملفٍّ قانونيٍّ، دون محاكمةٍ حقيقيَّة، ودون حتَّى
إعلانٍ رسميٍّ واضح بوجود اتِّهام أصلًا.
والأخطر أنَّ هذا النمط لا يقتصر على
المصريِّين وحدهم، ولا على بلدٍ بعينه. إنَّه أسلوبٌ متكرِّرٌ تلجأ إليه أنظمةٌ
عدَّة حين تريد ملاحقة أصواتٍ خارج حدودها دون أن تتحمَّل عبء إثباتٍ فعليٍّ أو
مسار قانونيٍّ شفَّاف.
سيظل الملف المفتوح، غير المُعلَن بوضوح،
يخدم الغرض نفسه في كلِّ مكان: يخيف دون أن يُدين، ويُبقي الكاتب في حالة توتُّرٍ
دائم دون أن يمنحه فرصة الدفاع عن نفسه.
خامسًا ـ ما الذي تغيَّر فيَّ فعلًا
لن أقول إنَّ هذا جعلني أقوى. هذه العبارة
مستهلكةٌ، وتُقال عادةً في سياقاتٍ تسعى لتجميل تجربةٍ مؤلمة. لا أريد أن أفعل
ذلك. ما حدث فعلًا أبسط وأصدق: أصبحتُ أكتب أكثر ولغتي أصبحت اقوى وأطرق أبواب
مواضيع كثيرة.
السلطة التي تفتح ملفًّا ولا تُغلقه، ولا تُحاكم صاحبه، ولا حتَّى تعلن بوضوح ما هي التهمة بالضبط ، لا تسعى إلى العدالة. تسعى إلى شيءٍ آخر تمامًا: أن يبقى كلُّ من يفكِّر في الكتابة يعرف أنَّ الثمن ممكنٌ، وإن لم يكن مؤكَّدًا. وأن يبقى كلُّ من كتب بالفعل يحمل هذا الثمن معه أينما ذهب، مهما ابتعد جغرافيًّا عن مصدر القضيَّة.
صراحةً فأنا ما زلتُ أقول ما أعتقده، وما
زلتُ أنتقد ما يستحقُّ النقد. لكنِّي أصبحتُ أكثر وعيًا بكلَّ جملةٍ أكتبها من هنا
يكون لها ثمنٌ أدفعه ، أفضل من أن أكون منبطحا او خانع في وجه نظام قمعي .
هذا الوعي جعلني أقوى في الكتابة، ليس
لأنِّي أراجع الكلمات، بل لأنِّي أفكِّر في أقوي الكلمات التى تؤرق مضاجع الظُلاّم .
هو يريد هدف من هذه القضيَّة، سواءٌ كان
مقصودًا أم نتيجةً جانبيَّة لآليَّةٍ أوسع. لا يستلزم الأمر اعتقالًا فعليًّا كي
تعمل الرقابة. لا يستلزم استدعاءً، ولا محاكمةً، ولا حتَّى تهمةً واضحة.
يكفي أن تعرف أنَّ اسمك مكتوبٌ في ورقةٍ في
مكانٍ ما، لتبدأ التفكير مرَّتين قبل أن تكتب المرَّة التالية.
سادسًا ـ لماذا أستمرُّ رغم ذلك؟
قد يسأل قارئٌ: إذا كان الثمن بهذا الوضوح،
لماذا تستمرُّ في الكتابة؟ ألا يكون الصمت أكثر أمانًا لك ولأهلك؟
الإجابة ليست بطوليَّةً كما قد تبدو،
لكنَّها صادقة: لأنَّ الصمت لا يحلُّ المشكلة، بل يؤجِّلها ويوسِّعها. فإذا
توقَّفتُ أنا، وتوقَّف أمثالي، فإنَّ الآليَّة التي أنتجت القضيَّة 1282 ستستمرُّ
في العمل بلا أيِّ صوتٍ يكشفها. ستظلُّ ملفَّاتٌ تُفتَح، وأسماءٌ تُدرَج، وعائلاتٌ
تُساءل، دون أن يعرف أحدٌ خارج دائرة الضحايا المباشرين أنَّ هذا يحدث أصلًا.
الكتابة عن هذه التجربة، رغم كلِّ مخاطرها،
هي الطريقة الوحيدة التي أملكها لأجعل هذا النمط مرئيًّا.
فحين يُنشَر مقالٌ كهذا، لا يبقى الملف
سرًّا بين جهةٍ حكوميَّةٍ وكاتبٍ للمقال؛ يصبح جزءًا من سجلٍّ علنيٍّ يمكن
لصحفيِّين آخرين، ومنظَّماتٍ حقوقيَّة، وحتَّى مؤسَّساتٍ دوليَّة، أن تتابعه
وتوثِّقه.
خاتمة ـ ثمنٌ لا يُدفَع مرَّةً واحدة
ما زلتُ أكتب. أكتب أقوى ممَّا كنت، وسأظل
أكتب. والقضيَّة رقم 1282 ما زالت مفتوحةً، معلَّقةً، بلا موعدٍ محدَّدٍ لجلسةٍ أو
حكم، تمامًا كما بدأت.
هذا الغموض نفسه هو الرسالة. فالسلطة التي
تفتح ملفًّا ولا تُغلقه، ولا تُحاكم صاحبه، ولا حتَّى تعلن بوضوح ما هي التهمة
بالضبط ، لا تسعى إلى العدالة. تسعى إلى شيءٍ آخر تمامًا: أن يبقى كلُّ من
يفكِّر في الكتابة يعرف أنَّ الثمن ممكنٌ، وإن لم يكن مؤكَّدًا. وأن يبقى كلُّ من
كتب بالفعل يحمل هذا الثمن معه أينما ذهب، مهما ابتعد جغرافيًّا عن مصدر القضيَّة.
هذا هو الثمن الحقيقيُّ لكلمةٍ واحدة: ليس
اعتقالًا واحدًا في لحظةٍ واحدة، بل حالةً مستمرَّةً من عدم اليقين، تعيش معك في
كلِّ مرَّةٍ تفتح فيها صفحةً فارغة لتكتب ، والرهان الحقيقي انك تستمر والا تقف
مهما كان كانت الأثمان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.