خرج
السيسي في 4 من تموز/يوليو 2026، على قومه في زينته، مرتديا الزيَّ العسكريَّ -الزيَّ
ذاته الذي خلعه يوماً ليقنعنا بأنَّه صار رئيساً مدنياً- وافتتح ما وصفته أبواقه بأنَّه
أكبر مقرِّ وزارة دفاعٍ في العالم: 22 ألف فدَّان، 2800 مبنى، صرحٌ قيل لنا إنَّه تجاوز
البنتاغون الأمريكيَّ حجماً، وإنَّه "غير قابلٍ للاختراق أو التعطيل"، محصَّنٌ
ضدَّ الانفجارات، مزوَّدٌ بأقمارٍ اصطناعيَّة تخدمه وحده.
وبعد
4 أيَّامٍ فقط -في 8 من تموز/يوليو- مرَّت الذكرى 13 لمذبحة الحرس الجمهوريِّ أو مذبحة
الساجدين بلا كلمة، بلا وقفة، بلا حتَّى إنكارٍ جديد. 160 شهيدا سقطوا وهم سجودٌ لله
في صلاة الفجر، لم يجدوا في دولة الأوكتاغون فدَّاناً واحداً من 22 ألفاً يحمل نُصباً
لأسمائهم.
هذان
التاريخان المتلاصقان ليسا مصادفة تقويم، إنَّهما خلاصة 13 سنة في مشهدٍ واحد: قصرٌ
يُفتتح بالأبَّهة فوق مقبرةٍ جماعيَّةٍ للذاكرة.
ولهذا
المشهد أصلٌ في كتاب الله لا تخطئه عينُ من قرأ: "فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي
زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ
مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ". فلنقرأ اللحظة المصريَّة
بمنطق السورة، آيةً آية:
أوَّلاً:
الزينة- قصرٌ بحجم مدينةٍ في بلدٍ يقف في طابور الخبز
لم
يكن قارون مجرَّد ثريٍّ؛ كان صاحب مشروع استعراض. لم تكن كنوزه لتُنفَق بل لتُرى؛ مفاتيحُها
وحدها "لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ". والاستعراض هو جوهر
ما جرى في 4 تموز/يوليو.
فلنضع
المشهد في إطاره الكامل، فالصورة لا تكتمل إلَّا بخلفيَّتها: يُفتتح "أكبر مقرِّ
دفاعٍ في العالم" في العام ذاته الذي أُلغي فيه دعم الوقود كلياً، وبعد أن رُفع
سعر رغيف الخبز المدعوم -لأوَّل مرَّةٍ منذ 1989- 400 في المئة.. في بلدٍ فقد جنيهه
أكثر من 80 في المئة من قيمته، وتجاوز دَينه الخارجيُّ 166 مليار دولار، ويقف نصف شعبه
على خطِّ الفقر أو تحته.
في
هذا البلد بالذات، وفي هذه اللحظة بالذات، قرَّر الحاكم أنه يحتاج جيشُه -الذي لم يخض
حرباً تحريريَّةً واحدة منذ نصف قرن- إلى مقرٍّ أكبر من البنتاغون.
البنتاغون
الذي يدير قوَّاتٍ منتشرةً في قارَّات الأرض كلِّها، تجاوزه حجماً جيشٌ تُفتَّش شاحنات
إغاثته إلى غزة بأمرٍ إسرائيليٍّ، من فوق أرضٍ مصريَّة، عبر معبرٍ يحمل اسماً مصرياً.
هذه
ليست قوَّة، هذا تعويضٌ عن النقص. الدول القويَّة تُقاس بما تفرضه خارج جدرانها، لا
بمساحة جدرانها. وحين يعجز الجيش عن فرض إرادته في سدِّ النهضة، وعن حماية جزيرتيه
من الإهداء، وعن إدخال رغيفٍ إلى غزة دون إذن المحتلِّ؛ يصبح البناء الأضخم في العالم
شاهدَ عجزٍ لا شاهدَ عزٍّ. عمارةٌ بلا عمار، وحجمٌ بلا هيبة، وزينةٌ -كزينة قارون-
كلُّ وظيفتها أن تسدَّ عين الشمس عن السؤال: من أين، ولماذا، ولحساب من؟
ثانياً:
"إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي"- منطق الطاغية في كلِّ عصر
حين
نُصح قارون أن "لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ"
وأن يبتغيَ فيما آتاه الله الدار الآخرة، كان جوابه الخالد: "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ
عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي".. أنا وحدي، بعبقريَّتي، لا فضل لأحدٍ عليَّ.
أنصتوا
إلى خطاب الافتتاح تسمعوا الصدى حرفياً.. "شُيد الصرح ليكون صرحاً لشعب
مصر العظيم"،
بينما الشعب العظيم ممنوعٌ من دخوله، وممنوعٌ من محاسبة بانيه، وممنوعٌ حتَّى من معرفة
تكلفته، لأنَّ ميزانيَّة الجيش سرٌّ سياديٌّ فوق البرلمان وفوق الجهاز المركزيِّ للمحاسبات
وفوق السؤال ذاته.
ثمَّ
يُقال للجائعين، في الخطاب نفسه، إنَّ بناء الدولة الحديثة "يتطلَّب تضحياتٍ من
الجميع". مِن الجميع؟ لا، التضحيات على قومٍ، والزينة
لقومٍ آخرين. يضحِّي المواطن برغيفه ودوائه ومدرسة أولاده، ويحصد النظام قصوراً وعواصم
ومقرَّاتٍ "لا تُخترَق". هذه ليست شراكة تضحية؛ هذه قسمةُ قارون: الكنوز
لي، والدعاء لكم.
بل
إنَّ في خطاب الافتتاح اعترافاً أخطر من كلِّ ما سبق، مرَّ على الأبواق دون أن تدرك
فداحته. قال الرجل بلسانه إنَّ الدولة خرجت إلى العاصمة الجديدة "لضمان عدم حدوث
هذا الحصار مرَّةً أخرى "، يقصد حصار الجماهير لمقارِّ الحكم في 2011.
العدوُّ
الذي تحصَّنت منه أكبرُ قلعةٍ عسكريَّةٍ في تاريخ المنطقة ليس جيشاً أجنبياً؛ إنَّه
أنتم، الشعب.. توقَّفوا هنا طويلاً، هذا نصٌّ يجب أن يُحفَظ ويُدرَّس. الرجل لم يقل
إنَّ القلعة بُنيت لصدِّ إسرائيل، ولا لردع إثيوبيا، ولا لحماية الحدود الغربيَّة.
قال -بالفم الملآن- إنَّها بُنيت كي لا يستطيع الشعب المصريُّ أن يحاصر حاكمه ثانيةً.
23 مليار دولارٍ من الخرسانة المسلَّحة، وظيفتها الأولى أن تجعل ميدان
التحرير القادم بعيداً بما يكفي كي لا يصل. ما أصدق الخائفَ حين يبني؛ العمارة لا تكذب:
قصور مبارك كانت تخاف الانقلاب فبُنيت داخل ثكنات الحرس؛ وقلعة السيسي تخاف الشعب فبُنيت
في الصحراء. كلُّ طاغيةٍ يرسم خريطة رعبه بالأسمنت، ثمَّ يسمِّيها رؤية.
ثالثاً:
فجر 8 تموز/يوليو- الدم الذي بُنيت فوقه الزينة
لكنَّ
قصَّة قارون لا تكتمل بالزينة وحدها؛ فالزينة نتيجة، والسؤال عن الثمن. وثمن هذا الملك
مدفوعٌ دماً، ودفعته أوَّل دفعةٍ منه أجسادُ ساجدين.
فجر
8 تموز/يوليو 2013، أمام دار الحرس الجمهوريِّ على طريق صلاح سالم، كان المعتصمون المطالبون
بعودة الرئيس المنتخب يصلُّون الفجر. ومع الركعات الأخيرة، ومع تسليم الإمام، انفتحت
أبواب جهنَّم. 161 شهيد وفق مصلحة الطبِّ الشرعيِّ ذاتها -مؤسَّسة الدولة لا خصومها-
وأكثر من 435 جريحاً من بينهم الشهيد عمار ياسر حسانين، ابن عم كاتب هذه السطور، ولا
ننسي الشهيد أحمد عاصم الذى صور قاتله فكانت مكافأته رصاصة اخترقت كاميرته إلى وجهه.
6 ساعاتٍ متواصلة من الرصاص الحيِّ، وقنَّاصةٌ فوق
أسطح المباني العسكريَّة يَصطادون البشر اصطياداً. الشهادات موثَّقةٌ عند هيومن رايتس
ووتش بالاسم والتفصيل.
قال
محسن سودان، وكان بين المصلِّين: كنَّا نُنهي صلاتنا حين سمعنا الرصاص، فاستعجل الإمامُ
التسليم.. بعد ربع ساعةٍ بدأ الناس يتساقطون. ورأيت القنَّاصة يستهدفون حتَّى شابَّين
كانا يصوِّران من شرفة منزلهما".
وكتبت
الصحفيَّة ميرنا الحلباوي، من شرفتها المطلَّة على صلاح سالم، أنَّ إطلاق النار على
المعتصمين بدأ فور انتهاء صلاة الفجر.
خلصت
هيومن رايتس ووتش، بعد تحقيقٍ استمرَّ عاماً، إلى أنَّ غالبيَّة حالات القتل كانت غير
مشروعة، وأنَّها حلقةٌ في سلسلةٍ منهجيَّةٍ -من الحرس الجمهوريِّ إلى المنصَّة إلى
رابعة والنهضة ورمسيس- حصدت ما لا يقلُّ عن 1150 قتيلاً في ستَّة أسابيع، وترقى في
مجموعها إلى جرائم ضدَّ الإنسانيَّة. ولم يُحاسَب على الدم كلِّه ضابطٌ واحد.
كانت
تلك المذبحة -مذبحة الفجر، مذبحة السجود- حجر الأساس الحقيقيَّ لكلِّ ما بُني بعدها.
قبل أن تُصبَّ أوَّل خرسانةٍ في العاصمة الإداريَّة، صُبَّ هذا الدم. الأوكتاغون لم
يوضع حجر أساسه في 2019 كما تقول النشرات؛ وُضع فجر 8 تموز/يوليو 2013، حين تعلَّم
النظام درسه التأسيسيَّ الأوَّل: أنَّ القتل بالجملة ممكنٌ، وأنَّ العالم سيُدين ثمَّ
يبيع السلاح، وأنَّ من قَبِل مذبحةً سيقبل ما بعدها. فيا من تبهرهم الأضلاع الثمانية:
تحت كلِّ ضلعٍ منها ثمانيةُ قبور.
رابعاً:
"يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ"- المصفِّقون على حافَّة
الخسف
في
قصَّة قارون شخصيَّةٌ جماعيَّةٌ ننساها دائماً: الجمهور.. "قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ". لم يسألوا
من أين جاء الكنز، ولا على أنقاض من قام؛ رأوا الزينة فتمنَّوها، وباركوا صاحبها. هؤلاء
بيننا اليوم بالملايين، الذين شاركوا صور الافتتاح مبهورين: "أكبر من البنتاغون!"،
"مصر قوَّة عظمى!"، الذين يقفون في طابور الخبز صباحاً ويهتفون للقلعة مساءً،
الذين يدفعون ثمن الزينة من قوت أولادهم ثمَّ يفاخرون بها الأمم، كمن يفاخر بسلسلةٍ
من ذهبٍ وهي تلتفُّ على عنقه.
لست
هنا لأشتمهم؛ كتبت قبل أيَّامٍ أنَّهم صناعةٌ لا طبيعة، وأنَّ ماكينةً جهنَّميَّةً
اشتغلت على وعيهم 13 سنة. لكنَّ
القرآن نفسه لم يترك لهذا الجمهور عذراً دائماً؛ فحين وقع الخسف، انقلب المتمنُّون
أنفسهم: "وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ
اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ". أفاقوا
لكن بعد فوات الأوان، وبعد أن شهدت أمانيهم عليهم.
فيا
أيُّها المتمنُّون: التاريخ لن يسجِّل أنَّكم خُدعتم فحسب؛ سيسجِّل أنَّكم صفَّقتم
يوم الافتتاح، وصمتُّم يوم الذكرى. 4 أيَّامٍ فصلت بين القصر والمقبرة، فاحتفلتم بالقصر
ولم تسألوا عن المقبرة، وهذا -لا الخديعة الأولى- ما ستُسألون عنه.
خامساً:
سنَّة الخسف- لماذا تنتهي القصَّة دائماً نهايةً واحدة
ثمَّ
تأتي الآية التي من أجلها كُتبت القصَّة كلُّها: "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ
الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُنتَصِرِينَ".
دعونا
نتأمَّل الدقَّة الإلهيَّة: خُسف به وبداره، لم يقل بكنوزه وحدها، بل بالدار، بالبنيان،
بالزينة المعماريَّة ذاتها، بالحصن الذي ظنَّه صاحبه عاصماً. وتأمَّلوا ما بعدها: فما
كان له من فئةٍ ينصرونه. أين ذهب المتمنُّون؟ أين المصفِّقون؟ أين الحرس والحاشية والأبواق؟
يقف قارون لحظة الخسف وحده، لأنَّ الولاء المُشترى بالزينة يذوب بذوبانها.
وليست
سنَّة الخسف أسطورةً غيبيَّةً تنتظر معجزة؛ إنَّها قانونٌ اجتماعيٌّ صارمٌ يعمل أمام
أعيننا. فالخسف الاقتصاديُّ جارٍ: عملةٌ فقدت أربعة أخماس قيمتها، ودَينٌ يلتهم ثلث
الموازنة فوائدَ، وأرضٌ تُباع شبراً شبراً لسداد أقساط الزينة.. والخسف السياديُّ جارٍ:
غازٌ يُقطع بقرارٍ محتل، ونيلٌ يُحجَز خلف سدٍّ اكتمل دون أن تجرؤ القلعة على فعل شيء،
ومعبرٌ وطنيٌّ يُدار بإذن المحتلِّ.. والخسف الأخلاقيُّ اكتمل منذ زمن: دولةٌ تعتقل
حرية ما يقرب من 250 ألف إنسانٍ على الرأي، وتسمِّي ميادين مجازرها بأسماء من أفتوا
بها.
فما
بقي إلَّا الفصل الأخير؛ ونظامٌ يعترف بلسان رأسه أنَّه بنى قلعته هرباً من حصار شعبه،
هو نظامٌ يقرأ الفصل الأخير كلَّ ليلةٍ قبل النوم، ويعرف -أكثر من كلِّ معارضيه- أنَّ
الخرسانة لم تنجُ يوماً من السنَّة.
البنتاغون
نفسه، الذي تباهوا بتجاوزه، لم يحمِ نظاماً من شعبه قطُّ؛ لأنَّ المعادلة التي لا تنكسر
منذ فجر التاريخ هي: كلُّ جدارٍ يفصل الحاكم عن المحكوم يتحوَّل يوماً إلى سورِ محبسه.
خاتمة:
4 أيَّامٍ ستُدرَّس
سيأتي
يومٌ -أقرب ممَّا يظنُّ بناة القلاع- يقف فيه أطفال مصر في طابور مدرسةٍ أمام درسٍ
عنوانه: "الأسبوع الأوَّل من تموز/يوليو 2026". سيقرؤون أنَّ حاكماً خرج على قومه في زينته
في 4 تموز/يوليو، وأنَّ ذكرى 161 ساجداً مرَّت بعدها بأربعة أيَّامٍ بلا نُصبٍ ولا
اعتذارٍ ولا محاكمة. وسيسألون المعلِّمَ السؤال الذي يسأله الأطفال دائماً فيُحرج الكبار:
ولماذا لم يقل أحدٌ شيئاً؟
هذا
المقال كي يكون للمعلِّم جوابٌ: قال قومٌ، وكتب قومٌ، وشهد قومٌ -من منافيهم وسجونهم
وقبورهم- أنَّ الزينة رأوها وعرفوا ثمنها، وأنَّ الدم لم يجفَّ من ذاكرتهم وإن جفَّ
من نشرات الأخبار، وأنَّهم قرؤوا نهاية السورة قبل أن تكتمل فصولها على الأرض:
"تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي
الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ".
هكذا
ختم اللهُ قصة قارون، وهكذا -لا بغير هذا- تُختَم دائماً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.