من يحاسِب؟ حين يصبح المواطن المصري وحده من يدفع ثمن الموازنة

يوسف عبد اللطيف
"لا تغني عن سؤال جوهري واحد يبقى بلا إجابة كافية حتى الآن: أين الشفافية الكاملة؟"- وزارة النقل المصرية
"لا تغني عن سؤال جوهري واحد يبقى بلا إجابة كافية حتى الآن: أين الشفافية الكاملة؟"- وزارة النقل المصرية
شارك الخبر
في بلد يقال فيه للمواطن "اصبر" منذ عشر سنوات، أصبح الصبر نفسه بندا خفيا في الموازنة العامة، لا يكتب في الأرقام، لكنه يقتطع من كل بيت، والسؤال الذي طالما تجنبته الجلسات المغلقة تحت القبة، من يدفع الفاتورة، ومن يوقع على القرار؟ ففي كل ثانية، جنيه مصري جديد يخرج من جيب مواطن لا يعرفه أحد، ليسدد فائدة على دين لم يوافق عليه، في بنية تحتية لن يركبها، وأرض ربما لم تكن أرضه أصلا لولا أن الدولة قررت أنها "منفعة عامة".

هذه ليست موازنة دولة تدير أزمة، بل موازنة دولة تدار بأزمة، وتحمل فاتورتها لمن لا صوت له تحت القبة، مواطن بلا امتيازات، ومسؤول بلا مساءلة، ففي 22 حزيران/يونيو 2026، رفعت الأغلبية البرلمانية أيديها بالموافقة على موازنة العام المالي 2026/2027، وسط اعتراضات لم تجد من يوقف عندها، والأرقام الرسمية نفسها، لا أرقام المعارضين، تكفي لطرح سؤال واحد بسيط: من يتحمل ثمن هذه الموازنة، ومن يعفى منه؟

بحسب عرض وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب، رصد للتعليم 422.3 مليار جنيه، أي نحو 1.72 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي المستهدف، بينما يفرض الدستور 6 في المئة، ورصد للصحة 368.9 مليار جنيه، أي نحو 1.51 في المئة من الناتج المتوقع، مقابل 3 في المئة ينص عليها الدستور كحد أدنى. الحكومة تتحدث عن "زيادات نسبية" في المخصصات، وهذا صحيح رقميا، لكنه لا يغير حقيقة أن الدولة، للعام تلو الآخر، لا تفي بالتزام دستوري صريح تجاه صحة المصريين وتعليمهم، بينما تشكل الضرائب نحو 88 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة.

من يدفع؟ المواطن العادي، عبر ضرائب غير مباشرة تطاله في كل سلعة يشتريها، بينما يطلب منه أن يصبر لأن "الدولة تمر بظروف استثنائية"، وهي الجملة نفسها التي نسمعها منذ سنوات، وفي المقابل، تلتهم فوائد الدين وحدها ما يقارب نصف مخصصات قطاع بحجم التعليم، بحسب ما كشفته المناقشات البرلمانية نفسها، وهذه ليست مبالغة معارض، بل اعتراف من نائب في قلب المؤسسة التشريعية؛ بأن أرقام "الالتزام الدستوري" مصممة لتبدو مقنعة على الورق أكثر مما هي مقنعة في واقع مستشفى حكومي أو فصل دراسي مكتظ، وزير يقف تحت القبة ويقول: "أنا قادر على السداد". ففي 16 حزيران/ يونيو 2026، وقف وزير النقل كامل الوزير أمام مجلس النواب ليقول بالحرف، إن عنده اليوم 10 مليارات دولار قروض، وسيأخذ 4 مليارات أخرى ليصبح الإجمالي 14 مليار دولار، مؤكدا قدرته على السداد الكامل من عوائد الموانئ والشركات التابعة للوزارة بالدولار، وقال إن قروض وزارته لا تمثل سوى 5.8 في المئة من إجمالي القروض الحكومية.

المشكلة ليست في الرقم وحده، بل في المنطق. وزير يطلب من ممثلي الشعب "الثقة" في قدرته على سداد 14 مليار دولار، بينما مصر بأكملها تعاني من ضغط دين خارجي يتجاوز 160 مليار دولار، وبينما نائبة في الجلسة نفسها تتساءل علنا: أليس الأولى أن تذهب هذه القروض لبناء جيل قادر على الإنتاج بدلا من مشروع قطار فاخر؟ بينما نائب آخر يكشف أن فوائد هيئة الأنفاق وحدها بلغت 63 مليار جنيه سنويا، دون احتساب الديون الجديدة، متسائلا: من سيسدد هذا كله، وكيف؟ الوزير يؤكد أن وزارته "لا تأخذ مليما من موازنة الدولة"، حسنا، فليكن، لكن هذا لا يسقط عن الحكومة ككل مسؤوليتها عن حجم الدين العام الذي يتضخم عاما بعد عام، تحت ذريعة "مشروعات ستغير وجه مصر". وهي عبارة نسمعها في كل مشروع، بينما فاتورة الديون تدفع من جيب كل مواطن عبر التضخم وتآكل قيمة الجنيه.

سيناء.. حين تصبح الأرض رقما في الجريدة الرسمية

في أيار/ مايو 2026، نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1031 لسنة 2026 بنزع ملكية أراض وعقارات في شمال سيناء، لصالح مشروع خط سكة حديد بئر العبد، العريش، طابا، بناء على طلب وزارة النقل، والقرار قانوني الشكل بالكامل، والدستور يجيز نزع الملكية للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل يدفع مقدما، لكن السؤال الذي لا تجيب عنه الجريدة الرسمية هو: هل التعويضات دُفعت فعلا قبل الإخلاء؟ هل حصل أصحاب الأرض على حصر شفاف لممتلكاتهم؟ وهل روعي أن شمال سيناء، تحديدا، منطقة عاشت سنوات من الاستثناء الأمني والهدم والنزوح، وأن أي قرار جديد بنزع الأرض يفتح جراحا لم تغلق بعد؟

المنفعة العامة ليست شيكا على بياض، القانون رقم 10 لسنة 1990 يشترط التعويض العادل المسبق، لا التعويض اللاحق أو "الموعود"، وطالما لم تنشر أسماء المتضررين ومساحات أراضيهم وقيمة تعويضاتهم بشفافية كاملة، يبقى السؤال مشروعا: هل هذا مشروع تنمية، أم استثمار في صمت الناس؟

هذا المقال لا يطالب بأكثر مما يكفله الدستور والقانون، المطلوب ليس شعارات، بل مساءلة فعلية تحت القبة، مساءلة سياسية وإدارية حقيقية، لا صورية. يحق لمجلس النواب، بل يجب عليه، أن يستخدم أدواته الدستورية كاملة، الاستجواب، ولجان تقصي الحقائق، وسحب الثقة إذا ثبت التقصير، تجاه كل مسؤول تنفيذي يثبت أن قراراته أثقلت كاهل المواطن دون مردود متكافئ، ويحق للمواطن أن يطالب بمراجعة سياسة الاقتراض في وزارة النقل بالكامل أمام لجنة برلمانية مستقلة.

تفحص الجدوى الاقتصادية الفعلية لكل قرش دولار يقترض، لا أن تكتفي بتصريحات الثقة الشفهية تحت القبة، ويحق لأهالي العريش وسيناء أن يحصلوا على كشف كامل وعلني بالتعويضات ومواعيد الصرف، قبل أي إخلاء، لا بعده، ويحق لكل من صوت ضد هذه الموازنة داخل البرلمان أن يسمع صوته في الإعلام الرسمي، لا أن يختزل في سطر عابر بين تصريحات الأغلبية.

المساءلة هنا ليست دعوة لتصفية حسابات شخصية مع أي مسؤول بعينه، بل مطالبة بأن يقاس كل مسؤول بمعيار واحد: هل أداؤه في موقعه حقق المنفعة العامة أم أضر بها؟ وإذا ثبت الإضرار، فالدستور والقانون يعطيان لممثلي الشعب أدوات المحاسبة كاملة، فلماذا لا تستخدم؟

وفي المقابل، ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الحكومة تطرح روايتها الخاصة؛ أن مشروعات مثل القطار السريع وخط سكة حديد سيناء استثمارات بنية تحتية طويلة الأجل ستدر عائدا اقتصاديا مستقبليا، وأن نسب الإنفاق على الصحة والتعليم في تصاعد نسبي رغم عدم بلوغها السقف الدستوري بعد، وأن جزءا من الانتقادات يتجاهل الظروف الإقليمية والدولية الضاغطة على الاقتصاد المصري.

هذه حجج تستحق أن تناقش لا أن تصادر، لكنها لا تغني عن سؤال جوهري واحد يبقى بلا إجابة كافية حتى الآن: أين الشفافية الكاملة؟ ومتى تفتح الأرقام كاملة أمام الرأي العام لا أمام قاعة مغلقة تحت القبة فقط؟ فليقل من شاء إن هذه أرقام تقرأ خارج سياقها، وليقل من شاء إن التنمية تحتاج صبرا وتضحية، لكن التاريخ لا يسأل عن النوايا، بل عن الفواتير، من وقع، ومن اقترض، ومن نزع، ومن صمت، والمواطن الذي يدفع اليوم من قوته اليومي فوائد ديون لم يرها.

وثمن أرض لم يخبر بمصيرها، لن يقبل إلى الأبد أن يكون "الالتزام الدستوري" وعدا مؤجلا، و"المنفعة العامة" شيكا بلا تاريخ استحقاق، فإما أن تفتح الدفاتر كاملة أمام الشعب صاحب السلطة الأصيل، وإما أن يسأل كل من وقع: أين الحساب؟

الموازنات تقر بالأغلبية، والقروض تبرر بالأرقام، والأراضي تنزع بالقانون، لكن الثقة لا تقر ولا تبرر ولا تنزع بقرار، هي تكتسب أو تفقد. واليوم، بين موازنة تثقل الفقير، ووزير يقترض باسم المستقبل، وأرض تؤخذ باسم التنمية، يبقى سؤال واحد معلقا فوق قبة البرلمان: من الذي سيحاسب أولا، الأرقام أم أصحابها؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)