حصاد الوهم والدمار: أين هبطت مصر في عهد عبد الفتاح السيسي؟

سعد الغيطاني
"النتيجة المباشرة كانت سحقاً كاملاً للطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمان المجتمع"- عربي21
"النتيجة المباشرة كانت سحقاً كاملاً للطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمان المجتمع"- عربي21
شارك الخبر
لم يكن الثالث من تموز/ يوليو 2013 مجرد انعطافة سياسية عابرة في تاريخ مصر الحديث، بل كان زلزالاً جيوسياسياً أطاح ببنية الدولة الوطنية، ودشن حقبة من التجريف الممنهج للهوية والسيادة والاقتصاد. اليوم، وبعد سنوات طويلة من الحكم الفردي المطلق، يقف المراقب والمواطن على حد سواء أمام مشهد سريالي قاتم يُلخصه سؤال واحد يتردد بمرارة في أزقة القاهرة وحواريها، وفي أروقة مراكز الأبحاث الدولية: أين مصر الآن؟ الجواب الذي تكشفه الوقائع على الأرض لا يحتاج إلى تجميل؛ لقد تحولت الكنانة من قائدة للمنطقة وصانعة لقراراتها، إلى دولة تابعة، مرهونة الأصول، مخنوقة الإرادة، ومحكومة بقبضة أمنية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد المعاصر.

إن كشف حساب عبد الفتاح السيسي لا يمكن قراءته عبر عدسات الإعلام الموجه الذي ينفق المليارات لتزييف الوعي، بل يُقرأ في عيون ملايين المصريين الذين هبطوا تحت خط الفقر، وفي مياه النيل التي انحسرت، وفي الشريط الحدودي الذي استبيح. هذا المقال يمثل تشريحاً سياسياً واقتصادياً وحقوقياً حاداً لحصاد هذا العهد، وتفكيكاً لآليات القمع والاستسلام السيناريوهات المستقبلية التي تطبخ في غرف المخابرات المظلمة لإعادة تدوير الاستبداد.

الجغرافيا السياسية المستباحة: من التفريط في "فيلادلفيا" إلى رهن مقدرات الدولة لأبو ظبي

لقد قامت شرعية النظام الحالي تاريخياً على ادعاء حماية الأمن القومي ومحاربة الإرهاب والحفاظ على وحدة الأرض، لكن المحطات الاستراتيجية الكبرى كشفت عن نمط صادم من التفريط والتنازل غير المسبوق عن أوراق القوة المصرية، مما أدى إلى تقزيم الدور الإقليمي للقاهرة لصالح قوى صاعدة وأطراف دولية وإقليمية.

- خنق غزة والتنازل عن محور فيلادلفيا:
قامت شرعية النظام الحالي تاريخياً على ادعاء حماية الأمن القومي ومحاربة الإرهاب والحفاظ على وحدة الأرض، لكن المحطات الاستراتيجية الكبرى كشفت عن نمط صادم من التفريط والتنازل غير المسبوق عن أوراق القوة المصرية

يتجلى التراجع الاستراتيجي بأبشع صوره على الحدود الشرقية لمصر. في وقت تعرض فيه قطاع غزة لأبشع حرب إبادة جماعية، تحول معبر رفح -الذي طالما اعتبر شرياناً سيادياً مصرياً خالصاً- إلى أداة لتشديد الحصار بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي. والأخطر من ذلك هو الموقف المخزي للنظام تجاه احتلال جيش الاحتلال الإسرائيلي لـ"محور فيلادلفيا" (صلاح الدين) وإعادة السيطرة عليه بالكامل. هذا الإجراء يمثل خرقاً فاضحاً ومباشراً للملاحق الأمنية لاتفاقية "كامب ديفيد"، وتنازلاً عملياً عن منطقة عازلة تمس الأمن القومي المصري في مقتل. بدلاً من إظهار القوة والردع، اكتفت القاهرة ببيانات الشجب والصمت المريب، مما منح الاحتلال ضوءاً أخضر لإعادة ترتيب المشهد الحدودي وفق مصالحه، وضيع على مصر أوراق ضغط تاريخية.

- تحويل الجيش إلى أداة استثمارية ورهن الأصول للإمارات:

على مدار السنوات الماضية، تحولت دولة الإمارات العربية المتحدة من مجرد حليف سياسي وداعم مالي مؤقت، إلى مالك ومتحكم فعلي في مفاصل الاقتصاد والسيادة المصرية. وتحت غطاء "الاستثمار المباشر" وصفقات المليارات -وعلى رأسها صفقة "رأس الحكمة" ومبيعات الأراضي التاريخية والشواطئ والأصول والشركات الناجحة- جرت عملية خصخصة ممنهجة للقرار السيادي المصري. والأكثر إيلاماً هو إقحام المؤسسة العسكرية بعمق في هذه الدائرة؛ حيث جرى تحويل عقيدة الجيش الاقتصادية ليصبح بمثابة "مستأجر" أو منفذ لمشروعات تخدم حسابات رأس المال الخليجي، مما أفقد الدولة استقلاليتها التامة وجعل مواقفها السياسية الخارجية رهينة لخطوط التمويل القادمة من أبو ظبي.

- تقزيم الدور الإقليمي:

هذا التنازل المتتالي عن الأوراق الاستراتيجية أدى إلى خسارة مصر لنفوذها التاريخي في ملفات حيوية كالملف السوداني، والملف الليبي، فضلاً عن العجز الكامل في إدارة ملف "سد النهضة" الإثيوبي، الذي بات يهدد الحصة التاريخية لمصر من مياه النيل دون وجود أي استراتيجية حقيقية للمواجهة سوى إطلاق الوعود الشفهية التخديرية.

الفشل الاقتصادي الهيكلي: سياسة القروض الفلكية وإفقار الشعب الممنهج

إذا كانت السياسة الخارجية والسيادة قد أصيبتا بالتقزيم، فإن الملف الاقتصادي يمثل الطعنة القاتلة التي وجهها النظام لجسد المجتمع المصري، حيث تسببت عقلية "إدارة الدولة كمشروع مقاولات شخصي" في انهيار مالي واجتماعي شامل.

فخ الديون الكارثي: يعيش الاقتصاد المصري اليوم في حلقة مفرغة ومرعبة من الاستدانة لسداد الديون. قفز الدين الخارجي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد، والتهمت فوائد وأقساط القروض الجزء الأكبر من الموازنة العامة للدولة. هذه القروض الضخمة لم توجّه إلى قطاعات إنتاجية كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، بل أُنفقت ببذخ على مشروعات خرسانية عملاقة، وقصور رئاسية، ومدن جديدة في الصحراء صُممت لتكون معزولة عن غالبية الشعب، وعاصمة إدارية جديدة كلفت الخزينة ما لا تطيق، فقط لخدمة الدعاية السياسية للنظام وإرضاء نهم الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية

- سحق الجنيه المصري والطبقة المتوسطة:

نتج عن هذا الفشل البنيوي والارتهان لشروط صندوق النقد الدولي انهيار تاريخي في القيمة الشرائية للجنيه المصري، الذي فقد أكثر من ثلثي قيمته عبر سلسلة من التعويمات المتتالية. هذا الانهيار قاد إلى موجات تضخم جنونية طالت أسعار السلع الأساسية، والأدوية، والخدمات، والوقود، والكهرباء. النتيجة المباشرة كانت سحقاً كاملاً للطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمان المجتمع، وتحول ملايين الأسر إلى ما دون خط الفقر، حيث باتت لقمة العيش والقدرة على توفير الاحتياجات البيولوجية الأساسية هي الحلم الأسمى للمواطن المصري.

- سياسة الجباية وبيع الأصول الخاسرة:

بدلاً من مراجعة هذه السياسات الكارثية، تصر السلطة على فرض المزيد من الضرائب والرسوم والجمارك (سياسة الجباية الممنهجة)، بالتوازي مع التوسع في بيع أصول الدولة الرابحة والشركات التاريخية، كشركات الأسمدة، والموانئ، والبنوك، والفنادق التاريخية، وهي أصول كانت تدر دخلاً مستداماً للأجيال القادمة، مما يعني تجريد الدولة من كل مصادر قوتها الاقتصادية الذاتية.

مقصلة القمع الشامل والعابر للحدود:

- إعدامات جائرة وزنزانة لكل "بوست"

داخلياً، استند نظام السيسي منذ يومه الأول إلى تفعيل عقيدة الترهيب المطلق وإغلاق المجال العام بالكامل، معتبراً أن أي صوت معارض، أو مستقل، أو حتى منتقد بشكل ناعم، يمثل تهديداً وجودياً لبقائه في السلطة.

- سجون تعج بالأحرار ومقصلة السوشيال ميديا:

تحولت السجون المصرية إلى معسكرات احتجاز ضخمة تضم عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي من كافة التيارات السياسية والمدنية والفكرية. ولم يعد القمع مقتصراً على الناشطين الحزبيين، بل امتد ليتناول المواطنين العاديين. في مصر اليوم، بات كتابة "بوست" أو تعليق عابر أو حتى وضع علامة إعجاب على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إكس، تيك توك) كافياً للاختفاء القسري والظهور أمام نيابة أمن الدولة العليا بتهم مطاطية جاهزة مثل "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة".

- نموذج أحمد دومة وتدوير المعتقلين:

يبرز اسم الناشط أحمد دومة والعديد من رفاقه كرموز صارخة لهذه المعاناة المستمرة؛ فرغم الإفراجات الصورية المتباعدة التي تستخدم كأوراق ضغط وتجميل للمشهد أمام المجتمع الدولي، تظل الحقيقة أن النظام يمارس سياسة "الباب الدوار" وتضييق الخناق المستمر. تتم ملاحقة المفرج عنهم أمنياً، ومنعهم من السفر، وتجميد أموالهم، وإبقائهم تحت المراقبة الشرطية الخانقة، لضمان تحييدهم التام وإرسال رسالة ترهيب جماعية بأن أحداً ليس بمأمن.

- الارتفاع المرعب في الإعدامات غير القانونية:

سجلت مصر في عهد السيسي طفرة دموية مرعبة في تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن محاكمات عسكرية ومحاكم أمن دولة استثنائية تفتقر لأدنى معايير النزاهة والعدالة الدولية. نُفذت الأحكام بحق مئات الشباب بناءً على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب الممنهج في مقار الاحتجاز السري، وسط مناشدات وتقارير دولية وحقوقية واسعة وصفت هذه الإعدامات بأنها "قتل خارج إطار القانون بغطاء قضائي مسيس".

- القمع العابر للحدود الملاحقة في المنفى:

لم تعد الحدود الجغرافية للدولة عائقاً أمام شهوة القمع للنظام. طوّر الأمن المصري أدوات "القمع العابر للحدود" لملاحقة المعارضين والإعلاميين والنشطاء في الخارج. يتم ذلك عبر وسيلتين خبيثتين: الأولى هي استخدام عائلاتهم وأقاربهم في الداخل كـ"رهائن"، حيث يتم مداهمة منازل أسر المعارضين في مصر واعتقال آبائهم أو أشقائهم للضغط على أبنائهم في الخارج لإسكاتهم. والثانية هي التضييق على المغتربين عبر سلاح السفارات، من خلال رفض تجديد جوازات السفر والمستندات الرسمية، وتحويلهم إلى وضعية قانونية هشة في بلدان منافيهم، فضلاً عن الملاحقات الأمنية عبر استغلال التنسيق الاستخباراتي مع بعض الأنظمة الحليفة.

سيناريوهات هندسة البقاء: تعديل الدستور أم صناعة "الأراجوز الاستخباراتي"؟

مع وضوح حجم الفشل الداخلي والخارجي، وتصاعد التململ الصامت في الشارع وفي بعض مؤسسات الدولة، تبدو هواجس البقاء في السلطة وحماية النخبة الحاكمة من أي محاسبة مستقبلية هي المحرك الأساس لمطبخ القرار الأمني. وتتحرك الأجهزة حالياً وفق سيناريوهين مرسومين بدقة لإدارة المرحلة المقبلة:

الاستمرار في هذا المسار لا يهدد فقط جيلنا الحالي، بل يضع علامة استفهام كبرى حول قدرة الدولة المصرية على البقاء ككيان متماسك وقوي في ظل المتغيرات العاصفة التي تشهدها المنطقة

السيناريو الأول: التعديل الدستوري الفج للمد والتأبيد: يدرس النظام بجدية عبر أذرعه التشريعية في البرلمان والمجالس الصورية طرح حزمة جديدة من التعديلات الدستورية؛ الهدف منها هو تمديد فترة حكم السيسي الحالية أو السماح له بالترشح لمدد إضافية جديدة تحت مبررات "الظروف الإقليمية الاستثنائية، ومواجهة مؤامرات حروب الجيل الرابع، واستكمال المشروعات القومية". هذه الهندسة الدستورية المتكررة تعكس عدم اعتراف النظام بمدنية الدولة أو التداول السلمي للسلطة، وتحويل الدستور إلى مجرد "ورقة تفصيل" تخدم بقاء الحاكم الفرد.

السيناريو الثاني: صناعة وتلميع "الأراجوز الاستخباراتي": في حال تصاعدت الضغوط الدولية، أو وصل الانسداد الاقتصادي إلى نقطة الانفجار التي تتطلب تقديم كبش فداء لامتصاص الغضب الشعبي، فإن الخطة البديلة جاهزة في أدراج الأجهزة الأمنية. تقوم هذه الخطة على صناعة "بديل واجهة" من داخل صلب المنظومة الأمنية، وتحديداً من خلال تلميع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الحالي عبر الآلة الإعلامية والأذرع القنواتية التابعة للجهاز بشكل مكثف وممنهج. يتم تقديمه للمجتمع الدولي وللداخل في ثوب "رجل الدولة الرصين، المنقذ، والقادر على الإصلاح الاقتصادي وضبط التوازنات السياسية". لكن الحقيقة التي يدركها كل ذي بصيرة أن هذا البديل لن يكون سوى "أراجوز ماريونيت" يتم تحريك خيوطه من وراء الستار بواسطة نفس شبكة المصالح العسكرية والاستخباراتية لضمان عدم فتح ملفات الفساد، واستمرار ذات السياسات القمعية والاقتصادية الرهينة، ولكن بوجه جديد يمنح النظام صك غفران مؤقت وصلاحية ممتدة.

إن حصاد سنوات السيسي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أننا لسنا أمام أزمة إدارة عابرة أو تعثر اقتصادي مؤقت، بل نحن أمام عملية تفكيك ممنهجة لعناصر القوة الشاملة للدولة المصرية. لقد جرى رهن القرار، وتجريف الثروات، وسجن النخبة، وتحويل الوطن إلى شركة خاصة تدار بعقلية المصلحة الضيقة على حساب أنين ومستقبل مئة مليون مصري. إن الاستمرار في هذا المسار لا يهدد فقط جيلنا الحالي، بل يضع علامة استفهام كبرى حول قدرة الدولة المصرية على البقاء ككيان متماسك وقوي في ظل المتغيرات العاصفة التي تشهدها المنطقة.

سؤال للقراء:

أمام هذا الحصاد المرير لسنوات الحكم الحالية وهندسة السيناريوهات الاستخباراتية القادمة للتمديد أو التبديل الصوري.. هل ترى أن الشعب المصري والنخبة السياسية ما زالوا يملكون أدوات لفرض إرادتهم وكسر حلقة الاستبداد المفرغة، أم أن "دولة الخوف والارتهان" قد نجحت تماماً في إغلاق نوافذ المستقبل؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)