مصر للبيع: كيف حوّل السيسي الدولة الى سلعة في مزاد؟

أدهم حسانين
"في الأنظمة التي تغيب فيها المحاسبة، يُصبح الوطن بضاعة، والبضاعة لمن يملك القرار، لا لمن يحمل الهوية"- AI
"في الأنظمة التي تغيب فيها المحاسبة، يُصبح الوطن بضاعة، والبضاعة لمن يملك القرار، لا لمن يحمل الهوية"- AI
شارك الخبر
حين تصبح الدولة سلعة تباع لمن يدفع أكثر كأنه مزاد

ثمة فارق جوهري بين حاكم يبيع أصول بلاده تحت وطأة الضرورة، وآخر يبيعها بمنهجية باردة تكشف أنه لا يعدّها بلده أصلاً. تقع مصر اليوم في الحالة الثانية، فمنذ انقلاب تموز/ يوليو 2013، لم تشهد البلاد مشروعاً اقتصادياً واحداً يمكن تصنيفه بلا تحفّظ نجاحاً حقيقياً، لكنها شهدت ما يشبه تصفية منظّمة لكل ما تراكم على مدى عقود من رأسمال وطني.

الأرض تُباع، والبنوك تُرهن، والشواطئ تُسلَّم، والموانئ تُقبَّل في يد الدائنين. وفي كل مرة يُسأل النظام عن المآل، يأتي الجواب ذاته: اصبروا 6 أشهر.. عامين.. في 2020 مصر تكون في موضع آخر والتنمية قادمة، الإصلاح يسير، الصبر فضيلة. لكن الأرقام لا تصبر، ولا تكذب.

الدَّيْن: الرقم الذي يُلخّص كل شيء

كان في عام 2013، الدين الخارجي لمصر يناهز 43 مليار دولار؛ رقم مقلق لكن محتمل، ولكن بحلول عام 2024 تجاوز 168 مليار دولار. هذا ليس ارتفاعاً، هذا انهيار في التعريف ذاته للسياسة الاقتصادية.

لفهم حجم الكارثة، يكفي مقارنة بسيطة: مصر التي خاضت حرباً في 1973 وعاشت حصاراً وإعادة إعمار، لم تبلغ ديونها في أي لحظة ما بلغته في عهد رجل وصل إلى السلطة يحمل خطاباً عن الإنقاذ الوطني.

ليس هذا تناقضاً عارضاً، بل هو السمة البنيوية لنظام يستدين لا ليبني، بل ليبقى. إن آلية الدين في عهد السيسي لا تشبه النماذج الكلاسيكية للمديونية الحكومية. الحكومات التي تستدين عادةً تفعل ذلك لتمويل عجز مؤقت، أو لاستثمار في بنية تحتية منتجة، أو لمواجهة أزمة طارئة. أما ما جرى في مصر فهو نمط مختلف: الاستدانة لخدمة الاستدانة، القرض الجديد لسداد فوائد القرض القديم.

بيع الأصول كأداة إصلاحية مشروع في سياقات محددة: حين تكون الأصول المباعة خاسرة أو غير منتجة، وحين يُستخدم العائد في سداد ديون أو تمويل برامج اجتماعية محددة، وحين تجري العملية بشفافية وتنافسية حقيقية. لا شيء مما سبق ينطبق على ما جرى ويجرى في مصر

وتبقى النتيجة المنطقية لهذه الحلقة أن نسبة خدمة الدين باتت تلتهم ما يزيد على 40 في المئة من إيرادات الدولة؛ أربعون قرشاً من كل جنيه تجمعه الحكومة يذهب لسداد ما اقترضته في الماضي، لا لبناء مدرسة أو مستشفى أو طريق يخدم مصرياً حياً.

العاصمة الإدارية: ضريح من رخام

لا يمكن الكتابة عن الاقتصاد المصري في عهد السيسي دون الوقوف طويلاً أمام المشروع الذي صار رمزاً للعبث المُمَنهج: العاصمة الإدارية الجديدة.

أُعلن عن المشروع في 2015 بوصفه "عاصمة القرن الحادي والعشرين". التكلفة الإجمالية المقدّرة تتراوح بين 58 و60 مليار دولار، والناتج المحلي الإجمالي لمصر حين أُعلن المشروع كان في حدود 330 مليار دولار. يعني ذلك أن مصر قررت في لحظة اقتصادية ضاغطة أن تنفق ما يعادل نحو 18 في المئة من اقتصادها على مدينة جديدة في الصحراء، في حين أن القاهرة الكبرى تختنق بعشرين مليون ساكن تنقصهم المياه النظيفة والصرف الصحي والمواصلات.

لا يتعلق الأمر بالمدينة في حد ذاتها، المدن الجديدة فكرة مشروعة إذا كانت تعالج مشكلة حقيقية بتمويل معقول وجدوى اقتصادية مدروسة؛ تكمن المشكلة في أن العاصمة الإدارية بُنيت على منطق استعراضي بحت: برج ناطح سحاب هو الأطول في أفريقيا، ميدان أكبر من ميدان التيانانمين، مبانٍ حكومية بواجهات زجاجية في بلد يعاني كهربائه من انقطاعات متكررة.

وفي التفاصيل الأكثر إيلاماً: التمويل الصيني جاء مشروطاً بشركات وعمالة صينية. مصر لم تستفد حتى من فرص العمل التي كان يمكن أن تولّدها، لأن المقاولات الكبرى ذهبت لمن موّل، لا لمن سيسكن.

بيع الأصول: من الضرورة إلى المنهج

يميل معظم المدافعون عن سياسات السيسي إلى تقديم بيع الأصول العامة باعتباره إصلاحاً اقتصادياً ضرورياً، استجابةً لضغوط صندوق النقد الدولي ومتطلبات التوازن المالي. هذه الحجة تستحق الاختبار. بيع الأصول كأداة إصلاحية مشروع في سياقات محددة: حين تكون الأصول المباعة خاسرة أو غير منتجة، وحين يُستخدم العائد في سداد ديون أو تمويل برامج اجتماعية محددة، وحين تجري العملية بشفافية وتنافسية حقيقية. لا شيء مما سبق ينطبق على ما جرى ويجرى في مصر.

ما حدث هو أن أصولاً مصرية استراتيجية -شواطئ، وأراضي زراعية، ومحطات وقود، وعقارات في قلب المدن- بيعت بأسعار لا تعكس قيمتها السوقية الحقيقية، لأطراف خليجية في صفقات لا تخضع لأي رقابة برلمانية فعلية، فالجهاز التشريعي في مصر منذ 2014 لا يعدو كونه آلة توثيق لقرارات سبق اتخاذها.

الصفقة الأبرز كانت مع الإمارات عبر صندوق أبو ظبي السيادي (ADQ) الذي استحوذ في 2024 على أصول سياحية وصناعية وزراعية بقيمة إجمالية تجاوزت 35 مليار دولار. هذا الرقم وحده يمثل نقلاً هادئاً لثروة وطنية إلى حيازة أجنبية، لا بمنطق الاستثمار المتبادل، بل بمنطق البيع المباشر تحت الإكراه المالي.

رأس الحكمة: حين تُباع الجغرافيا

أعلنت الحكومة في شباط/ فبراير 2024، عن صفقة مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي. الصفقة قُدِّمت للرأي العام بوصفها إنجازاً تاريخياً، استثماراً أجنبياً ضخماً يُنعش خزينة الدولة المنهكة. لكن حين تتمعّن في التفاصيل عزيزي القارئ، يتغيّر المشهد كلياً.

رأس الحكمة ليست أرضاً صحراوية مهجورة، إنها شريط ساحلي بطول نحو 170 كيلومتراً على البحر المتوسط، بموقع استراتيجي يجمع بين القرب من أوروبا وأفريقيا، بمياه نقية وطبيعة بكر لا تعوّض. هذا النوع من الجغرافيا لا يُشترى مرتين، ومن يملكه يملك ورقة استراتيجية إلى الأبد.

يبدو الثمن المُعلن 35 مليار دولار كبيراً حتى تعرف أن الإمارات لم تدفع كلها نقداً؛ جزء من الصفقة جرى بتحويل ودائع إماراتية سابقة في البنك المركزي المصري إلى حصص في المشروع، بمعنى أن مصر دفعت من حقها في استرداد ودائع سبق إيداعها ثمناً لأرضها هي. معادلة لا يقبلها تاجر عادي، قبلها نظام يبحث عن أرقام تُزيّن بياناته لصندوق النقد.

والأخطر في رأس الحكمة ليس السعر، بل البنية القانونية للصفقة التي تمنح الطرف الإماراتي حقوق تطوير وإدارة لفترات مفتوحة، في منطقة باتت فعلياً خارج السيادة المصرية الفعلية وإن ظلت على الخريطة.

إعمار والأرض المصرية: أرقام لا تكذب

لفهم الحجم الحقيقي للتمدد الإماراتي في النسيج العمراني المصري، لا تحتاج إلى تسريبات أو وثائق سرية، تحتاج فقط إلى بيانات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التي تحتفظ بها الدولة عن نفسها لكنها لا تريدك أن تراها.

كشف الصحفي عمرو القزاز في بحث له كشف عن: تحليل لـ1,695 سجلاً من بيانات الهيئة -غير المُعلنة رسمياً رغم أن الدستور المصري لعام 2014 ينص صراحةً في مادته 68 على أن البيانات والوثائق الرسمية ملك للشعب- يكشف تركّزاً في الملكية يصعب وصفه بغير كلمة واحدة: مذهل.

يسيطر أكبر 5 ملاك على أكثر من 75 في المئة من إجمالي مساحة أراضي المجتمعات العمرانية، وأكبر 10 يصلون إلى 87.2 في المئة. وعلى رأس القائمة، بلا منازع: شركة إعمار مصر للتنمية الإماراتية، بمساحة 2,414 فداناً تمتد عبر الساحل الشمالي الغربي والقاهرة الجديدة.

للمفارقة الكاملة: شركة إعمار، بوصفها شركة مدرجة في البورصة، تلتزم بمعايير إفصاح أعلى بكثير مما تلتزم به الحكومة المصرية ذاتها تجاه مواطنيها، الشركة الأجنبية أكثر شفافية من الدولة صاحبة الأرض.

هذه البيانات تحتاج مطابقة كاملة مع إفصاحات البورصة والسجلات الرسمية للتحقق التام، لكنها حتى كمؤشر أولي، تطرح سؤالاً لا يحتمل المراوغة: من يملك مصر فعلاً؟

طواحين الهواء: بيع الريح، شراء الكهرباء

أُنجز في منطقة جبل الزيت على ساحل البحر الأحمر، مشروع لطاقة الرياح بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 500 ميغاواط. المشروع مموّل جزئياً بقروض دولية، ومُنجز على أرض مصرية، وبموارد طبيعية -الرياح- لا تنضب ولا تُشترى.

المنطق الاقتصادي البديهي يقول: دولة تعاني من أزمة كهرباء حادة وانقطاعات متكررة أنهكت صناعتها ومواطنيها، تبني محطة رياح بهذه الطاقة لتغذية شبكتها الوطنية وتخفيف العبء عن محطات الوقود الأحفوري المُكلفة، لكن ما جرى مختلف.

المشروع أو جزء جوهري من حقوق استغلاله انتقل إلى الجانب الإماراتي في إطار منظومة الصفقات المتشابكة بين القاهرة وأبو ظبي، والنتيجة الأكثر إثارةً للدهشة: مصر التي بنت محطة الرياح باتت تشتري جزءاً من إنتاجها الكهربائي أو تدفع رسوم استخدام لمن يُدير ما بنته.

هذه المعادلة -بنيتُ، بعتُ، اشتريتُ- ليست سياسة طاقة، إنها وصف دقيق لما يحدث حين تتحول موارد الدولة إلى بضاعة في يد من يملك القرار.

المقاتلات والصمت: ثمن الولاء

في عام 2023، بينما كانت غزة تحترق وكان العالم العربي يجتاحه نقاش مفتوح عن المسؤولية والموقف، أرسلت مصر طائرات مقاتلة إلى الإمارات للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة. التوقيت لم يكن مصادفة.

في الداخل المصري، كانت السلطات تُحكم قبضتها على أي تحرك شعبي مناصر لغزة: تجمعات محظورة، اعتقالات لناشطين جاهروا بمواقفهم، ومنظومة إعلامية رسمية تُدير الزاوية بعيداً عن المشهد الفلسطيني كلما أمكن. المصري الذي أراد أن يرفع علم فلسطين في الشارع وجد أمامه شرطة، والمقاتلة المصرية كانت في الوقت ذاته تتدرب في سماء دولة تربطها بإسرائيل معاهدة تطبيع وعلاقات استخباراتية وثيقة.

المفارقة ليست في التناقض السياسي وحده، بل في ما تكشفه عن طبيعة هذا النظام. نظام يُقدّم خدمات عسكرية لحليفه الخليجي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، بينما يُجرّم على مواطنيه التعبير عن انتمائهم لقضية عربية مركزية، هو نظام لا يجمعه بشعبه غير سلطة الأمر الواقع.

الإمارات في هذا السياق ليست مجرد شريك اقتصادي، إنها الطرف الذي يتلقى خدمات الأمن والسياسة والأرض في مقابل السيولة التي تُبقي النظام واقفاً. والعلاقة بين القاهرة وأبو ظبي منذ 2013 لا تُوصف بدقة بكلمة "شراكة"، الكلمة الأدق هي "تبعية".

المحسوبية: الاقتصاد بوصفه إقطاعية

لم يخترع السيسي ظاهرة المحسوبية في مصر، لكنه رفعها إلى مستوى لم تبلغه من قبل، بشكل مختلف نوعياً عن سابقيه.

في عهد مبارك، كانت المحسوبية تعني نخبة رجال أعمال مرتبطين بالحزب الحاكم يحصلون على امتيازات في إطار اقتصاد مدني شكلي، وفي عهد السيسي أصبحت مؤسسات الجيش هي المحور. الجهاز المركزي للمحاسبات لا يملك صلاحية تدقيق ميزانيات الكيانات الاقتصادية العسكرية، شركات تحمل علامات عسكرية تعمل في السوق دون أن تخضع للمعايير الضريبية والرقابية المفروضة على المنافسين المدنيين.

أصبحت النتيجة ليست فقط اختلالاً تنافسياً، بل هي تفكيك منهجي لطبقة رجال الأعمال المدنيين وإحلال الاقتصاد العسكري محلها.

كان القطاع الخاص المصري يمثل محركاً حقيقياً للنمو، لكنه تقلّص، لا بسبب قصور في المبادرة الفردية، بل لأن المنافسة مع جهة لا تدفع ضرائب ولا تخضع لرقيب هي منافسة على ورق فقط.

هذا هو الاقتصاد بوصفه إقطاعية: الأرض والسوق والفرصة لمن يحمل الرتبة الصحيحة أو الجنسية الصحيحة.

الجنيه والمصريون: تكلفة الإفقار المُبرمج

حين تحدّث السيسي عام 2015 عن تضحيات يجب أن يقدّمها المصريون، لم يكن يتحدث عن تضحيات نظامه، بل عن تضحياتهم هم.

كان الجنيه المصري يُساوي ذاك العام نحو 7.8 مقابل الدولار، بحلول عام 2026 وصل إلى ما بين 47 و52 جنيهاً للدولار بعد تعويمات متتالية. ماذا يعني ذلك عملياً؟ المواطن المصري الذي كان يملك 1,000 جنيه في عام 2015 يملك اليوم ما يعادل في القوة الشرائية الدولية أقل من ربع ذلك المبلغ. ثروة كاملة جرى محوها لا بجريمة أو إهمال، بل بقرارات سياسية اتُّخذت من دون استشارة أصحابها.

ومع ارتفاع التضخم الذي تجاوز 35 في المئة في ذروته عام 2023، باتت الطبقة الوسطى المصرية -تلك التي كانت حاملة مشروع التحديث لعقود- تنزلق بشكل متسارع نحو حزام الفقر. لا إحصاءات حكومية تعترف بهذا بوضوح، لكن أرقام صندوق النقد والبنك الدولي تُشير إلى أن 40 في المئة على الأقل من المصريين باتوا يعيشون تحت خط الفقر.

قناة السويس: المورد الذي لم يُنقذ أحداً

شن السيسي في عام 2015 حملة تبرعات شعبية لتمويل "قناة السويس الجديدة". المواطنون المصريون -بما فيهم ضعاف الحال- اشتروا شهادات استثمار بمليارات الجنيهات، دفعوا ثمن مشروع بُيع لهم بوصفه تحولاً استراتيجياً سيضاعف إيرادات القناة من 5 مليارات دولار سنوياً إلى 13 ملياراً بحلول 2023. الإيرادات الفعلية لعام 2023 قبل تراجعات البحر الأحمر بلغت نحو 9.4 مليار دولار، والرقم أقل من الوعد المُعلن بفجوة تجاوزت 3.5 مليار دولار. وحين اندلعت أزمة البحر الأحمر إثر أحداث غزة، تراجعت إيرادات القناة إلى ما دون 7 مليارات، مكشوفةً الهشاشة الجوهرية لنموذج اقتصادي يراهن على ممر ملاحي بدلاً من بناء اقتصاد منتج.

الأشد إيلاماً أن الذين اشتروا شهادات الاستثمار عام 2015 حصلوا على عوائدهم بجنيه انهارت قيمته؛ ربحوا ورقياً، وخسروا فعلياً.

المشاريع القومية: أرقام بلا جدوى

لا يمكننا تجاهل الطريقة التي يقدّم بها النظام إنجازاته. الخطاب الرسمي يحفل بأرقام: كيلومترات طرق، وعدد وحدات سكنية، ومحطات مياه، وجسور. لكن الإنجاز لا يُقاس بعدد الطرق التي بُنيت، بل بعدد الفرص التي أتاحتها، لا يُقاس بالوحدات السكنية، بل بمن سكنها ومَن يملكها.

العمران المصري في هذا العهد يشبه ديكور مسرح: الواجهة ضخمة ومبهرة، لكن خلفها مواطن لا يستطيع تحمّل إيجار في المدينة التي بُنيت باسمه. مشروع الإسكان الاجتماعي الذي أُعلن عنه بصخب لم يُفضِ إلى وحدات في متناول من يحتاجونها حقاً. الوحدات "الاجتماعية" تُباع بأسعار السوق الحرة أو قريباً منها، في حين أن مستحقيها من الفقراء لا يملكون الدفعة الأولى ولا القسط الشهري.

لماذا "البيع" وليس "الفشل"؟

ثمة سؤال جوهري يطرحه المدافعون عن أي نظام في مواجهة نقد مماثل: أليس هذا مجرد فشل في الإدارة؟ ألا يمكن إحسان الظن وافتراض النية الحسنة مع سوء التنفيذ؟

الجواب: الفارق بين الفشل والبيع المنهجي هو الاتجاه والاستمرارية. المدير الفاشل يتوقف حين يرى النتائج، يُصحّح، أحياناً يعترف. أما ما يجري في مصر منذ أكثر من عشر سنوات فيسير في اتجاه واحد لا ينكسر: الدَّيْن يرتفع، والأصول تنتقل، والجنيه يتراجع، والفقر يتسع. والنظام لا يُصحّح المسار بل يُعيد إنتاجه مع كل خطة إصلاح جديدة يوقّعها مع صندوق النقد.

انظر إلى المنظومة كاملة: أرض الساحل تذهب إلى إعمار الإماراتية، ورأس الحكمة تذهب إلى (ADQ) الإماراتي، وطاقة الرياح تذهب إلى شراكات إماراتية، والمقاتلات المصرية تتدرب في سماء الإمارات، وصمت رسمي مطبق على كل مناصرة لغزة. هذه ليست صدفة جغرافية، ولا تقارباً طبيعياً بين دولتين، هذه بنية تبعية منظّمة، دفع ثمنها المواطن المصري أرضاً وسيادةً وكرامةً وحق التعبير. الفشل يُصحَّح، أما هذا النمط فيُفسَّر.

سجل المواقف: اقرأ وأنت تحكم

لا تحتاج إلى محلل اقتصادي. تحتاج فقط إلى أن تقرأ.

* السيسي- مؤتمر الشباب، شرم الشيخ، 2018:

- "عايزين تبنوا بلدكم وتبقوا دولة ذات قيمة، ولا هندوّر على البطاطس؟".

قالها في عام ارتفعت فيه أسعار البطاطس ثلاثة أضعاف. الخيار المطروح على شعب يبحث عن الأكل: البطاطس أو الدولة، الدولة التي باع أراضيها لاحقاً للإمارات.

* السيسي- مؤتمر أفريقيا، شرم الشيخ، 2018:

- "دراسات الجدوى بتعيق تنفيذ المشاريع".

رئيس دولة يُعلن رسمياً أنه يبني بلا حساب ولا دراسة، ثم يتساءل العالم كيف وصلت مصر إلى 168 مليار دولار ديوناً!

* السيسي- المؤتمر الوطني الثامن للشباب، 2019:

- "أنا عامل قصور رئاسية وهأعمل تاني.. هاتخوفوني ولا إيه؟ مش باسمي، ده باسم مصر".

ردّ على أزمة اقتصادية طاحنة بالتفاخر ببناء قصور. المواطن يسأل عن الخبز، الجواب: قصور باسم مصر.

* السيسي- على هامش مؤتمر العمل الأهلي، 2023:

- "هذه ليست حربنا ولا أزمتنا.. بطلوا هري بقى".

وصف شكوى شعبه من الغلاء بـ"الهري". الترجمة: كفّوا عن الكلام.

* السيسي- خطاب 2022:

- "لولا دعم دول الخليج الدولة دي مكنتش هتكمل في طريقها".

رئيس يُقرّ أمام العالم أن بلاده عاجزة دون دعم خارجي، ثم يبيع لنفس الجهة الأرض والساحل والكهرباء.

* السيسي- تصريح لقناة صدى البلد، 2022:

- "معندناش مشكلة في السلع.. اشتروا اللي أنتم عايزينه".

نصيحة رئيس لشعب ثلثه تحت خط الفقر: "اشتروا". كأن المشكلة في الرغبة لا في المقدرة!

كامل الوزير - الفصل الأخير

* كامل الوزير- على الهواء، أيلول/ سبتمبر 2023:

- "هكتب مذكراتي وهذكر فيها إنجازات السيسي".

(بدموع على الهواء)

وزير النقل الذي أشرف على إنفاق مئات المليارات يُعلن أن مهمته التاريخية: كتابة المديح.

* كامل الوزير- حزيران/ يونيو 2025، بعد حادث الطريق الإقليمي في المنوفية:

- "أنا حضرت الطريق ده.. عملت أجزاء منه بإيدي".
أن يشعر المواطن أن بلده يُباع فوق رأسه بينما يُطلب منه الصبر والتضحية، هذا الشعور -حين يتحوّل إلى قناعة جماعية- لا يولّد غضباً فحسب، بل يولّد شيئاً أكثر خطورة على أي نظام: اللامبالاة. وحين يصل شعب إلى درجة اللامبالاة بمصير بلاده، فذلك يعني أنه قد فقد الشعور بأن له فيها حصة. وهذا هو الإفلاس الحقيقي

الطريق الذي "عمله بيديه" احتاج صيانة بعد سنوات قليلة لأنه -بحسب الوزير نفسه- بُني على "أرض زراعية طينية". يد الوزير أقوى من قوانين الهندسة!

* كامل الوزير- رداً على مطالبات الاستقالة بعد الحادث:

- "تمني البعض رحيلي مش هيتحقق.. أنا مستمر في خدمة بلدي، وده واجبي الوطني".

عشرات الضحايا على طريق "عمله بيديه"، والجواب: البقاء واجب وطني. الاستقالة في قاموسه إخلال بالواجب!

* كامل الوزير- رداً على منتقدي تكلفة الطرق، تموز/ يوليو 2025:

- "هاتوا أكبر استشاري عالمي يراجع ورانا وأنا هدفع مرتبه.. روحوا شوفوا الطريق في السعودية بيتكلف كام وإحنا بنكلفه كام".

دعا المنتقدين لمقارنة تكلفة الطرق المصرية بالسعودية، ظناً منه أن المقارنة في صالحه. المستشار السعودي تركي آل الشيخ ردّ بكلمتين: "لا تعليق.. السعودية impossible".

* كامل الوزير- رداً على المشككين في كفاءته، حزيران/ يونيو 2025:

- "أنا خريج الكلية الفنية العسكرية.. اسألوا عليا دفعتي وأساتذتي".

شهادة الكلية العسكرية -لا الأرقام ولا الضحايا ولا النتائج- هي الدليل المقدَّم على الكفاءة!

هذه ليست اقتباسات انتُزعت من سياقها، هذه هي السياق نفسه.

خاتما: دولة بلا أصحاب

حين تُباع الأرض ولا يسكنها من دفع ثمنها، حين يُستدان باسم شعب لا يُستشار في شيء، حين تذهب عائدات القناة لخدمة ديون لم يُقرّها أحد، حين تُبنى عاصمة في الصحراء بينما الشعب يختنق في مدنه القديمة، حين تُبنى محطة رياح بقروض دولية ثم يُشترى منتجها بالسعر التجاري، وحين يُمنع المواطن من رفع علم أخيه بينما مقاتلاته تؤدي خدمة عسكرية لحساب من اشترى أرضه.. عندئذٍ يصبح السؤال ليس عن كفاءة الإدارة، بل عن طبيعة العلاقة بين الحاكم وما يحكمه.

السيسي لا يبيع مصر لأنه فاشل.. يبيعها لأنه يستطيع. في الأنظمة التي تغيب فيها المحاسبة، يُصبح الوطن بضاعة، والبضاعة لمن يملك القرار، لا لمن يحمل الهوية.

ما ينتهي إليه هذا كله هو أن مصر في عهد السيسي لا تعاني من أزمة اقتصادية، بل من شيء أعمق وأشد خطورة: تآكل مفهوم الملكية الوطنية ذاتها.

أن يشعر المواطن أن بلده يُباع فوق رأسه بينما يُطلب منه الصبر والتضحية، هذا الشعور -حين يتحوّل إلى قناعة جماعية- لا يولّد غضباً فحسب، بل يولّد شيئاً أكثر خطورة على أي نظام: اللامبالاة. وحين يصل شعب إلى درجة اللامبالاة بمصير بلاده، فذلك يعني أنه قد فقد الشعور بأن له فيها حصة. وهذا هو الإفلاس الحقيقي، لا إفلاس الميزانية، بل إفلاس الانتماء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)