لماذا لا يستقيل الوزراء في مصر؟.. حين يتحول "الكرسي" إلى "درع"

يوسف عبد اللطيف
- رئاسة الحكومة
- رئاسة الحكومة
شارك الخبر
هناك سؤال بسيط، لكنه يفضح دولة بأكملها من إجابته، ماذا يحدث حين يصطدم "كرسي" مسؤول بحكم قضائي، أو بفاتورة مواطن لم يعد قادرا على دفعها؟ في بعض الدول، الجواب جاهز ومعروف سلفا، يرحل المسؤول قبل أن يطلب منه ذلك، وفي دول أخرى، يتحول السؤال نفسه إلى تهمة، والمطالبة بالمحاسبة إلى "إساءة"، بينما يبقى صاحب القرار في موقعه وكأن شيئا لم يكن.

هذه ليست مسألة أشخاص بقدر ما هي مسألة "عقد اجتماعي" مكسور، هل المنصب أمانة تصان، أم غنيمة تحصن؟ الإجابة تحدد مصير التذاكر التي تضاعف بلا سابق إنذار، والكتب التي تنسب لغير كاتبها، والأحكام القضائية التي تنتظر عاما كاملا لتنفذ، والبرلمانات التي تصمت حين يجب أن تسأل، وقبل أن نبحث عن إجابة مصرية لهذا السؤال، يجدر أن نتذكر كيف أجاب عنه رجل واحد، في لحظة كانت فيها بلاده على حافة الفناء.

هناك جملة قالها ونستون تشرشل في ذروة الحرب العالمية الثانية، حين أغلق القضاء البريطاني مطارا حربيا لأن أزيز طائراته كان يزعج تلاميذ مدرسة مجاورة: "أهون أن نخسر الحرب من أن يخسر القضاء البريطاني هيبته"؛ لم يتحجج تشرشل بالأمن القومي، ولم يستدع "ظروف الحرب" لتعطيل حكم قضائي، ببساطة احترم الحكم، ولو كلّفه ذلك جزءا من قدرته على إدارة المعركة.

هذه الجملة وحدها تلخص الفارق بين دولة تعتبر المؤسسة أكبر من أي فرد فيها، ودولة ما زالت تتعامل مع "الكرسي" باعتباره امتيازا شخصيا لا تكليفا عاما.

وفي مصر، درس تأخر عاما كاملا، حصل أخيرا ما يشبه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فبعد عام كامل من التقاضي، أيدت محكمة النقض في السادس من تموز/يوليو 2026 الحكم الصادر ضد وزيرة الثقافة جيهان زكي بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد، فيما عرف إعلاميا بـ"قضية سرقة الكتاب". الحكم النهائي ألزمها بتعويض قدره 100 ألف جنيه وسحب كتابها المتنازع عليه من الأسواق.

وخلال 48 ساعة فقط، تقدمت الوزيرة باستقالتها، وقبلها رئيس الوزراء. هذه سابقة تستحق التوقف عندها، لكنها تكشف بقدر ما تطمئن، فالحكومة نفسها كانت قد عينت الوزيرة في شباط/فبراير 2026، وهي تعلم أن قضيتها لا تزال منظورة أمام محكمة النقض، ولم تتحرك إلا حين أصبح الحكم "نهائيا وباتّا" ولم يعد هناك مجال قانوني للمناورة.

لم تُقل الوزيرة لأن الدولة راجعت موقفها أخلاقيا، بل لأن القانون لم يترك لها مخرجا آخر، الفارق بين هذا وبين ما فعله بروفومو في بريطانيا أو غوتنبرغ في ألمانيا، أن هذين الأخيرين استقالا فور تلطخ سمعتهما، دون انتظار آخر درجة من درجات التقاضي.

بينما أغلق ملف الثقافة، فهناك الملف الذي ما زال مفتوحا، قطار الغلابة، يبقى ملف النقل نموذجا حيا لمنطق "الكرسي كامتياز لا تكليف"، فمنذ تولي الفريق كامل الوزير حقيبة النقل في آذار/مارس 2019، شهدت تذاكر قطارات الدرجة الثالثة على خطوط الضواحي، ما يعرف شعبيا بـ"قطار الغلابة"، خمس زيادات متتالية، تذكرة خط القاهرة- منوف وحدها ارتفعت من جنيهين في 2020 إلى 25 جنيها في تموز/يوليو 2026، بنسبة تفوق 1150 في المائة.

اللافت أن آخر زيادتين جاءتا خلال ثلاثة أشهر فقط، الأولى في 26 آذار/مارس 2026، والثانية في الأول من تموز/يوليو بنفس النسبة تقريبا، دون سابق إخطار حتى لموظفي التشغيل أنفسهم بحسب ما نقلته صحف مصرية، المبرر الرسمي المتكرر كان دائما واحدا، ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة وأسعار الوقود، لكن أي متابع لموازنات الهيئة يلاحظ أن حصة الفوائد والقروض من إجمالي مصروفاتها تتضخم عاما بعد عام بمعدل يفوق حصتي الأجور والوقود مجتمعتين، وهو ما يعني أن جزءا كبيرا من عبء الزيادة يذهب لخدمة الدين، لا لتحسين خدمة الراكب الذي يدفع الفاتورة من جيبه. هنا لا تكمن المشكلة في "شخص" الوزير بقدر ما تكمن في غياب أي مساءلة تلزم الوزارة بتفسير علني ومفصل لكل قرار تسعير أمام ممثلي الشعب، قبل تطبيقه لا بعده.

وهنا يبرز السؤال الأهم، وربما الأكثر إحراجا، أين كانت أدوات الرقابة البرلمانية من كل هذه الزيادات المتتالية؟ الدستور المصري يمنح مجلس النواب أدوات دقيقة لهذا الغرض بالتحديد، الاستجواب، وسحب الثقة، ولجان تقصي الحقائق، لكن هذه الأدوات نادرا ما تستخدم بجدية حين يتعلق الأمر بملفات تمس معيشة المواطن اليومية مباشرة كالتسعير والخدمات الأساسية.

المطالبة المشروعة هنا ليست بمحاكمة أحد، بل بأن يمارس النواب المنتخبون الدور الذي انتخبوا من أجله، استجواب علني لكل قرار تسعير قبل تطبيقه، وليس تعليقا عليه بعد وقوعه.

وهناك ملفات أخرى تنتظر دورها، فملف النقل ليس الوحيد الذي يستحق أن يفتح أمام الرأي العام، فهناك على الأقل ثلاثة ملفات أخرى تتكرر المطالبة بمراجعتها من نخب اقتصادية وكتّاب رأي، ليس بدافع الخصومة الشخصية، بل لأنها تمس تفاصيل معيشة المواطن يوميا.

في الملف الاقتصادي (الوزارات الاقتصادية والمالية)، استمرار الضغوط التضخمية وغلاء الأسعار، إلى جانب الاعتماد المتواصل على نهج الاقتراض وبرامج صندوق النقد الدولي، وهو ما يستنزف الطبقتين المتوسطة والفقيرة تحديدا. المطالبة هنا ليست بإسقاط شخص، بل بتحول حقيقي نحو الإنتاج وتوطين الصناعة بدلا من الاكتفاء بالحلول النقدية المؤقتة.

وفي الملف التعليمي (وزارة التربية والتعليم)، تتكرر الانتقادات لتعثر تطوير المنظومة التعليمية وضمان جودة الخدمة المقدمة للطلاب، وزارة التعليم تحديدا هي وزارة "بناء الإنسان"، وأي تعثر فيها ليس مجرد رقم في تقرير أداء، بل مؤشر خطير على مستقبل جيل كامل.

وكذلك الملف الصحي والرقابي (الصحة، القوى العاملة، التموين)، من ضعف الرقابة على الأسواق، وتفاوت مستوى الخدمة الصحية بين منطقة وأخرى، وتعثر تفعيل قوانين خدمية قائمة بالفعل (كإلزام المستشفيات الخاصة باستقبال حالات الطوارئ). كلها مؤشرات على غياب آليات محاسبة فعالة أكثر من كونها فشلا فرديا.

وملف التواصل السياسي (وزارة الشؤون النيابية والتواصل السياسي)، وزارة استحدثت خصيصا لبناء جسر بين الدولة والمجتمع، لكن كثيرين يرون أنها لم تنجح بعد في إدارة حوار سياسي حقيقي ومثمر مع الأحزاب والقوى الوطنية، فتحولت من أداة تواصل إلى عبء إداري إضافي.

والمهم هنا أن يُفهم بوضوح أن المطالبة بمراجعة هذه الملفات ليست "قائمة أسماء" يراد إسقاطها، بل مؤشر على فجوة ثقة متسعة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فحين تعجز وزارة عن تقديم حل ملموس لملف حيوي يمس الخبز والدواء والتعليم، يتحول المطلب الشعبي تلقائيا من "غيّروا الشخص" إلى "غيّروا النهج"، وأحيانا الاثنين معا.

وهناك عشرة دروس من التاريخ حول الاستقالة كفضيلة لا كهزيمة، فالعالم لم يتقدم بالصدفة، بل بضغط "معايير أخلاقية" فرضتها المجتمعات على نخبها، وتجاوبت معها النخب لأنها أدركت أن قيمة المنصب لا تستقيم إلا بطهارة شاغله؛ عشرة نماذج فقط تكفي لتوضيح الفكرة.

وأول وزير استقال هوجون بروفومو (بريطانيا، 1963)، وزير الحرب الذي استقال لا بسبب فساد مالي، بل لأنه ضلل البرلمان بشأن علاقة خاصة. الكذب على المؤسسة التشريعية وحده كان كافيا لإسقاط شرعيته.

وكذلك كارل تيودور تسو غوتنبرغ (ألمانيا، 2011)، وزير الدفاع الأكثر شعبية في ألمانيا حينها، استقال فور ثبوت انتحاله أجزاء من رسالة دكتوراة، رغم أن الأمر أكاديمي بحت لا علاقة له بعمله الوزاري.

وأنيته شافان (ألمانيا، 2013)، لحقت بغوتنبرغ بعد سحب درجتها العلمية للسبب نفسه، لتؤكد أن دولة المعرفة لا تحتمل من يخون الأمانة العلمية في قمة الهرم التعليمي.

واللورد مايكل بيتس (بريطانيا، 2018)، استقال لأنه تأخر دقيقة واحدة فقط عن الرد على سؤال في مجلس اللوردات. مثال متطرف، لكنه يجسد أن الانضباط اليومي جزء من المسؤولية، لا فقط الأخطاء الكبرى.

وبوريس جونسون (بريطانيا، 2022)، رئيس وزراء أطاحت به "فضيحة بارتي غيت" لأن من يضع قواعد الإغلاق لا يجوز أن يكون أول من يخالفها.

وتوشيكاتسو ماتسوكا (اليابان، 2007)، وزير الزراعة الياباني الذي انتهت حياته إثر تحقيقات حول نفقات مكتبه. أقصى درجات الضغط الأخلاقي حين يعتبر التفريط في المال العام عارا لا يغتفر.

وساندرا بورش (النرويج، 2024)، وزيرة التعليم العالي التي استقالت بعد ثبوت انتحال أكاديمي في أبحاثها، لأن المجتمع لم يقبل بقاء شخص "غير نزيه" في منصب يرسم سياسات الأجيال القادمة.

وإنغفيلد كيركول (النرويج، 2024)، استقالت للسبب الأكاديمي نفسه بعيد بورش، لتؤكد أن الفضيحة الفردية تتحول إلى قضية دولة حين تمس جوهر الوظيفة العامة.

وريتشارد نيكسون (أمريكا، 1974)، استقال قبل أن يُعزل بعد فضيحة ووترغيت، ليحمي مؤسسة الرئاسة نفسها من انهيار الثقة الكامل.

وويلي برانت (ألمانيا، 1974)، استقال بعد اكتشاف أن أحد مساعديه المقربين كان جاسوسا لألمانيا الشرقية، رغم أنه لم يرتكب الخيانة بنفسه، لكنه تحمل المسؤولية السياسية عن كل ما يحدث تحت سقف إدارته.

الدرس المشترك بين هذه النماذج العشرة واحد، المنصب "تكليف" لا "امتياز"، وهيبة المؤسسة تعلو دائما على شخص شاغلها، والثقة، لا الكرسي، هي رأس المال الحقيقي لأي مسؤول.

والفارق جوهري بين "التكليف" و"الامتياز"، ففي الديمقراطيات الراسخة الاستقالة ليست اعترافا بالهزيمة، بل هي "إعادة توازن" للمؤسسة، كما رأينا في النماذج العشرة أعلاه، في المقابل، يبقى النموذج السائد في منطقتنا هو ربط الاستقالة بـ"الهزيمة" أو "الاعتراف بالذنب"، ما يدفع المسؤول للتشبث بموقعه حتى آخر لحظة ممكنة، حتى لو كان بقاؤه يكلف هيبة المؤسسة التي يرأسها أكثر مما يكلفه شخصيا.

الدولة التي تريد أن تبنى على "المؤسسات" لا على "الأفراد" تحتاج إلى ثلاثة أشياء لا أكثر، فصل واضح بين المسؤولية السياسية والإدانة الجنائية، بحيث تصبح الاستقالة إجراء إداريا طبيعيا لا وصمة أبدية، برلمان يمارس أدوات المساءلة الدستورية المتاحة له فعليا لا شكليا، وإعلام وصحافة يمكنهما متابعة الأرقام والقرارات دون خوف. تجربة وزيرة الثقافة أثبتت أن القانون حين يصل إلى نهايته يمكن أن ينتج نتيجة، لكنها أثبتت أيضا أن النتيجة استغرقت عاما كاملا كان يمكن اختصاره لو كانت ثقافة "الاستقالة كفضيلة" حاضرة منذ اليوم الأول.

السؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحا على الطاولة، هل ستنتظر باقي الملفات، وعلى رأسها ملف تسعير النقل، حكما قضائيا نهائيا حتى تتحرك المساءلة السياسية؟ أم يمكن للبرلمان أن يسبق القضاء هذه المرة، ويمارس دوره الرقابي قبل أن تتحول الفاتورة إلى أزمة ثقة جديدة بين المواطن ومؤسساته؟

فلا توجد دولة تقدمت لأن حكامها كانوا معصومين من الخطأ، بل لأنهم حين أخطأوا، لم يجدوا مؤسسة تحميهم من نتيجة خطئهم، تشرشل لم يخسر الحرب حين احترم حكما قضائيا أغلق مطارا في عز المعركة، بل خرج منها أقوى، لأن شعبه أدرك أن دولته لا تنحني إلا لقانونها، أما حين يتحول "الكرسي" من أمانة مؤقتة إلى ملكية دائمة، فإن الخاسر الحقيقي ليس الوزير الذي يتشبث بمكانه، بل المواطن الذي يدفع فاتورة كل تذكرة، وكل كتاب مسروق، وكل حكم يستغرق عاما لتنفيذه، وكل سؤال برلماني لا يطرح الاستقالة.

في نهاية المطاف، هذه ليست نهاية مسيرة أحد، بل هي بداية دولة تحترم نفسها أولا، ثم يحترمها العالم من بعد ذلك. والفرق بين الدولتين ليس في القوانين المكتوبة على الورق، بل في اللحظة التي يقرر فيها مسؤول واحد أن كرامة المنصب أهم من كرامته الشخصية، وتلك اللحظة، للأسف، ما زالت في مصر استثناء ينتظر حكما نهائيا، لا قاعدة يمارسها الجميع طواعية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)