لم تكن
مباراة
مصر والأرجنتين في ثمن نهائي
كأس العالم 2026 مجرد مواجهة كروية انتهت
بإقصاء درامي للفراعنة، بل كانت المشهد الختامي لولادة جديدة، وإعادة صياغة
تاريخية لواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الكرة العربية: الكابتن حسام
حسن.
من تابع
حسام حسن في فترات سابقة، وتحديدا في بطولة كأس الأمم الأفريقية بالمغرب، ربما شعر
بالنفور من عصبيته المفرطة، أو ما بدا وقتها كـ"عنجهية واستفزاز"
للجماهير والمنافسين. لسنوات طويلة، بدا الرجل وكأنه بوق للنظام الرياضي، ويدور في
فلك المؤسسات الرسمية والمصالح الضيقة. لكن المونديال الحالي كان نقطة التحول
الحاسمة؛ حيث فهم الدرس وتغير، ليعود إلى مكانه الطبيعي: ابنا بارا للجماهير
والشعوب، ينتصر لقضاياها، ويفرح بفرحها، ويحزن بحزنها.
زيف
العدالة الدولية: المونديال بين ترامب وميسي
لقد كشف
هذا المونديال زيف شعارات
الفيفا حول "نزاهة اللعبة وتكافؤ الفرص". ففي
الوقت الذي شاهد فيه العالم تدخلا سياسيا سافرا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
لتعليق عقوبة المهاجم الأمريكي بالوغون ومجاملة الدولة المستضيفة، تعرضت مصر لـ"سرقة
تحكيمية" موجهة وفجة أمام الأرجنتين.
كشف هذا المونديال زيف شعارات الفيفا حول "نزاهة اللعبة وتكافؤ الفرص". ففي الوقت الذي شاهد فيه العالم تدخلا سياسيا سافرا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعليق عقوبة المهاجم الأمريكي بالوغون ومجاملة الدولة المستضيفة، تعرضت مصر لـ"سرقة تحكيمية" موجهة وفجة أمام الأرجنتين
ولعل
المشهد الأبرز الذي اختزل هذا الانحياز الفاضح لم يكن داخل العشب الأخضر فحسب، بل
في المنصة الشرفية؛ حيث رصدت الكاميرات رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو"
وعلامات الحزن والوجوم واضحة تماما على وجهه عندما كانت مصر متفوقة بنتيجة 2-0
ومهددة للإطاحة ببطل العالم، قبل أن تنقلب ملامحه إلى فرحة عارمة وارتياح شديد إثر
عودة الأرجنتين للمباراة. هذا التناقض في مشاعر رأس الهرم الكروي أكد أن النوايا
كانت مبيتة لحماية "المنتج التسويقي" الأكبر (ليونيل ميسي) من الخروج
المبكر، لتأمين أرباح الرعاة على حساب عرق وجهد الفراعنة.
وسط هذا
الطغيان المالي، لم يقف حسام حسن متفرجا. عندما تلاحمت ذراعاه في إشارة "X" الشهيرة ضد العنصرية في
وجه الحكم، لم يكن يدافع عن قرار كروي، بل كان يطلق صرخة كبرياء باسم قارة كاملة
ترفض العقلية الاستعلائية والاستعمارية للمؤسسات الدولية.
صرخة
غزة.. عندما تلتقي الإنسانية بالرياضة
إن عظمة
حسام حسن الجديدة لم تولد من تكتيك الملعب فحسب، بل من شجاعته الأدبية التي هزت
الضمير العالمي. في بطولة يكمم فيها الفيفا الأفواه ويحظر الشعارات السياسية
بصرامة، اختار العميد أن يحمل علم فلسطين، وأن يصرح بحرقة عن دماء أطفال غزة
المعصومة التي تُسفك أمام صمت دولي مخز.
هذه
الكلمات لمست قلوب المليارات من البشر، ليس في الوطن العربي فحسب، بل وحتى في
المجتمعات والشعوب الغربية التي نزلت للميادين لرفض الظلم. لقد تحدث حسام حسن بلغة
الإنسانية الفطرية التي لا تختلف عليها شعوب الأرض، واضعا مأساة الأطفال فوق أي
حسابات لرياضة أو عقوبات شخصية قد تفرضها عليه "سويسرا" (مقر الفيفا).
في بطولة يكمم فيها الفيفا الأفواه ويحظر الشعارات السياسية بصرامة، اختار العميد أن يحمل علم فلسطين، وأن يصرح بحرقة عن دماء أطفال غزة
دموع
شوبير واللقب الأغلى
أرقام
المباراة ستقول إن الأرجنتين تأهلت، لكن التاريخ سيذكر أن مصطفى شوبير دخل التاريخ
بتصديه لركلتي جزاء (من بينهما ركلة ميسي). والتاريخ سيذكر أن دموع شوبير الصادقة
في نهاية اللقاء كانت دموع قهر الرجال الذين قهرتهم منظومة الفيفا الفاسدة، وليست
دموع انكسار كروي.
لقد خسرت
مصر في دفاتر الفيفا وحسابات المال، لكنها كسبت المليارات من العقول والقلوب
المتعاطفة حول العالم، وفاز حسام حسن باللقب الأغلى: "مدرب الضمير الإنساني
وبطل الشعوب".
الشعوب
تملك حسا فطريا ذكيا؛ وهي دائما تسامح من يعود إلى أحضانها صادقا ومحاربا. حسام
حسن تحرر من قيود "المؤسسة القذرة" ليتحدث بنبض الشارع، وفي تلك اللحظة
التي اختار فيها الانحياز للإنسانية، دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وأجبر حتى من
اختلفوا معه يوما وقد كنتُ منهم، على أن يرفعوا له القبعة احتراما وإجلالا.
خلاصة
القول؛ خسرنا الترشح، ولكننا ربحنا حسام حسن الإنسان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.