"أعتقد أن السنغال ستفوز.. لكن أيّا تكون
النتيجة، فإن فريقا
أفريقيا سيتغلب على فريق أفريقي آخَر".
عبارة قصيرة واجه بها الرئيس السنغالي ميكروفونات
الصحافة بابتسامة ساخَرة. نكتة خفيفة لم تكن تبحث عن الضحك، بل عن تفكيك المشهد وفضح
كواليسه. ففي ملاعب الغرب، وتحت الأضواء الكاشفة التي تحرق العشب، لا تُمنح الهوية
كصك أبدي، بل هي عملة تتقلب مع كل صافرة حكم.
عندما يركض اللاعب، ويهز الشباك، وتنفجر المدرجات
بهتاف اسمه، تندفع كاميرات التلفزيون الغربي نحوه. يصبح فجأة "الفرنسي" أو
"الهولندي" ذو الأصول الأفريقية يُحتفل بعرقه وثقافته كدليل على نجاح الاندماج،
ويرفع كبطل قومي تحت المطر الذهبي للملعب.
لكن المشهد ينقلب ببرود قاتل عند أول عثرة؛
ما إن تضل قذيفته المرمى، أو يضيع ركلة جزاء، حتى يتبخر الجواز الأوروبي من الشاشات.
بنظرة واحدة غاضبة من الجمهور في الحانات، يُجرد من فرنسيته أو هولنديته، ويعود في
نظرهم مجرد "أفريقي" أو "عربي" أضاع النصر، كأن أمجاد الأمس لم
تكن سوى وهم عابر.
وفي الشوارع الخلفية البعيدة عن الملعب، يتكرر
المشهد ذاته؛ حين يتعثر شاب في أزقة الضواحي المنسية، لا يراه أحد كمواطن تعثر، بل
كمهاجر ثقيل يحمل جوازا لا يستحقه.
إنها تراجيديا الهوية المشروطة؛ الهوية هنا
ليست دما ولا ترابا، بل هي شاشة رقمية تتغير بحسب النتيجة؛ أنت ابننا طالما أن قدمك
تهز الشباك، وأنت الغريب المنبوذ بمجرد أن يدير لك الحظ ظهره.
الياسينان وقذيفة المنفى
يبدو هذا المونديال بأسره وكأنه فيلم هوليوودي زائف، أُسند دور البطولة فيه إلى راع بقر أحمق يعيث في الأرض فسادا، ثم يمضي مزهوا بما اقترفت يداه، متوهما لفرط غبائه أنه يُحسن صنعا. أو لعله أقرب إلى عرض مسرحي عبثي، أقيمت خشبته فوق ركام المدن وأشلاء الأطفال، وقدم عربونا لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو
كيف تختار فريقك حين يتمزق قلبك بين عالمين؛
عالم يمنحك النجاة، وعالم آخَر يرفض أن يمنحك حتى حق الانتماء؟ سيتلوّن الملعب في السادس
والعشرين من حزيران/ يونيو بالبرتقالي والأحمر حين تتواجه
هولندا وتونس. وتعد المباراة
بإثارة كبيرة على الورق، لولا أن المنتخب
التونسي سيدخلها مثقلا بندوب هزيمتيه الأخيرتين.
أمام السويد انهار الفريق كما ينهار بيت من ورق، واستقبلت شباكه خمسة أهداف مقابل هدف
واحد. ثقلت المهانة على القلوّب، وازدادت قسوة حين تكشفت المفارقة.
قاد تلك المذبحة الكروية شاب حمل اسما مألوفا
لكل تونسي: ياسين العياري. ارتدى القميص السويدي، لكن دما تونسيا جرى في عروقه، ونبض
في اسمه شيء من حكاية الوطن، ووقع على الفصل الأول من الهزيمة، قبل أن يعود في نهايتها
ليكتب فصلها الأخير.
وانطلقت قذيفته الأولى من مسافة بعيدة، فشقت
الهواء قبل أن تستقر في الشباك. ولم تبد تلك التسديدة مجرد هدف افتتاحي، بل بدت كأنها
الضربة التي أجهزت على آخَر ما تبقى من آمال تونس في تلك الليلة، ثم لاذ بالصمت. لم
يركض، ولم يصرخ، ولم يرفع قبضته احتفالا. اكتفى بالوقوف ساكنا، فيما تكفلت لوحة النتيجة
بالكلام نيابة عنه.
ففي بعض اللحظات، أفصح الصمت عما تعجز عنه
الخطب الطويلة، وروت تلك الوقفة الصامتة حكاية الأوطان التي يخسرها أبناؤها مرتين.
وفي تلك الليلة، غزت شاشات الهواتف صورة ساخرة اختزلت المشهد كله وبدت وكأنها كُتبت بيد القدر؛ رأس المعارض والمنفي التونسي ياسين العياري، الذي يلاحق السلطة بأسئلته من باريس، وقد استقر بإتقان على جسد اللاعب السويدي لحظة تسديده تلك القذيفة البعيدة نحو الشباك. رجلان، واسم واحد؛ أطلق أحدهما الكلمات من منفاه، فيما أطلق الآخَر كرة من نار فوق العشب، لتتلقى السلطة في تونس ضربة موجعة على جبهتين حملتا الاسم نفسه.
وهكذا، تلقى النظام التونسي في ليلة واحدة
ضربتين بالاسم ذاته؛ واحدة من وراء شاشة، وأخرى من وراء خط المنتصف.
الكاوبوي ومسرح الأشلاء
بينما لم يجف بعد حبر ما يسمى باتفاق السلام
بين واشنطن وطهران، كانت حافلة المنتخب الإيراني تشق طرقات أمريكا تحت سماء سياسية
داكنة، كأنها تحمل عبء نزاع لم تصنعه. أوقعتهم القرعة في مجموعة تضم بلجيكا ومصر ونيوزيلندا،
لكن المباراة الحقيقية لم تكن ضد أي من هذه المنتخبات؛ بل كانت ضد الأبواب المغلقة،
والقرارات البيروقراطية، والحسابات السياسية التي تسللت إلى غرفة الملابس قبل أن تصل
إلى المدرجات.
حُجبت التأشيرات عن أفراد من طاقمهم الفني،
وأُجبر اللاعبون على إقامة معسكر معزول في المكسيك، ثم لم يُسمح لهم بعبور الحدود إلا
قبل أربع وعشرين ساعة من صافرة البداية. وكأن المطلوّب منهم أن يخوضوا بطولة عالمية
وهم يجرون خلفهم أثقال السياسة وصراعات الدول.
لست من عشاق إيران، ولا أنسى ما اقترفه نظامها
وأذرعه في أكثر من عاصمة عربية، لكن العدالة لا تفقد معناها حين يتبدل اسم الضحية فقط،
فالظلم يبقى ظلما، ولو وقع على خصم نختلف معه في كل شيء.
وهنا يبرز السؤال الذي يطارد كل من لا يزال
يؤمن بروح الرياضة: ما علاقة لاعب قضى عمره بين العشب وخطوط الملعب بجرائم الساسة ومغامراتهم؟
وما علاقة
كرة القدم أصلا بحروب النفوذ والانتقام السياسي؟ أم أن المبادئ التي يرفعها
عالم الرياضة ليست سوى شعارات موسمية ستخرج من الخزانة حين تخدم المصالح، ثم تعاد إليها
بصمت عندما تصبح عبئا على أصحابها؟
يبدو هذا المونديال بأسره وكأنه فيلم هوليوودي
زائف، أُسند دور البطولة فيه إلى راع بقر أحمق يعيث في الأرض فسادا، ثم يمضي مزهوا
بما اقترفت يداه، متوهما لفرط غبائه أنه يُحسن صنعا. أو لعله أقرب إلى عرض مسرحي عبثي، أقيمت خشبته
فوق ركام المدن وأشلاء الأطفال، وقدم عربونا لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو، الذي يواصل
إخفاء أجندته الدموية في الشرق الأوسط خلف شماعتين لا تكادان تفارقان خطابه: "معاداة
السامية" حين توجه إليه التهمة، و"حق الدفاع عن النفس" حين يُسأل عن
الدم.
وفي هذا العرض البائس لا يخرج أحد منتصرا؛
تتهاوى الدبلوّماسية الأمريكية تحت وطأة تناقضاتها، ويزداد الشعب الإيراني اختناقا
بين سندان العقوبات ومطرقة الصراعات، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي جر المنطقة
نحو مز يد من النار والرماد.
أما كرة القدم، التي يُفترض أن تكون لغة عالمية
تتجاوز الحدود والخصومات، فغالبا ما تساق إلى خشبة السياسة لتؤدي دورا لم يُكتب لها؛
ستارا يُخفي خلفه القبح، ومرآة مشروخة يعاد عبرها تلميع أصحاب النفوذ.
لكن للكرة إرادة لا يفهمها الساسة؛ قد يحتجزون
الملاعب، ويحتكرون المنابر، ويُغرقون المشهد بالشعارات، غير أنهم يعجزون عن التحكم
بما يحدث حين يبدأ اللعب.
هناك، على عشب لوس أنجلوس، لن يرسم المسار
تجار الحروب ولا مهندسو الدعاية، ستتكفل الأقدام وحدها بكتابة الحكاية. وعندما تدور
الكرة، يتقلص نفوذ السياسيين إلى حجم مقعد في المدرجات، وتستعيد الرياضة حقها في أن
تكون أكثر صدقا من كل خطبهم.
مرحبا بالنفاق.. لِمَ أنتَ "Blanc Sale" هذه الأيام؟
أتذكرون مونديال قطر؟ يومها بدا وكأن مصير
البشرية بأسره معلق على عدد أعلام قوس قزح التي سترتفع في المدرجات. قرعت وسائل الإعلام
الغربية طبول الأخلاق حتى صمّت الآذان، واندفعت تلقن العالم دروسا في الفضيلة، وتسوق
قيمها إلى قلب الصحراء كما لو أنها تحمل رسالة خلاص. وطالبت البلد المضيف بأن يعيد
تشكيل ثقافته وهويته حتى تنسجم مع النموذج الغربي الناصع الذي نصبته معيارا للكون بأسره.
وانظروا الآن إلى ملاعب الولايات المتحدة؛
يُخيّم صمت جنائزي مريب، يُمنع عشاق الكرة والصحفيون القادمون من أفريقيا والشرق الأوسط
من العبور، ويصطدمون عند الحدود بجدار بارد من التأشيرات المرفوضة والشك الممنهج، فيما
تدير الكاميرات وجهها إلى الجهة الأخرى، وتؤثر العمى على أن ترى.
مرحبا بالنفاق، هل ما زلت هنا؟
عاد عطر الياسمين يوما، وإن استعادت تونس نفسها، فسأقف على الضفة الأخرى من الحياد؛ ليس لأنني أنكر، بل لأنني أؤجل الانحياز. سأقف بين زهرة المولد وزهرة المواطنة، بين الأرض التي أنجبتني والأرض التي احتضنتني، بين الذاكرة والنجاة
دعني أسألك: أتعرف ذلك اللوّن الذي يسميه الفرنسيون
"blanc sale"، أي البياض الملطخ؟
لا بد أنك تعرفه جيدا. فلماذا تبدو اليوم أشبه به من أي وقت مضى؟ أم أن حقوق الإنسان
في عالم الرياضة ليست سوى سلعة فاخرة، لا تستخرج من الخزانة إلا حين تخدم المصلحة،
ولا يرفع لواؤها إلا حين يقتضي الأمر تزييف الحقيقة؟ عفوا.. أردت أن أقول: تلويث البياض
وتدنيسه.
بين التوليب والياسمين
تُمزق النيران عتمة الليل، غير أن جذوة أخرى
كانت تشتعل في صدري آنذاك. وقبل أن تصدم ثورات الربيع العربي العالم وتوقظه من رقاده
في مسقط رأسي سيدي بوزيد، كان غضب ثقيل كالصخر يسكنني. كنت أمقت تونس تحت حكم الديكتاتور
بن علي، وأمقت غربا كان يغسل جرائمه بماء "الولاء" بحثا عن حفنة من الاستقرار.
ويمتد أمامي ذلك البياض الملوّث ذاته؛ ذلك
الـ "blanc sale" الذي يغمض عينيه
عن القمع ما دامت مصالحه في أمان، ويدير ظهره للظلم حين يكون بعيدا عن حدوده.
منحتني هولندا ملاذا آمنا، وسكينة، ولوحة بيضاء
أبدأ عليها من جديد، لكنني كنت أشعر في داخلي بأنني طائر مكبّل؛ لم أحط على هذه الأرض
لأنني اهتديت إليها، بل لأن الريح اقتلعتني من موطني وألقت بي هنا.
ثم أشرقت ثورة الياسمين، شقت الزهور طريقها
عنوة من بين شقوق الأسفلت، وانفجر الضوء من حيث ظن الجميع أن لا شيء ينبت. فجأة، امتلأ
قلبي بحب وطنين معا: أرض الحرية المستردة، وأرض التوليب التي فتحت لي ذراعيها حين ضاقت
بي الأرض.
غير أن التاريخ يعشق السخرية، فما إن مرت سنوات
قليلة حتى اختطفت الثورة على مرأى من الجميع. زحفت الدبابة التي أوقفها الرئيس الحالي
أمام البرلمان المنتخب في الخامس والعشرين من تموز/يوليو 1202، وأطبقت أبواب القفص من جديد بصرير حديدي مدو.
ثم ارتقى الرجل فوق الدولة، وفوق الدستور، وفوق المساءلة، حتى بدا كأنه ينصب نفسه إلها
صغيرا فوق أنقاض الجمهورية. عندها ذبل الياسمين، وانطفأ الضوء، وعادت العتمة لتبسط
سلطانها من جديد.
لذلك يبدو اختياري في السادس والعشرين من
حزيران/يونيو مؤلما، لكنه واضح. في ذلك اليوم سيكون قلبي مع التوليب الهولندي؛ مع البلاد
التي منحتني حرية لم أعد أجدها في مكان آخَر.
لكن إن عاد عطر الياسمين يوما، وإن استعادت
تونس نفسها، فسأقف على الضفة الأخرى من الحياد؛ ليس لأنني أنكر، بل لأنني أؤجل الانحياز. سأقف بين زهرة المولد وزهرة المواطنة، بين
الأرض التي أنجبتني والأرض التي احتضنتني، بين الذاكرة والنجاة.
إلى ذلك الحين، أقولها بهدوء من يعرف أين يقف
قلبه: هولندا.. إلى الأمام.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.