فريق كرة
القدم لجزيرة
كوراساو المشارك في
كأس العالم، لفت الأنظار إلى بلد يجهله كثيرون،
وصارت مادة طريفة في الإعلام، وعلى ألسنة المعلقين الرياضيين، كأصغر دولة شاركت في
كأس العالم، وعدد سكانها لا يتجاوز 160 ألف نسمة، وما زالت تابعة للتاج الهولندي. وخلف
هذه المادة السطحية المتداولة، صورة لا تخطئها العين لفريق كل أعضائه من أصل
أفريقي، وخلف الصورة تاريخ مسكوت عنه.
بداية
القصة
تبدأ
القصة من
هولندا، فالزائر لهولندا لا تفوته ملاحظة وجوه سمراء جميلة، تنافس
بجمالها وجوه الهولنديين الشقراء، قد تكون الوجوه السمراء في أوروبا مظهرا عاديا
الآن، ولكن في هولندا الوضع مختلف؛ معظم تلك الوجوه قادمة من دولة سورينام،
وسورينام قصتها مرتبطة بجزيرة كوراساو.
كوراساو
احتلها الهولنديون بعد طرد الإسبان، وحولوها إلى مركزٍ لتجارة
العبيد، يستجلبهم
الهولنديون من أفريقيا، ثم يوزعونهم على مستعمراتهم في الأمريكتين.
كانت
هولندا ضمن منظومة دول
استعمارية احتكرت تجارة الرقيق، وأنشأت شركات عابرة
للقارات، ووضعت القواعد المنظِّمة للتجارة، وأصبحت أسهم تلك الشركات هي الأعلى
ربحا.
انفصلت
سورينام عن التاج الهولندي عام 1975، وفور نيلها للاستقلال هاجر ما يقرب من ثلث
سكانها إلى هولندا، ويبلغ عددهم الآن أكثر من ربع مليون شخص. أما كوراساو فمازالت
تابعة للتاج الملكي الهولندي.
البحث عن
جذور القصة
حاولت
معرفة تاريخ هولندا في الاستعباد خلال رحلاتي إليها، زرت المتحف الوطني الهولندي (Rijiks)، ولم أجد شيئا عن تاريخهم
في الاستعباد، ذهبتُ إلى "متحف البحرية الهولندية"، فوجدت الكثير عن
تاريخ هولندا، ولم أجد ذِكراً لتاريخها في تجارة العبيد، ركبتُ العبارة في اتجاه
نوردم، شمال أمستردام، حيث مبنى "This is Holland"، وحضرتُ عرضاً مرئياً عن تاريخ هولندا؛ استعرضوا أمجادهم
كقوة استعمارية، وقراصنة عظاماً يجوبون البحار، دون مشهد واحد عن تاريخهم في
الاستعباد. يفتخرون بالقرصنة، ويتسترون على تجارة العبيد.
من هولندا
إلى زنجبار
انتقلت من
هولندا، إلى زنجبار بصفتها مركز نقل العبيد من الساحل الشرقي لأفريقيا، هذه
الجزيرة التي حكمها العرب العُمانيون بعد طرد البرتغاليين.
جريمة الاسترقاق مارستها إمبراطوريات العالم القديم، وكانت ظاهرة منتشرة في المجتمعات الإنسانية شرقا وغربا. غير أننا هنا أمام حالة تشبه زعيم عصابة يحاول غسل يديه من الجريمة، وإلصاقها بصغار أتباعه من التجار المحليين
شققت
طريقي وسط الحارات الضيقة للمدينة الحجرية في مركز المدينة المدرج على قائمة
اليونيسكو للتراث العالمي، ووصلت إلى سوق العبيد الذي تحول إلى متحف ومزار سياحي،
وبعد حصولي على تذكرة الدخول، وبمجرد تجاوزي بوابة الدخول وجدت على يساري لوحة
مصورة لصبي أفريقي مكبل بالأصفاد ومكتوب تحت الصورة: "جريمة بسيطة من جرائم السيد العربي ضد صبي من العبيد"،
وبعده لوحة كبيرة مصورة وتحتها عبارة: "العرب كَوَّنوا ثروات طائلة من
التجارة في العبيد والعاج". وبجوار اللوحتين لوحة أخرى بها صورة رجل انجليزي
مكتوب تحتها: "السياسي الإنجليزي وليام ويلبرفورس قائد مكافحة استرقاق العبيد".
وفي ذات
المكان كنيسة كبيرة بناها الإنجليز، استكمالاً للحبكة الدرامية، بين مجرم عربي
يتاجر في العبيد، ورسل الرحمة الإنجليز المبعوثين لتحريرهم.
وآثار
الاستعمار ما زالت باقية في مناهج التعليم في أفريقيا، ومما سجله الدكتور عبد
الرحمن السميط -يرحمه الله- في كتابه "رحلة خير إلى أفريقيا"، وجود صورة
في مناهج الدراسة في جمهورية مالاوي، توضح سفينة عليها مئات العبيد، وكُتِب عليها:
"سفينة من سفن التجار المسلمين تنقل العبيد من مالاوي إلي بلاد العرب". ثم
رأى نفس الصورة في متحف كلية الأطباء والجراحين الملكية البريطانية في إدنبرة،
وكُتب عليها اسم السفينة البريطانية، والشركة المالكة لها، وكُتب تحتها أنها تنقل
العبيد من غرب أفريقيا إلى أمريكا.
من المشهد
إلى دلالاته
لا شك أن
جريمة الاسترقاق مارستها إمبراطوريات العالم القديم، وكانت ظاهرة منتشرة في
المجتمعات الإنسانية شرقا وغربا. غير أننا هنا أمام حالة تشبه زعيم عصابة يحاول
غسل يديه من الجريمة، وإلصاقها بصغار أتباعه من التجار المحليين.
ونحن الآن
في عصر تدفق المعلومات، يتوهم الإنسان سهولة وصوله للمعلومة، والواقع يقول: إن
المعلومات المتدفقة من وسائل التواصل، قد تصنع جدارا سميكاً يحول بين الإنسان وبين
الوصول للحقيقة، ويزيد من حاجة الإنسان لبذل مزيد من الجهد، لاختراق القشرة للوصول
إلى اللباب، واختراق السطوح للوصول إلى الأعماق.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.