وتستمر الكرة في الدوران

منجي الفرحاني
"ظلت الكرة تدور، أستمتع بالإيقاع، وبالتمريرات، وبالأمل الذي يملأ الملعب"- عربي21/ علاء اللقطة
"ظلت الكرة تدور، أستمتع بالإيقاع، وبالتمريرات، وبالأمل الذي يملأ الملعب"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
أحب مشاهدة كرة القدم، ربما هي العيد الشعبي الحقيقي الأخير المتبقي لنا؛ عيد يمنح مليارات البشر لحظات ينسون فيها أن العالم يُدار من قِبل رجال يتعاملون مع كوكبنا وكأنه مجرد كرتهم، تراهم يركلون، ويُدمرون، ويغزون، ويتملكون ويتمسكنون..

ونحن لا نملك إلا أن نشاهد بحسرة، لكن اللعبة في ذاتها تظل بريئة، تظل ملكا للشعوب. ومع ذلك، أرى وأنا أتابعها ظلال الماضي تلعب مع فنانيها على العشب.

في مباراة الكونغو والبرتغال، لم أر مجرد مباراة عادية. ما ظلت الكرة تدور، أستمتع بالإيقاع، وبالتمريرات، وبالأمل الذي يملأ الملعب. لكن في لحظات التوقِف -عند إصابة، أو رمية تماس- ينقلب الملعب فجأة إلى أرشيف تاريخي. أرى الملك ليوبولد الثاني، أرى حصص المطاط، والرهائن، والمجاعة، وسلال الأيدي المقطوعة التي كانت تُسجل في دفاتر الحسابات كأرقِام باردة.

وعندما سجلت الكونغو أول هدف لها في تاريخ كأس العالم، هتف الملعب، أما في رأسي فقد دار سؤال آخر: كم من أجداد هؤلاء اللاعبين عاشوا بيد واحدة مبتورة، فقط لأن ضابطا أوروبيا أراد أن يبرر ذخيرة رصاصه؟ الكرة تدور، لكن التاريخ يُدور معها مرغما.

ربما تستطيع الأشياء البسيطة أن تصلح ما أفسدته القرون؛ ليس بالكامل، وليس دفعة واحدة، لكنها تمنع القلوب من أن تتحول إلى حجارة، وتمنحنا سببا آخر لنؤمن بأن الإنسان أكبر من تاريخه، وأكبر من حروبه، وأكبر من أخطائه

وعندما لعبت ألمانيا ضد كوراساو، لم أرَ أيضا أحد عشر لاعبا ضد أحد عشر، فما إن تتوقِف اللعبة، حتى ينفتح أرشيف آخر وينظر في عيوننا جميعا. رأيت قبائل الهيريرو والناما وهم يطارَدون إلى صحراء أوماهيكي، رأيت المعتقلات الأولى في جزيرة شارك، والجماجم التي شُحنت إلى برلين باسم العلم. وعلى الجانب الآخر رأيت كوراساو؛ تلك الجزيرة التي ما زالت تعيش على صدى سفن العبيد، والمزارع، وشتات بشري ما زال يحاول التنفس حتى يومنا هذا.

ثم يأتي المونديال في الولايات المتحدة. على أرض كان يعيش فوقِها يوما ما عشرات الملايين من السكان الأصليين، ولم يبقَ منهم بعد قرن ونصف من وصول كريستوف كولومبس إلا القليل. أمراض، وحروب، وسلب للأراضي، وتهجير؛ كارثة ديموغرافية لا يجرؤ كثيرون على تُسميتها باسمها. واليوم عاد أحفادهم ليقولوا ببساطة إنهم ما زالوا هنا. شعب كاد أن يمحى، لكنه رفض أن يختفي. وهناك، فوق تلك الأرض تحديدا، يلعب العالم لعبته الكبرى.

فالدولة نفسها التي غزت العراق بناء على معلومات مفبركة، التي أبقت أفغانستان عشر ين عاما في أتون حرب خانقة، التي غزت بنما، وقصفت الصومال، وتخنق فنزويلا بالعقوبات، وتتسبب في عزلة إيران، وتحمي حلفاء متهمين من قِبل منظمات حقوق الإنسان بارتكاب جرائم حرب، الدولة التي تحدد، إلى حد كبير، من هو مرحب به في هذا العالم ومن ليس كذلك، هي نفسها التي ترسم الآن خطوط ملعب كرة القدم.

ومع ذلك، يحدث هناك، فوق ذلك العشب الأمريكي، شيء لا يمكن لأي قوة عظمى أن تدبره. يقف حارس الرأس الأخضر، ابن الأربعين عاما، في المرمى أمام ترسانة إسبانيا العظيمة. قبل بداية المباراة، لم يكن يعرف اسمه سوى بضعة آلاف؛ وبعد صافرة النهاية، بعد ذلك التعادل التاريخي، أصبح يعرفه الملايين. نعم، مثل هذه المعجزات تصنعها كرة القدم. إنها التمرد الأسمى للعبة: رجل من جزيرة صغيرة منسية يقف وحده في وجه قوة كروية هائلة، ثم يأسر قلوب الملايين.

أحيانا، ومن هولندا، أطالب بنيويورك مازحا، فقد كان اسمها يوما ما "نيو أمستردام" (أمستردام الجديُدة). واليانكيز؟ ذلك الاسم يعود ببساطة إلى الاسمين الهولنديين التقليديين يان وكيس. الجميع يتشبث بالتاريخ عندما يخدم مصالحه، ولا أحد يفعل ذلك عندما يبدأ التاريخ في إيقاظ الألم أو الضمير.

ثم هناك فرنسا. وأقولها غير مازج هذه المرة: لقد فازت أفريقيا بكأس العالم أكثر من مرة، لكن اسم فرنسا كان هو المحفور على الكأس؛ لأن من يتأمل صور المنتخب في 1998 و2018 يرى جذورا تمتد إلى داكار، وباماكو، وكوناكري، وياوندي. إنها نكتة ساخرة، نعم، لكنها تحمل شيئا من الحقيقة أيضا: المواريث الاستعمارية لا تختفي من التاريخ، بل قد تعود أحيانا لتسجل الأهداف.

أما هولندا فهي اليوم بلد متعدد الأعراق والثقافات. فأبناء سورينام، وكوراساو، وغانا، والرأس الأخضر، والصومال؛ يرتدون اليوم القميص البرتقالي بكل فخر. على عكس أبناء المغرب وتركيا الذين يختارون غالبا طريقهم الخاص، ورايتهم الخاصة، وقصتهم الخاصة. وليس في ذلك عيب حسب رأيي، فهم جميعا جزء من هولندا التي أراها من حولي، وهولندا التي أشعر بها في داخلي، وهولندا التي ما زلت أحاول فهمها وتظل تفاجئني.

أما عندما أستمتع ببراعات لامين يامال على أرض الملعب -وقد بلغ الآن الثامنة عشرة من عمره – أفكر أحيانا: ربما يُصلح هذا الفتى شيئا أفسده العالم على مدى قرون؛ لا بكلمات ثقيلة، بل بمراوغة بسيطة، لا باستعراض القوة، بل بخفة خالصة؛ بقدمين ترفضان الكذب. وربما لهذا السبب ما زلت أحب كرة القدم، ليس لأنها تغير العالم، بل لأنها تذكرنا بأن العالم يمكن أن يتغير.

فالأشياء الكبيرة هي التي صنعت معظم جراح التاريخ: الإمبراطوريات، والجيوش، والأساطيل، والحدود التي رسمت فوق الخرائط بمداد الدم. أما ما يُصلح بعضا من ذلك الخراب، فيأتي غالبا متنكرا في هيئة أشياء صغيرة؛ ابتسامة، مصافحة، طفلان يتبادلان الكرة في شارع ضيق، أو فتى يراوغ خصمه على عشب أخضر، فيجعل ملايين البشر يقفون معا، ولو للحظة واحدة، على الجانب نفسه من الحلم.

ربما تستطيع الأشياء البسيطة أن تصلح ما أفسدته القرون؛ ليس بالكامل، وليس دفعة واحدة، لكنها تمنع القلوب من أن تتحول إلى حجارة، وتمنحنا سببا آخر لنؤمن بأن الإنسان أكبر من تاريخه، وأكبر من حروبه، وأكبر من أخطائه.

ثم هناك تلك الخيبة الصغيرة، تلك الهزيمة القاسية (1-5) أمام السويُد، حينها بدا وكأن بلدي الأم تونس لم يعد يعرف من يكون.

علّق أحد المؤثر ين الجزائريين على وسائل التواصل الاجتماعي قِائلا: "شعب واحد، دين واحد، خمسة.. واحد". ضحكت، ليس لأن الأمر كان مضحكا، بل لأنها كانت تلك الطعنة الأخوية الحادة التي لا يمكن أن يوجهها لك إلا ابن الجيران.

هي لا تحل مشاكل الفقر، ولا تعيد الأيدي المقطوعة لأجداد الكونغوليين، ولا تمحو خطايا البنتاغون، لكنها -في لحظة مراوغة من "يامال" أو تصد من حارس عجوز- تمنح الضحايا نصرا مؤقتا، وتجبر الجلاد على التصفيق

تتوه أفكاري وتعود بي إلى غرفة طالب في بولونيا، في أوائل التسعينيات. كنت خارجا لتوي من تونس، أبحث عن نفس أوسع للحياة، وكنت أشاهد ميلان، فان باستن، وخوليت، وريكارد، ثم جورج ويّا لاحقا والذي أسر قلوب جماهير السان سيرو، ذلك الفتى القادم من شوارع مونروفيا الفقيرة، والذي أصبح اليوم رئيسا لليبيريا، ويظهر للعالم كيف يسلم رياضي حقيقي السلطة بكل هدوء واحترام.

هولندي أبيض، وهولنديان أسودان؛ ثلاثة نجوم، بثلاثة أساليب، وثلاثة عوالم في فريق واحد. في عقلي الشاب الساذج آنذاك، أصبحت تلك الصورة إشارة، لم يكن تفكيرا منطقيا، بل إحساسا خالصا، قلت لنفسي: سأذهب إلى هولندا. كنت أؤمن أن بلدا يسمح بهذا التناغم على المستطيل الأخضر لا بد أن يكون واحة من الإنسانية.

الآن أضحك على ذلك الارتباك الطفولي. إنه الجمال الخادع للعبة؛ يجعلك تصدق أن هناك، عند الأفق، مكانا آمنا يتواجد فيه شخص يشبهك. ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن حقول التوليب هنا لم تخلّق لتزرع الشوك في طريقي.

ختاما، أعتقد أن كرة القدم هي الأفيون النبيل الوحيد للشعوب المغلوبة على أمرها. هي لا تحل مشاكل الفقر، ولا تعيد الأيدي المقطوعة لأجداد الكونغوليين، ولا تمحو خطايا البنتاغون، لكنها -في لحظة مراوغة من "يامال" أو تصد من حارس عجوز- تمنح الضحايا نصرا مؤقتا، وتجبر الجلاد على التصفيق.

وتستمر الكرة في الدوران.. دائما في الدوران.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل