الأوكتاغون وقلق السيسي

سامية هاريس
"العديد من العوامل وراء التراجع الاقتصادي، بما في ذلك الإنفاق الحكومي الضخم على مشاريع واسعة النطاق مثل هذا المجمع العسكري المكلف"- الهيئة المصرية للاستعلامات
"العديد من العوامل وراء التراجع الاقتصادي، بما في ذلك الإنفاق الحكومي الضخم على مشاريع واسعة النطاق مثل هذا المجمع العسكري المكلف"- الهيئة المصرية للاستعلامات
شارك الخبر
حاول السيسي الاحتفاء بمجمع الأوكتاغون العسكري الجديد وتبريره باعتباره إنجازاً وطنياً كبيراً، ومركزاً استراتيجياً للعمليات العسكرية ومقراً للقيادة والسيطرة، من شأنه تحديث التنسيق العسكري وتوحيده في أوقات الأزمات. لكن ما لم يخبر به السيسي المصريين هو أن طبيعة الحرب تتغير بسرعة، لا سيما بعد الصراع الأمريكي الإيراني الأخير.

لقد رأينا كيف يمكن لطائرة مسيّرة، لا تكلف سوى جزء بسيط من تكلفة الأنظمة العسكرية التقليدية، أن تعطل أو تدمر أصولاً عسكرية رئيسية. كما شهدنا كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخترق أنظمة الدفاع المتطورة، وكيف يمكن لمعدات صغيرة متنقلة، يتم تشغيلها من أي مكان في العالم تقريباً، أن يكون لها تأثير أكبر من الهياكل الخرسانية الضخمة. في هذا السياق، قد يصبح مثل هذا المبنى الضخم والمكلف قديماً بسرعة.

يشبه المجمع المنطقة الخضراء في العراق ومجمع السفارة الأمريكية الضخم في بغداد، وهي منشآت أصبحت رمزاً للاحتلال والهيمنة العسكرية، ولا تزال مثيرة للجدل ومستهدفة بشدة حتى يومنا هذا. إذا كان السيسي يرغب حقاً في طمأنة المصريين، فأنا على يقين من أنه ومخططيه الاستراتيجيين قد أدركوا الآن خطأهم في الاستهانة بالشعب المصري.

إذا كان السيسي يرغب حقاً في طمأنة المصريين، فأنا على يقين من أنه ومخططيه الاستراتيجيين قد أدركوا الآن خطأهم في الاستهانة بالشعب المصري

في خطابه، ألقى السيسي باللوم في المشاكل الاقتصادية لمصر على ثورة 25 يناير، وأقر بأن الدولار الأمريكي كان يساوي ستة جنيهات مصرية في عام 2013، ثم ارتفع منذ ذلك الحين إلى حوالي خمسين جنيهاً.

يمكن لأي خبير اقتصادي تحديد العديد من العوامل وراء هذا التراجع الاقتصادي، بما في ذلك الإنفاق الحكومي الضخم على مشاريع واسعة النطاق مثل هذا المجمع العسكري المكلف، والذي أراه غير ضروري.

والحقيقة هي أن نظام السيسي قد تراكمت عليه ديون تزيد عن 440 مليار دولار. ويرى المنتقدون أن هذه الأموال قد استُخدمت لدعم النظام وتأمين الولاء السياسي بدلاً من تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة.

كما فشل السيسي في توضيح أن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي في مصر يتأثر بالمؤسسات التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية، مما يثير مخاوف بشأن الشفافية والمساءلة والمنافسة العادلة في الاقتصاد.

أي شخص تابع عن كثب تصرفات السيسي خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية قد يستنتج أنه لم يسعَ فقط إلى تحقيق مكاسب شخصية وعائلية، بل انتهج أيضاً سياسات أضعفت مصالح مصر طويلة الأجل. ويشير المعارضون إلى قضايا مثل إدارة حقوق مصر المائية، ونقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير، وبيع أو خصخصة الأصول الاستراتيجية، وتزايد نفوذ المستثمرين الأجانب في قطاعات رئيسية من الاقتصاد المصري.

والأهم من ذلك، أن السيسي وسّع النفوذ العسكري ليشمل جوانب عديدة من الحياة المصرية، بما في ذلك التعليم والمؤسسات الدينية وإدارة الأراضي. كما كوّن شبكة واسعة من الشخصيات الإعلامية والعامة التي تدعم حكومته وتدافع عنها بنشاط. في بعض النواحي، تشبه الأساليب المستخدمة لتشكيل الرأي العام التقنيات التي استخدمتها الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ.

وأخيراً، فإن خطط السيسي لإجراء انتخابات أخرى مُحكمة الرقابة، وأي محاولة لتعديل الدستور لإطالة أمد حكمه، تمثل، في نظر منتقديه، خطوة أخرى نحو الحفاظ على الهيمنة العسكرية على النظام السياسي في مصر.

أعتقد أن السيسي قلق للغاية بشأن ما يخبئه المستقبل. وفي نهاية المطاف، وحده الله وشعب مصر البالغ عددهم 120 مليون نسمة سيحددون متى وكيف ستتحقق المساءلة ويتحقق العدل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل