ليس أصعب على الإنسان من أن يفقد بيته.. إلا
أن يفقد شعوره بالأمان. فالبيت يمكن
أن يُهجر، والمدينة يمكن أن تُغادر، والوطن قد يُترك مكرهًا أو مختارًا. لكن ماذا لو اكتشفت أن الخوف أسرع منك؟
وأنك، دون أن تدري، تحزمه معك في حقائب السفر؟ بل إنه يعبر المطارات قبلك، ويتجاوز
الحدود دون أن يحتاج إلى تأشيرة، ويجلس إلى جوارك في كل منفى ظننته يومًا ملاذًا.
هنا لا يعود السؤال: أين يعيش الإنسان؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: أين ينجو
المصري الذي قرر أن يقول: لا؟
داخل حدود وطنه، يعيش وهو يلتفت حوله، يحسب
كلماته قبل أن ينطق بها، ويزن آراءه قبل أن يكتبها، لأن ثمن الاختلاف قد يصبح أكبر
من قدرة الإنسان على احتماله. وخارج حدود
وطنه، يكتشف أن المسافات ليست دائمًا ضمانًا، وأن المنفى ليس مرادفًا للأمان، وأن
جواز السفر الذي يحمل اسم مصر، وإن غادر الجسد حدودها، لا يستطيع أن يغادر ظل
الخوف الذي يلاحقه أينما ولّى وجهه.
المأساة لا تكون أبدا في أن يغادر الناس الوطن.. بل في أن الوطن هو من يغادرهم. فالوطن لا يغيب حين نبتعد عنه، وإنما يغيب حين يرحل منه الأمان. فكيف لوطنٍ أصبح الخوف عنوانه.. أن يقنع أبناءه بأنه ما زال وطنًا؟
المؤلم في الحكاية ليس أن يختلف الناس مع
السلطة؛ فالاختلاف سنة الحياة، وهو أحد أعمدة أي مجتمع حي. المؤلم أن يتحول الاختلاف نفسه إلى عبء، وأن
يصبح
الرأي تهمة، وأن يشعر البعض بأنهم مضطرون للبحث عن مكان آمن خارج حدود
الوطن.. ثم يكتشفون أن الحدود لا قيمة لها إذا كان الخوف لا يعترف بالحدود.
فما معنى المنفى إذا كان الإنسان يحمل قلقه
معه من مطار إلى مطار، ومن مدينة إلى أخرى، وكأن الأرض كلها تضيق كلما اتسعت؟
ليست القضية قضية أسماء، ولا قضية شخص
بعينه. فالأسماء تتغير، والوقائع تتبدل، لكن الشعور يبقى. إنها قضية إنسان يسأل عن أبسط حقوقه: أن
يعيش دون أن يخشى رأيًا قاله، أو كلمة كتبها، أو موقفًا تبناه.
حين يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها أن
الأمان لم يعد مرتبطًا بمكان، بل أصبح حلمًا بعيدًا.. فهنا لا تكون الأزمة أزمة
سياسة فقط، بل أزمة وطن فقد أهم ما يمنحه لأبنائه: الطمأنينة؛ ومن الطمأنينة يولد
الانتماء، فإذا ضاعت الأولى، تآكلت الثانية. فالوطن
الحقيقي ليس مجرد قطعة أرض، ولا علمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُردد، ولا أغنيات وطنية
تصدح في الساحات. الوطن هو
المكان الذي لا يخاف فيه الإنسان من أن يكون نفسه.
وحين يصبح الخوف هو الرفيق الدائم، داخل
الحدود وخارجها، فإن السؤال الذي يظل معلقًا في الهواء ليس: من التالي؟ بل: متى يعود الأمان حقًا طبيعيًا، لا امتيازًا يُمنح
للبعض ويُحرم منه آخرون؟
المأساة لا تكون أبدا في أن يغادر الناس
الوطن.. بل في أن الوطن هو من يغادرهم. فالوطن لا
يغيب حين نبتعد عنه، وإنما يغيب حين يرحل منه الأمان. فكيف لوطنٍ أصبح الخوف
عنوانه.. أن يقنع أبناءه بأنه ما زال وطنًا؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.