طريق الخروج ـ 5

حمزة زوبع
ما يطرحه الجنرال السيسي وما يقوم به فعليا هو إنشاء دولته الخاصة بعد أن أدرك أنه لا قبل له بمصر المعروفة عبر التاريخ فهي فعليا أكبر مما يتصور وأعظم من أن يلم بمشكلاتها كما زعم وهو أضعف بكثير من أن يمتلك تفكيرا سليما لحلول ولو متدرجة لمشكلاتها..
ما يطرحه الجنرال السيسي وما يقوم به فعليا هو إنشاء دولته الخاصة بعد أن أدرك أنه لا قبل له بمصر المعروفة عبر التاريخ فهي فعليا أكبر مما يتصور وأعظم من أن يلم بمشكلاتها كما زعم وهو أضعف بكثير من أن يمتلك تفكيرا سليما لحلول ولو متدرجة لمشكلاتها..
شارك الخبر
لم تصبني الدهشة وأنا أتابع مشروع مستقبل مصر ـ الذي هبط علينا من سلاح الجو في القوات المسلحة ليستولي على الأراضي الزراعية والمشاريع القائمة وينسب لنفسه استصلاحها وهي مستصلحة ومنتجة في الأساس ـ وحرص الجنرال السيسي عبر مجلس النواب على تمرير القانون الذي ينسب المشروع إليه ويضعه ضمن خزائنه كرئيس للبلاد لكي يحصل المشروع على ختم الشرعية وهي منه براء، فالمشروع هو تعبير فج عن الدولة الموازية التي يرغب السيسي في بنائها بعيدا عن الدولة المصرية الموجودة عبر آلاف السنين.

 يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة د. مصطفى كامل السيد في مقاله الممنوع من النشر في صحيفة الشروق الخاصة "الجهاز(مستقبل مصر) في صورته الجديدة سيقوم بأدوار تؤديها الوزارات القائمة، ولكنه يتفوق عليها بحكم كونه تابعًا للسيد الرئيس. دوره في استصلاح الأراضي وزراعتها تقوم به وزارة الزراعة والتي تُسمى "وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي" ولها خبرة واسعة في هذا المجال، استيراد القمح كانت تقوم به وبنجاح وزارة التضامن. أما الدعوة لأن يكون له نشاط في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقوي فيتقاطع مع اختصاصات وزارتي الري والبترول والطاقة المتجددة، واجتذاب الاستثمارات هو المهمة الموكلة لوزارة الاستثمار. فلماذا نضحي بالقدرات والخبرات والمعارف التي راكمتها الوزارات والأجهزة لصالح جهاز لم يثبت بعد أنه متخصص في قضايا التنمية المستدامة، وسيضطر حتمًا للتعويل على هذه الوزارات للقيام بمهامه؟".

لقد شاهدنا ولسوف نشاهد الكثير من العبوات السياسية والاجتماعية المفخخة والتي يتسبب فيها النظام ويسلط الضوء عليها بعض من فريق 30 يونيو الطامح لكي يكون على الأقل شريكا في الحكم بعد الإنقلاب ولكنه أدرك أن الحاكم الجنرال لا شريك له وأن بقاءه يعني زوال الآخرين.
ما يطرحه الجنرال السيسي وما يقوم به فعليا هو إنشاء دولته الخاصة بعد أن أدرك أنه لا قبل له بمصر المعروفة عبر التاريخ فهي فعليا أكبر مما يتصور وأعظم من أن يلم بمشكلاتها كما زعم وهو أضعف بكثير من أن يمتلك تفكيرا سليما لحلول ولو متدرجة لمشكلاتها، بل إنه لا يملك طريقة سليمة للتفكير من الأساس وإلا لما أنفق كل هذه المليارات على العاصمة الوهمية الجديدة والتي لا تزال عبارة عن مشروع يحتاج الى عقدين أو ثلاثة من الزمن لكي يتحول إلى حقيقة وبعد ذلك سيكتشف الجميع أنه وهم.

ونعود للسؤال الذين طرحنا إجابته في المقال السابق وهو أن طريق الخروج لن يكون عبر محاولات الترقيع أو اصلاح النظام الحالي لأن النظام غير قابل للإصلاح أساسا " أكرر ما قتله وهو أن نظام السيسي لن يتغير إلا بكسره والقضاء عليه إما بانتهاء أجله أو باقصائه بقوة الثورة أو بفعل المتغيرات الإقليمية وعدم انسجام الجنرال في منظومة ما بعد الحرب على إيران ، أما محاولات الاصلاح فالجنرال غير قابل للإصلاح".

 أما الخيار الأول فهو عبر كسر النظام وهو تفكك منظومته بسبب العداوات التي بدأت تطفو على السطح بين المجموعات المستفيدة من النظام ، فمسألة دخول الجيش على الملفات الاقتصادية والسياسية من قبلها وبهذا الحجم أفرزت أراء سياسية علنية مناهضة لهذا التوجه ولعل الإشارة إلى مقال الدكتور مصطفى كامل السيد هو عينة من تلك الأراء المهمة المخالفة والمجاهرة بالمخالفة ولعل مشروع مستقبل مصر نفسه هو أحد القنابل الموقوتة التي ستنفجر في وجه الجنرال ولو أن هناك بعض الحرية والديمرقراطية لما تم تمرير هذا المشروع من مجلس النواب، لأنه وباختصار وكما عبر أحدهم دليل على فشل نظام الحكم والحكومة ما اضطر الجنرال إلى ابتكار نظام مواز للحكومة والنظام الإداري الطبيعي للدولة ، وقد  صرح النائب والمحافظ السابق رضا عبد السلام في مناقشات مجلس النواب بأن" ورود مشروع القانون بهذه الصيغة وهذا المحتوى والشكل يعكس أمرين مهمين للغاية ، الأمر الأول هو إقرار قاطع من القائمين على إعداد هذا المشروع بأن الحكومة وأجهزة الدولة في خبر كان لما أعمل قانون بهذا الشكل وبتلك الصلاحيات وبهذا المحتوى ده معناه إننا مش شايف أجهزة دولة، وإن فيه قطاع حكومي ميت".

هذا الخيار وهو تفخيخ منظومة الحكم في الداخل يلزم لنجاحه وجود حرية تعبير ولو محدودة كما يلزمه حياد الأجهزة الامنية والعسكرية وهذا غير متوفر في الوقت الراهن .

 لقد شاهدنا ولسوف نشاهد الكثير من العبوات السياسية والاجتماعية المفخخة والتي يتسبب فيها النظام ويسلط الضوء عليها بعض من فريق 30 يونيو الطامح لكي يكون على الأقل شريكا في الحكم بعد الإنقلاب ولكنه أدرك أن الحاكم الجنرال لا شريك له وأن بقاءه يعني زوال الآخرين.

واحد من أهم الأمثلة على العبوات المفخخة أو الناسفة التي قد تتسبب في نفخيخ النظام من الداخل مسألة التوغل الإماراتي في السواحل المصرية فقد وجد المصريون أنفسهم في معضلة تاريخية غير مسبوقة حينما قاموا بشراء شاليهات على أرض مصرية و بحر مالهم من شركة إماراتية هي إعمار ثم اكتشفوا أن الشواطئ ليست لهم بل لمالك الأرض والبحر الإماراتي محمد العبار والذي قام بوضع شروط لدخول الملاك إلى الشواطئ رغم أنهم قاموا بسداد كامل القيمة ولديهم عقود ومفاتيح للشاليهات ولكن العبار الاماراتي رأى أنه هو المتحكم والمتصرف في الشزاطئ وأن العقود المبركة تثبت أحقيته في التصرف وحده في الشواطئ ومن يستخدمها !

نعم هذه هي نتيجة مباشرة لبيع الأراضي والشواطئ والمزارع والشركات المصرية للحكومة الاماراتية ، نتيجة البيع هو حرمان المصريين من استخدام شواطئهم أو مزارعهم أو مصانعهم وإن كان الأمر غير مقبول فيس بيع المصانع وطرد العاملين منها فإنه أكثر رفضا في الشواطئ لأن المصريين سيصبحون غرباء في أوطانهم وإن حملوا عقود ملكية صحيحة ، هذا النموذج هو عبوة مفخخة لابد وأن تنفجر يوما ما لأنها تمس المواطن مباشرة وتنال من قيمته حتى وإن امتلك شاليها أو شقة على الشاطئ الذي نكتشف أنه مباع وأن على المواطن أن يلجأ للقانون في الإمارات صاحبة الحق وليس مصر صاحبة الأرض أ, كانت صاحبتها يوما ما.

مثال آخر للعبوات المفخخة التي قد تنفجر ولسوف تنفجر حتما يوما ما هو شراء مصر القمح وبالعملة الصعبة ليس من أوكرانيا ولا روسيا بل من الإمارات مع العلم أن القمح مزروع في أراض مصرية ومروي بمياه مصرية ويقوم على زراعته فلاحون وعمال مصريون ومع ذلك فقد فرضت دولة الإمارات إرادتها وكلمتها على مصر في شراء القمح من شركة الطاهرة الإماراتية ، والسؤال هو : إذا كان كل شئ في زراعة القمح مصريا حتى النخاع فلماذا منحنا الإمارات أو بعنا لها المشروع لكي تبيع لنا المحصول ، أمن قلة التمويلات ، فأين ذهبت القروض المتراكبة والمتراكمة ولماذا لم نخصص قرضا منها لهذا المشروع الحيوي ؟ الأمر لا يتعلق بالمال يا سيدي بل بفرض الهيمنة الإماراتية على المشهد السياسي والاقتصادي مقابل توفير الحماية للنظام في مواجهة شعبه ، وتوفير الدعم الدولي وتلميع صورته البائسة أمام العالم.

هذان نموذجان للعبوات المفخخة التي سوف تنفجر في وجه النظام حين يصحو الشعب المصري في ظل قانون السماح للأجانب بتملك الشقق والعقارات في مصر، ساعتها لن يجد المواطن المصري شقة ليسكنها أو يؤجرها لأن المالك الأجنبي الذي يرتدي غترة وعقال سيصبح المتحكم الوحيد في سعر العقارات والإيجارات وساعتها سوف يكون الشارع هو الملاذ الأخير أمام الناس ليسكنوه وعندها سيحدث الصدام أو الانفجار.

"مصر تعيش على فوهة بركان من غضب اجتماعي موجود والحراك القادم سيفرز قادتخ الطبيعيين من باطنه ، قيادات لا نعرفها في لحظة لا يمكن تحديدها ، وهذا ليس بالضرورة أمرا سيئا".
 لاحظ أنني ذكرت نموذجين اقتصاديين أحدهما يمس عيش المواطن البسيط وخبزه وهو شراء القمح المصري من الإمارات بالعملة الصعبة والثاني حرمان الطبقة الغنية من دخول الشواطئ إلا بإذن مسبق من المالك الجديد للشواطئ وهو الإماراتي محمد العبار.

لم أتحدث عن عبوات أشد تفجيرا كما جرى قبل ثورة يناير وهي عبوة الكرامة التي ديست وتداس على يد قوى الأمن والجيش والمخابرات والبلطجية صبح مساء ، وقد كانت هذه العبوة تحديدا سببا في انفجار 25 يناير2011 واليوم يواجه الشعب مثل هذه العبوات الناسفة جدا للكرامة والحرية والإنسانية ولكن يبدو أن إعلام النظام نجح في أن يجعل الشعب أو طائفة منه يبلع هذه الأمور ويقوم بالتطبيع معها  ولو إلى حين ، أما ساعة الإنفجار فحتمية وسوف تتفاعل العبوات جميعها لتنتج قنبلة أشد فتكا وليس بالضرورة أن يكون التفجير في ميدان التحرير.

قد يجادل البعض بأن خيار الإنفجار مكلف وأن الشعب قد وصل إلى درجة الملل من فكرة الثورة التي لا تنتج حكما ثوريا وأنه بحاجة إلى ضمانات وتطمينات وتحركات على الأرض ورسائل طمأنة من النخبة السياسية المختبئة خلف عباءة السلطة.. وأقول ما قاله خالد علي المحامي اليساري المعروف في تصريح نشر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام "مصر تعيش على فوهة بركان من غضب اجتماعي موجود والحراك القادم سيفرز قادتخ الطبيعيين من باطنه ، قيادات لا نعرفها في لحظة لا يمكن تحديدها ، وهذا ليس بالضرورة أمرا سيئا".

هذا السيناريو سيحتاج إلى بعض الوقت لكنه يفتقد كما قلت إلى انصراف القوى الأمنية عن دعم الحاكم ( هذا دور المعارضة في الوقت الراهن وفيما هو قادم ) ويفتقد أيضا إلى قوى حية في الشارع المصري الذي تلقى ضربات قاسية أمنية واقتصادية وسياسية على مدار ثلاثة عشر عاما مضت وربما يكون الأمل في تململ القوى الأمنية وتصاعد وتنامي الضغط الشعبي الذي لا زلت أراه رهينة التخويف المستمر من احتمال عودة الإخوان المسلمين وهو الأمر الذي نجح الجنرال فيه وبنجاح يشهد له به.

 في المقال المقبل إن شاء الله نناقش بقية الاحتمالات ومدى نجاعتها في الخروج من الوضع الراهن وربما بأقل كلفة شعبية ممكنة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)