طريق الخروج (7)

حمزة زوبع
إكس
إكس
شارك الخبر
في ختام المقال السابق تحدثتُ عن انفجار شعبي ليس ضد السلطة مباشرة، ولكنه انفجار طبقي بين طبقات المجتمع الاجتماعية في ظل الفجوة الهائلة بين "مصر" و"إيجيبت" في كل شيء، وفي ظل محاولة النظام تحصين نفسه ورموزه بكل صور التحصين القانوني والأمني والسياسي، وهروبه بالسلطة والحكومة إلى جوف الصحراء في العاصمة المحصنة تحت الأرض، ولا ندري هل هي كذلك من فوق الأرض أم يمكن لمسيّرة مجهولة النسب أن تقصفها لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر!

في إطار تصاعد الغضب الشعبي الذي يحاول النظام تصريفه في اتجاه التلويح بحرب اجتماعية؛ هناك حادثتان مهمتان في هذا السياق، الأولى هي قرار صدر في دولة الإمارات العربية المتحدة ويقضي بإلغاء إقامة عدة آلاف (3-10 آلاف) من المصريين المقيمين هناك بدون مبرر واضح، وعادة فإن الحكومات والسلطات المسئولة عن شعبها تتفاعل مع مثل هذه التطورات التي تؤثر حتما على الوضع الاقتصادي لأسر هؤلاء الذين أُلغيت عقودهم وهم في إجازة الصيف أو قد تركوا الإمارات خوفا من الحرب، لكن حكومة الجنرالات لم تحرك ساكنا ولم تحاول إبداء التعاطف مع مواطنيها ولا السعي في حل مشكلتهم، على الرغم من أنهم هم مصدر العملة الصعبة والتي تقدر بحوالي 36 مليار دولار سنويا (تحويلات كل المصريين في الخارج).

أما الحادثة الثانية فهي موجة من المراجعات التي قام بها بعض الساسة المعارضين للإخوان وبعضهم أيد الانقلاب مثل حمدين صباحي، والبعض الآخر عمل مستشارا في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور وهو الدكتور عصام حجي؛ عالم الفضاء المعروف، وبعضهم عمل وزيرا مثل منير فخري عبد النور، الثلاثة وغيرهم رأوا أن الفض كان من الممكن أن يكون سلميا، وبعضهم أدان المجزرة وبعضهم (حمدين صباحي) لام نفسه لأن صوته كان خفيضا في رفض المجزرة وقرر أن يرفع صوته وبقوة الآن، وهو أمر مهم للغاية رغم تأخره ثلاثة عشر عاما. فما أهمية الحدثين؟

تكمن الأهمية في أن قطاعا من المصريين المقيمين في الخارج وخصوصا في الإمارات قد تجرأ على التظاهر داخل دولة الإمارات رفضا لقرارات إلغاء الإقامات، وهذه ربما تكون المرة الأولى على حد علمي التي يقوم المصريون بالتظاهر في دولة خليجية ضد قرارات تراها تلك الدول سيادية. فمن المعلوم أن المصريين لا أب لهم هناك وأن حكومات الخليج تستعين بالسفارات المصرية والقنصليات لتهديد المصريين لكفهم عن المطالبة بحقوقهم. هذا فيما يتعلق بالخبر الأول، أما ما يتعلق بالخبر الثاني فتكمن أهميته في أن بعض النخب السياسية التي أيدت الانقلاب ودعمت تفويض الجنرال بالقتل على الهوية في مجازره التي قام بها في رابعة والنهضة ومسجد رمسيس وغيرها كثير؛ قد قرروا أن ينفضوا أيديهم من الانقلاب والجنرال والسلطة رغم علمهم بأن هناك كلفة أو ثمنا ليس أقلها "تجريس" إعلام الانقلاب لهم ووصمهم بالخيانة والتبعية والعمالة للإخوان المسلمين.

التحرك العمالي من جهة والتحرك النخبوي المحدود من جهة؛ يؤشران لفكرة "مصانع الغضب" التي كان يتحدث عنها الدكتور سيف الدين عبد الفتاح في مقابلاتي العديدة معه على قناة مكملين (برنامج مع زوبع)، وهي عملية تصاعدية متدرجة لكنها مستمرة ولم تتوقف بمرور الوقت ولعلها تؤتي أُكلها.

ويبقى السؤال: كيف تؤتي أُكلها؟ هل بالثورة المستحيلة أم بالانتفاضة التي قد تجبر النظام على التراجع وتخفيف قبضته قبل أن يسقط ومعه الدولة بكاملها، أم بحرب مجتمعية ستنتهي إلى الفوضى الشاملة؟ أم ماذا؟

هنا أستحضر جزءا من مقال كتبه أستاذ الإعلام الدكتور أيمن منصور ندا موضحا بعض ما يمكن أن يحدث قريبا في هذا السياق: "خلال الفترة الماضية تلقيت على غير العادة 10 دعوات للعشاء مع سفراء دول غربية، بعض هذه الدعوات كانت بحضور قليل من السياسيين والمفكرين المصريين. والشعور العام والإيحاء الذي تولد لدي لم يكن مطمئنا، لنوعية الأسئلة وتكرار بعضها والاهتمام بالتفاصيل والرغبة في معرفة كيف يفكر الناس وكيف ترى النخب الوضع الاقتصادي والسياسي، وإلى أي مدى يستطيع المجتمع أن يتحمل المزيد. لم يقل لي أحد إن شيئا سيحدث، ولم يهمس لي سفير في أذني بموعد محدد لكنني خرجت من هذه اللقاءات بانطباع يصعب التخلص منه. هناك شيء ما مهم جدا قد يجعل نهاية أكتوبر أو شهر نوفمبر مختلفين عما قبلهما، ما هذا الشيء؟ وما طبيعته؟ لا أدري وربما يأتي أكتوبر ويمضي نوفمبر ولا يقع شيء أكثر درامية".

ثم يستطرد موضحا بشكل مقارب لما طرحته هنا في هذه السلسلة عن طبيعة التغيرات التي من الممكن أن تحدث ولخصها في أربعة تطورات:

1- أن تعلن الدولة عن مرحلة اقتصادية جديدة وحزمة أخرى من القرارات الاقتصادية الصعبة التي تواكب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي (المزيد من الصعوبات).

2- أن يصاحب هذه القرارات الاقتصادية حالة من انفتاح المجال العام المنضبط (إفراجات- تحريك محدود للحياة الحزبية- تغيرات في الإعلام)، يعني عملية ترقية أراها مرفوضة وغير كافية ومتأخرة.

3- أن يكون القلق متعلقا بما يحيط بمصر من خارجها أكثر مما يجري داخلها.

4- تغيير كبير في بنية السلطة أو قواعد اللعبة.

على أنني قرأت تصريحين آخرين لاثنين من قادة الرأي وإن اختلفت وجهة نظريهما في الإخوان المسلمين، وهما أستاذ العلوم السياسية د. مأمون فندي والدكتور عمار علي حسن. أما الدكتور فندي فقد غرد كاتبا: "ما ألاحظه في مصر اليوم ليس مجرد تراجع في الذوق أو انحطاط في الإعلام والأدب، بل عرض لأزمة أعمق في المجال العام، المطلوب ممن يقود هذه العربة (السلطة) أن يدوس على الفرامل ويتوقف قليلا، فنحن لا نسير في الاتجاه الخطأ فحسب، بل نتجه إليه بسرعة غير مسبوقة. المطلوب تغيير الاتجاه".

أما الدكتور عمار علي حسن فقد كتب يقول: "لأول مرة يشعر أهل بلد عاش آلاف السنين أنهم في خطر وجودي. ما يبعث على قدر من الاطمئنان أن الشعب المصري يعرف كيف يدافع عن وجوده وهذه خلاصة تاريخ مديد"

وأدركت وأنا أقرأ أنه برغم صعوبة تصور أننا نعيش في مرحلة تهديد الوجود، إلا أن إدراك المصريين وشعورهم بذلك هو الجزء المضيء في مصيبة التهديد الوجودي، ولكن هل يكفي الإدراك وحده لكي نبدأ رحلة الخروج؟

بكلمات أخرى، ومع تعدد السيناريوهات التي طرحتها وغيري، هل يعني هذا أننا قادرون على صياغة استراتيجية أو مشروع نعبر به فوق كل ما يجري على الوطن من تغييرات قد تكون وجودية؟ أي أننا من الممكن أن نصحو على فوضى لن تبقي لنا أرضا لنعيش فوقها ولن تمطر لنا فيها سماء فنسقى من مائها.

فماذا يتعين علينا نحن جميعا القيام به للتعامل مع تغيير قادم لا محالة، بغض النظر عن كنهه وطبيعته لكنه قادم بلا شك ولا ريب وكل المشاهدات والملاحظات والكوارث والأزمات تمهد له؟

في المقال المقبل إن شاء الله سأحاول الإجابة على سؤال ما استراتيجية الخروج التي يمكننا تبنيها، وما أدواتها الفاعلة في زمن متغير ومتغيرات متسارعة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)