في المقال السابق تحدثتُ عما ينبغي على الإخوان المسلمين فعله استعداداً
منهم للمساهمة في شق طريق الخروج، ليس من أزمتهم فحسب، بل من
أزمة مصر التي
أوقعوها فيها منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013. وتحدثت أيضاً عن ضرورة ابتعاد
الجيش عن الحياة السياسية والتدخل الاقتصادي، والاقتصار على دوره المنصوص عليه في
الدستور من حماية البلاد والحفاظ على المكتسبات الأساسية للدولة ومدنيتها،
ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد. وهي مهمة عظيمة يستحق التفرغ لها، في مقابل
التسليم بأن مصر يجب أن تحافظ على تفوقها
العسكري في منطقة ملتهبة ومستهدفة. وكل
الشواهد تشير إلى أن هدف أمريكا وإسرائيل اليوم هو إغراق المنطقة في الفوضى (غير
الخلّاقة)، وإضعاف الدول حتى تصبح "لقمة طرية" بالغزو أو التآمر عليها
وتفكيكها، كما جرى في العراق على سبيل المثال.
في مقال اليوم سنركز على ما يعرف بالقوى المدنية، وهي القوى التي لا تتبنى
أيديولوجيا أو عقيدة دينية أو سياسية، كما تحب أن تعرّف نفسها. لكنها في الواقع
تحب أن توصف بالمدنية لتنأى بنفسها عن القوى الدينية، وأعني هنا التيار الإسلامي.
وهذا من حقها، لكن الجزء الآخر من الصورة هو أن هذه القوى لا ترى المدنية إلا في
عدائها أو خصومتها مع الإسلاميين، ولا يرى بعضها في انخراط الجيش في الحياة
السياسية أي خطر، وإن أرادت الحديث فهي تساوي بين خطر الجيش وتدخلاته في الحياة
السياسية وخطر الإسلاميين. إذ يرى
التيار المدني أن كلاً من الإخوان والعسكر
تنظيمان يجيدان الحشد والتجميع، وأنهما يشبهان بعضهما البعض من حيث التزام الأفراد
بالتعليمات وعدم الخروج عليها. وهو تفسير
هذه القوى لا ترى المدنية إلا في عدائها أو خصومتها مع الإسلاميين، ولا يرى بعضها في انخراط الجيش في الحياة السياسية أي خطر، وإن أرادت الحديث فهي تساوي بين خطر الجيش وتدخلاته في الحياة السياسية وخطر الإسلاميين
خاطئ ومسيء، فالمعلوم أن جماعة الإخوان،
وإن كان يديرها تنظيم، إلا أنها ليست منشأة عسكرية، كما أنها لا تحمل ولا تملك
السلاح، علاوة على أن الإخوان ليست مؤسسة رسمية تملك المليارات من ميزانية الدولة،
كما الحال مع الجيش الذي ينفق من الميزانية دون ضابط أو رابط. فمن المعلوم أن
ميزانية الجيش لا تعرض على البرلمان إلا رقماً واحداً، وهو رقم سري لا يُعلن عنه
أبداً، كما يُحرَّم على النواب استدعاء أو استجواب وزير الدفاع أو رئيس الأركان أو
أي رتبة عسكرية أمام البرلمان.
التيار المدني في مصر، في بعض مكوناته، مضاد للتيار الديني في عمومه، سواء
كان ليبرالياً أو يسارياً، مستتراً خلف دعاوى الديمقراطية التي أعتقد أن معظم
قيادات هذا التيار تراها حكراً عليهم، ولا يجب أن يتمتع بها غيرهم من المواطنين،
خصوصاً الإسلاميين. الشاهد على ذلك ما جرى من تحالف علني بين الجيش وهذه التيارات
بعد ثورة يناير، إذ استغاثت تلك التيارات بالجيش لتقديم الدعم لها في منافسة
الإخوان حين اقترب موعد الانتخابات. وقد كنت شاهداً على تصريحات اللواء سيف اليزل،
وكان مشاركاً معي في برنامج تلفزيوني، إذ قال إن الجيش قدّم دعماً مالياً كبيراً
لتشكيل أحزاب مدنية لمواجهة الإخوان. وهذا الأمر يستحق الاعتذار، مثلما يطالب
هؤلاء الإخوان بالاعتذار عن حصولهم على الأكثرية في أول برلمان بعد الثورة، وكانوا
ضمن تحالف من قوى مختلفة.
ثمة نقطة مهمة ونحن نتحدث عن القوى المدنية المصرية، وهي أنها قوى مصرية لا
خلاف على وطنيتها. وأعتقد أيضاً أننا يجب أن نميز بين التيار المدني داخل مصر
وخارجها. فالتيار المدني في الخارج بات أكثر تحرراً من القيود التي فُرضت على
نظيره في الداخل، وقد صمد بكل قوة في وجه إغراءات وضغوط النظام لكي ينفض يده من
التوافق أو التقارب مع القوى الأخرى، وخصوصاً الإخوان في الخارج. وأنا شاهد على
محاولات كثيرة للتقارب، ربما لم تكن الظروف مؤاتية للاتفاق والتوحد بعد، لكن مع ما
يحدث حالياً في المشهد السياسي الخارجي يمكننا أن نتفاءل بشأن تحرر التيار المدني
من أفكاره التي صيغت تحت ضغط نظرية وهمية ويافطة رُفعت وهي "لا عسكر ولا
إخوان".
وهنا لا بد من الإشادة بفكرة المؤتمر الوطني الأول المزمع عقده في هولندا
قريباً، بغض النظر عن الخوض في كثير من التفاصيل التي قد تغرقنا وتعيدنا إلى نقطة
الصفر، لأنه يمثل نقطة تحرر للتيارات في الخارج نحو هدف واضح يسعى الجميع إلى
تحقيقه، وهو تخليص البلاد من حكم الجنرالات.
بعد ثلاثة عشر عاماً من الانقلاب وخروج الإخوان من المشهد، يستحق التيار
المدني أو القوى الليبرالية أو غير الدينية أن تتوقف قليلاً عن الحديث عن "سنة
حكم الإخوان" كما يقولون، ويمعنوا التفكير بجدية في مستقبل هذا التيار الذي
لا أنكر أنه يتعرض للمضايقات من الحكومة العسكرية الحالية، لكنها تُعتبر لا شيء
إذا ما قورنت بما يتعرض له الإخوان من سحل وإخفاء قسري وتعذيب وقتل وتشريد ومصادرة
مستمرة حتى يومنا هذا. لذلك فإن هذه القوى بحاجة إلى خارطة طريق للخروج والعودة
لممارسة دور قوي في إزاحة الانقلاب والانصهار في بوتقة وطنية واحدة لما بعد
الجنرال:
هذه القوى بحاجة إلى خارطة طريق للخروج والعودة لممارسة دور قوي في إزاحة الانقلاب والانصهار في بوتقة وطنية واحدة لما بعد الجنرال
1. الاعتراف
بضعف التواجد، وبالتالي ضعف التأثير في طبقات المجتمع، وإن برز لهذا التيار
متحدثون جيدون، لكنهم في مجملهم من بقايا تراث المخلوع مبارك، وهذا ما يسيء إليهم
ويجعل خياراتهم محدودة ومكروهة من الشعب.
2. الاعتراف
بعدم دقة حساباتهم حين تآمروا على الرئيس محمد مرسي، وأنه كان الأولى بهم تحمل
مصاعب ومتاعب المسار الديمقراطي حتى تنضج التجربة ويتعلم الجميع، بدلاً من الجري
خلف المدرعة العسكرية ظناً منهم أنها تدهس الإخوان فقط، واليوم تدهس العملية
السياسية بمجملها، وكل من يعترض طريقها يدفع الثمن سجناً أو إسكاتاً وحرماناً حتى
من الحق في الكلام المجرد. وهذا يعني الاعتذار عن كل حملات التشنيع والتكفير
السياسي وحملات الشيطنة التي قام ولا يزال البعض يقوم بها حتى اليوم؛ ضد الإخوان
والإسلاميين عموماً.
3. إنهاء
الخصومة مع التيارات الإسلامية بوصفها أحد أهم مكونات المجتمع المهمة والمتجذرة في
طبقات المجتمع، من قاعه إلى نخبته، فمن العمال والفلاحين والموظفين إلى الأطباء
والمهندسين والمعلمين وأساتذة الجامعات إلى رؤساء النقابات، وذلك لتفويت الفرصة
على المتربصين بالوطن، وتفويت الفرصة على الدولة العميقة التي يديرها الجنرالات في
دق المزيد من "الأسافين" بين مكونات المجتمع وطبقاته السياسية، والتفكير
في مستقبل الوطن وتقديمه على مصالح الأفراد والتيارات.
4. تقديم
رؤية سياسية لا تصطدم مع إرث الشعب المصري وما يعتقده تجاه ثورة يناير2011، وأن
يكون التركيز على الفكرة المشتركة التي كانت شعارا لها "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"،
وهي أفكار لا تتفق مع الرأسمالية الغربية، وأرى أن المناسب هو الترويج لأفكار
الرأسمالية غير الغربية، لأننا نشاهد الآثار الكارثية لهذه الرأسمالية على طبقات
المجتمع الدنيا، وكيف أن اتباع روشتة البنك الدولي ووصفات صندوق النقد الدولي قد
أورث البلاد الهلاك والتراجع وأفقر الشعب بدرجة غير مسبوقة. وهنا أعني أن
الرأسمالية الوطنية قد يكون لها دور عظيم في إنقاذ اقتصاد البلاد، بدلاً من التوحش
الرأسمالي الحالي بالتحالف مع مشاريع الجيش التي ثبت أن الفساد يضرب فيها، وأن
المستفيد الأكبر هم رجال أعمال النظام ونخبة الجنرالات المتغلغلة في المشاريع
الاقتصادية التي يديرها الجيش.
5. عدم
الاستعانة بالقوى الخارجية في مواجهة التيار الإسلامي، لأن ذلك يُفسَّر مباشرة
بالتآمر على الدين عبر ما يسمى بـ"تجديد الخطاب الديني"، والذي هو في
الحقيقة "تبديد للخطاب" وليس تجديداً له.
6. عدم تصدير
الرموز والشخصيات التي رحبت بالمجازر وأعمال العنف التي قام بها الجيش والشرطة،
والشماتة في الإسلاميين والنيل منهم على مدار الفترات السابقة.
7. يتعين على
قادة هذا التيار تبني الدعوة إلى المصالحة المجتمعية اليوم وليس غداً. وهنا لا
أعني بين الجنرال السيسي وبقية التيارات المعارضة للانقلاب، بل أعني بين التيارات
والطوائف التي تأثرت بالحرب الإعلامية القذرة على الإسلاميين. وأن دعوة للصلح
المجتمعي اليوم سيحصد المجتمع ثمارها غداً وبعد غد حين يزول النظام الحالي.
8. الارتفاع
بمستوى المواجهة السياسية في الداخل، وعدم التبرؤ مما يقوم به بعض رموز التيار
المدني في الخارج، وعدم الاكتفاء بالمشاهدة لما يقوم به التيار المدني في الخارج،
رغم الكلفة الكبيرة بل والعظيمة التي يتحملها كل من يرفع لواء التغيير من خارج
مصر.
9. توضيح
موقف هذا التيار من الدين والعقيدة، وأحقية التيار الديني أو من يمثله من الأحزاب
التي قد تنشأ في المستقبل (بعيداً عن الجماعات) في المنافسة السياسية، باعتبار أن
ذلك حق كفله الدستور.
10. دعوة
الجيش المصري، وبصراحة، إلى الابتعاد كلياً عن المجال السياسي، وتقديم خريطة تخارج
اقتصادي للجيش، بالتعاون مع كافة التيارات، من الحياة العامة والاقتصاد المصري
الذي عانى ويعاني الأمرّين بسبب الإدارة الفاشلة للمؤسسة العسكرية الحالية.
نلتقي مع مقال آخر في هذه السلسلة لنناقش فيه دور المجتمع المدني في رسم
طريق الخروج إن شاء الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.