الثنائية التي لا يريدون كسرها في مصر

محمد زويل
"السؤال لا يخص الإسلاميين وحدهم ولا المدنيين وحدهم ولا المؤسسة العسكرية وحدها.. إنه سؤال يخص مصر كلها"- الأناضول
"السؤال لا يخص الإسلاميين وحدهم ولا المدنيين وحدهم ولا المؤسسة العسكرية وحدها.. إنه سؤال يخص مصر كلها"- الأناضول
شارك الخبر
اختزال الحياة السياسية المصرية في ثنائية "العسكر والإخوان" لا يفسر الواقع وحده، وإن التيار المدني/العلماني لا يستطيع أن يعلن رفض الثنائية من دون أن يطرح مشروعاً سياسياً واجتماعياً قادراً على بناء قاعدة شعبية حقيقية.

هناك عبارة تتكرر كثيراً في الخطاب السياسي المصري: "يجب أن نتخلص من ثنائية العسكر والإخوان". وهي في ظاهرها عبارة جذابة؛ فمن الطبيعي أن يتطلع أي مجتمع إلى حياة سياسية أوسع من الاستقطاب بين قوتين كبيرتين، وأن يسعى إلى تعددية حقيقية تتسع لمختلف التيارات والاتجاهات. لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو: كيف؟

إذا كان أصحاب هذه الدعوة يرون أن الثنائية هي أصل المشكلة، فلماذا لم يستطيعوا طوال عقود من الحضور الفكري والإعلامي أن يحولوها إلى ثلاثية أو رباعية أو تعددية سياسية حقيقية؟ فلماذا ظل حضورهم في كثير من الأحيان أقوى في الصحافة والفضائيات ومواقع التواصل منه في الشارع والمؤسسات والنقابات والانتخابات والعمل المجتمعي؟

هذه ليست إدانة لفكرة الدولة المدنية اطلاقا ولا انتقاصاً من حق أي تيار في العمل السياسي وإنما هي مطالبة له بأن يجيب عن السؤال الأصعب: أين القوة الاجتماعية والسياسية التي ستحمل مشروعه؟

لا تُكسر الثنائية بالشكوى منها!!
المشكلة الأعمق هي أن مصر لم تنجح حتى الآن في بناء نظام سياسي تعددي مستقر؛ يجعل تداول السلطة ممكناً ويضمن المنافسة السياسية ويحمي الحريات العامة ويتيح للأحزاب أن تعمل بصورة حقيقية ويجعل الانتخابات وسيلة فعلية لاختيار ممثلي الشعب

السياسة ليست مقالات فقط وليست أمنيات وليست تكراراً لعبارة "نحن البديل"؛ البديل الحقيقي يُبنى.. يُبنى بالناس وبالتنظيم وبالثقة وبالعمل العام وبالقدرة على الوصول إلى القرى والمدن والجامعات والنقابات والمجتمع المدني، وبامتلاك خطاب يستطيع أن يقنع المواطن العادي بأن هذا المشروع يعبر عن مصالحه وهواجسه وهويته ومستقبله. أما أن يظل تيار ما يعلن أنه البديل ثم يكتشف في كل مرة أنه عاجز عن تحويل حضوره الفكري إلى قوة سياسية واجتماعية فالمشكلة عندئذ ليست في "الثنائية" وحدها، وإنما في عجزه عن إنتاج البديل.

لماذا يظل العسكر والإخوان حاضرين؟

لأن السياسة لا تمنح النفوذ لمن يملك الخطاب الأفضل وإنما لمن يملك القدرة على التنظيم والتجذر الاجتماعي واستمرار الحضور.. فالمؤسسة العسكرية في مصر ليست مجرد فاعل سياسي عابر، إنها مؤسسة دولة ذات تاريخ طويل وبنية تنظيمية وإمكانات هائلة، وأُرهق الشعب إرهاقا اقتصاديا شديدا حتى يصل لتلك المكانة. وتظل مسألة الموقع في المجال السياسي والمدني واحدة من أعقد قضايا الدولة المصرية الحديثة.

وفي المقابل، لا يمكن فهم حضور جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري من دون إدراك امتدادها التاريخي والتنظيمي والاجتماعي وما راكمته عبر عقود من شبكات العمل والدعوة والخدمات والعلاقات المجتمعية.

وسواء اتفقنا مع أي منهما أو اختلفنا، فإن النفوذ السياسي والاجتماعي لا يُبنى بالكتابة عنه وإنما بالوجود داخل المجتمع. وهنا تحديداً ينبغي أن يتعلم التيار المدني من الواقع بدل أن يكتفي بالغضب منه.

القضية ليست قضية "عسكر أم إخوان"

هنا يجب تصحيح جزء مهم من الصورة، فالمشكلة المصرية ليست أن الشعب محكوم عليه بالاختيار الأبدي بين قوتين؛ المشكلة الأعمق هي أن مصر لم تنجح حتى الآن في بناء نظام سياسي تعددي مستقر؛ يجعل تداول السلطة ممكناً ويضمن المنافسة السياسية ويحمي الحريات العامة ويتيح للأحزاب أن تعمل بصورة حقيقية ويجعل الانتخابات وسيلة فعلية لاختيار ممثلي الشعب.. ومن هذه الزاوية يصبح الصراع الحقيقي أوسع من مجرد "العسكر والإخوان"، إنه صراع حول سؤال جوهري: هل تكون الدولة المصرية دولة مواطنين ومؤسسات وقانون وتعددية سياسية، أم تظل الحياة السياسية محكومة بمنطق القوة والإقصاء والاستقطاب؟

وهذا السؤال لا يخص الإسلاميين وحدهم ولا المدنيين وحدهم ولا المؤسسة العسكرية وحدها.. إنه سؤال يخص مصر كلها.

العدالة والحريات ليست ملكاً لتيار

من حق التيار الإسلامي أن يقول إن الاستبداد أضر به، ومن حق التيارات المدنية أن تقول إنها تعرضت للإقصاء، ومن حق أي مصري أن يطالب بالحرية والعدالة وسيادة القانون، لكن الخطأ أن يتحول الدفاع عن الحرية إلى ملكية سياسية للحرية. فالحرية ليست إسلامية ولا علمانية، والعدالة ليست إخوانية ولا عسكرية ولا ليبرالية، وسيادة القانون ليست مشروع فصيل؛ هذه قيم وطنية عامة، وإذا أردنا دولة مستقرة فعلينا أن ندافع عنها حتى عندما يستفيد منها خصومنا السياسيون.

أزمة التيار المدني

إذا أراد التيار العلماني أو المدني أن يكسر الثنائية فليس أمامه إلا طريق واحد "أن يصبح قوة اجتماعية وسياسية حقيقية". ليس المطلوب أن يشكل قوة موازية للجيش ولا أن يغير هوية المجتمع ولا أن يدخل في معركة صفرية مع التيار الإسلامي؛ المطلوب أن يقدم مشروعاً مصرياً يستطيع أن يعيش في المجتمع المصري كما هو لا كما يتمنى أن يكون، مشروعاً يحترم هوية المجتمع ويحمي حرية الاعتقاد ويضمن حقوق المواطنة ويؤمن بالتعددية ويرفض الاستبداد ويقبل التداول السلمي للسلطة، ويضع
إذا كان التيار المدني يريد التخلص من ثنائية "العسكر والإخوان"، فليبدأ بالسؤال عن نفسه: ماذا قدم للمجتمع؟ أين تنظيمه؟ أين قواعده؟ أين مشروعه؟ أين قدرته على المنافسة؟ وأين المواطن الذي يثق به ويمنحه صوته؟
المؤسسة العسكرية في موقعها الدستوري ويمنح الأحزاب فرصة حقيقية للتنافس.. عندها فقط يمكن أن نقول إننا كسرنا الثنائية. أما أن نطالب بكسرها بينما لا نملك مشروعاً جماهيرياً ولا تنظيماً سياسياً قادراً على المنافسة فهذه ليست سياسة، إنها رغبة في تغيير المشهد دون امتلاك القوة اللازمة لتغييره.

مصر لا تحتاج إلى إلغاء أحد

مصر لن تخرج من أزمتها بإلغاء الإسلاميين كما أنها لن تخرج منها بإلغاء المدنيين، ولن تخرج منها بتحويل الجيش إلى خصم سياسي دائم ولا بتحويل أي تيار إلى ممثل حصري للشعب..مصر تحتاج إلى قواعد جديدة للعبة السياسية، قواعد تمنع احتكار السلطة وتحمي المعارضة وتضمن استقلال المؤسسات، وتفتح المجال العام وتسمح للأحزاب بالنمو الطبيعي وتجعل صندوق الانتخابات حكماً حقيقياً بين البرامج والمشروعات. وعندها يمكن أن تظهر "الثالثة" و"الرابعة" و"الخامسة" دون أن نحتاج إلى استدعائها في المقالات كل يوم.

إذا كان التيار المدني يريد التخلص من ثنائية "العسكر والإخوان"، فليبدأ بالسؤال عن نفسه: ماذا قدم للمجتمع؟ أين تنظيمه؟ أين قواعده؟ أين مشروعه؟ أين قدرته على المنافسة؟ وأين المواطن الذي يثق به ويمنحه صوته؟

فلا يكفي أن تقول إن الثنائية سيئة؛ عليك أن تبني البديل، ولا يكفي أن تنتقد قوتين لهما جذور اجتماعية ومؤسسية وتنظيمية؛ عليك أن تملك أنت أيضاً جذوراً في المجتمع. أما مصر فلا تحتاج إلى استبدال هيمنة بهيمنة ولا إلى إقصاء فصيل بفصيل، وإنما تحتاج إلى دولة تتسع للجميع، وقانون يحكم الجميع، وانتخابات يختار فيها الشعب من يشاء، وحريات لا تُمنح لفريق وتُحرم عن آخر.

وهنا فقط تنتهي الثنائية فعلاً.. لا عندما نكتب عنها، وإنما عندما نبني مجتمعاً سياسياً لا يحتاج إليها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)