هل أصبحت المصالحة بين الدولة والإخوان خياراً استراتيجياً؟

أمية يوسف حسن أبو فداية
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
منذ أحداث 3 تموز/يوليو 2013 وما تبعها من تطورات سياسية وأمنية، تعيش الساحة المصرية حالة من الاستقطاب الحاد بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، رافقتها مواجهات أمنية وإعلامية وقضائية امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً. وبعد مرور هذه الفترة، يفرض سؤال استراتيجي نفسه بعيداً عن الانحيازات السياسية أو تقييم الماضي، وهو: هل يخدم استمرار حالة القطيعة والصراع المفتوح مصالح الدولة المصرية أو مصالح جماعة الإخوان المسلمين، أم أن البحث عن مقاربة مختلفة أصبح أكثر توافقاً مع متطلبات الاستقرار الوطني؟

تشير خبرات العديد من الدول إلى أن الصراعات الداخلية طويلة الأمد نادراً ما تفرز منتصراً مطلقاً، بل تفرض على جميع الأطراف أثماناً سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية متزايدة، وكلما طال أمد النزاع ارتفعت كلفة إدارته، وتراجعت فرص الوصول إلى تسويات مستقرة. ولذلك فإن تقييم أي صراع ينبغي أن ينطلق من ميزان المصالح الوطنية العليا، لا من منطق الغلبة أو الرغبة في الحسم الكامل.

ولا يزال آلاف المعتقلين منذ عام 2013، من مختلف الأعمار والتخصصات، يقضون سنوات طويلة داخل السجون، بينما اضطر آلاف آخرون إلى مغادرة البلاد والاستقرار في الخارج. كما تأثرت مؤسسات خيرية واجتماعية عديدة بعد توقف نشاطها أو مصادرة أصولها، الأمر الذي انعكس على الخدمات التي كانت تقدمها لفئات من الأسر محدودة الدخل في مجالات الرعاية الصحية والاجتماعية والمساعدات الإنسانية، إضافة إلى انكماش النشاط النقابي والسياسي الذي كان يمثل أحد مكونات المجال العام.

فتح مسارات جديدة تخفف من حدة الاستقطاب وتدعم التماسك المجتمعي، بعيداً عن منطق الصراع الصفري الذي أثبتت تجارب كثيرة أنه يطيل الأزمات أكثر مما ينهيها

ويؤكد التاريخ السياسي المصري أن العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان لم تكن ثابتة على نمط واحد، فمنذ تأسيس الجماعة عام 1928 مرت العلاقة بمراحل من التقارب وأخرى من الصدام. في عهد الرئيس أنور السادات (1970-1981) أُتيحت للجماعة مساحة للعمل الدعوي والاجتماعي والسياسي وفق ضوابط الدولة، واستمر هذا الإطار بدرجات متفاوتة خلال عهد الرئيس محمد حسني مبارك (1981-2011)، حيث شاركت الجماعة في الانتخابات البرلمانية، وكان أبرز حضور لها في انتخابات 2005، كما نشطت في العمل النقابي والخيري ضمن الحدود التي رسمتها مؤسسات الدولة. ويرى عدد من الباحثين أن تلك المرحلة أسهمت بدرجات متفاوتة في احتواء بعض مظاهر التطرف والعنف من خلال فتح مساحات للمشاركة المجتمعية.

كما تقدم التجربة السودانية نموذجاً آخر؛ إذ انتقلت العلاقة بين الرئيس جعفر محمد نميري والدكتور حسن الترابي من القطيعة إلى التعاون السياسي عقب المصالحة الوطنية عام 1977، ثم توسعت المشاركة الإسلامية في مؤسسات الدولة وفق الشروط التي حددتها السلطة آنذاك. وتوضح هذه التجربة أن التحولات في علاقة الأنظمة بالحركات السياسية ليست أمراً استثنائياً، وإنما تخضع في النهاية لموازين القوى والمصلحة الوطنية ومتطلبات كل مرحلة.

ولا يعني الحديث عن المصالحة إسقاط أحكام القانون أو تجاوز حقوق الدولة أو المجتمع، وإنما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت إدارة الخلاف بالحوار والتسويات السياسية، في الوقت المناسب، قد تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار من استمرار المواجهة المفتوحة. فالدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بقدرتها على إدارة الاختلاف بأقل تكلفة ممكنة، وبما يحفظ وحدة المجتمع ويعزز مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، قد يرى البعض أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، بوصفه رئيساً للدولة المصرية ومؤسساتها، يمتلك من الموقع الدستوري والسياسي ما يتيح له، إذا رأى أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، فتح مسارات جديدة تخفف من حدة الاستقطاب وتدعم التماسك المجتمعي، بعيداً عن منطق الصراع الصفري الذي أثبتت تجارب كثيرة أنه يطيل الأزمات أكثر مما ينهيها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)