قبل أيام، أرسلتُ إلى زوجتي منشورًا على «إنستغرام» — وهي أوسعُ منصّات التواصل انتشارًا بين النساء في
تركيا — يحمل إعلانًا لرئاسة إحدى البلديات بدا أقربَ إلى الخيال منه إلى السياسة: سيارةٌ كهربائية «توج» محلّية الصنع، تُهدى كاملةً لكلّ أسرةٍ تُنجب عشرة أطفال؛ ووظيفةٌ ثابتة في البلدية لمن تُنجب ثمانية؛ ومنحٌ نقدية تتصاعد مع كلّ مولودٍ جديد. ولم يكن ذلك دعايةً تجارية، بل نداءَ نفير.
الإعلان صدر عن بلدية «كُمرو» في ولاية أوردو، تحت شعارٍ يختصر المعركة كلَّها: «أسرةٌ كبيرة، تركيا قوية». رئيس البلدية يوسف يالتشُوَا لم يُخفِ الدافع؛ فبلدتُه التي كان يقطنها 33 ألفًا تقلّصت إلى 28 ألفًا، فقرّر المجلسُ البلديُّ (في الرابع من آيار/ مايو 2026) أن يدفع لكلّ أسرةٍ خمسين ألف ليرة عن الطفل الثالث، ومئةً عن الرابع، ومئةً وخمسين عن الخامس، ومئتين عن السادس، فثلاثمئة ألفٍ ووظيفةً عن الثامن، وسيارةً جديدة يُسلّمها بيده عن العاشر. وفي تلك البلدة الصغيرة، تقدّم رجلٌ ينتظر مولودَه الثامن فعُيِّن في البلدية، وراح آخرُ — أبٌ لستّةٍ — يُقنع زوجته ببلوغ العشرة كي تركن سيّارةُ الأمّة أمام بيتهما.
وفي بيتي، تتقاضى زوجتي مكافأةً شهرية قدرها خمسةُ آلاف ليرة، ضمن برنامجٍ حكوميٍّ يشجّع النساء على
الإنجاب. تأمّلتُ المشهد طويلًا: دولةٌ بأكملها تتوسّل إلى أبنائها أن يُنجبوا، وتُغريهم بالمال والسيارات والوظائف — لا لأنها تستهين بمواردها، بل لأنها رأت الهاوية واقتربت من حافّتها. هذا ليس سخاءً عابرًا؛ إنه تعبئةُ أمّةٍ في زمن حرب. الحربُ التي وصفها أردوغان بأنها «خطرٌ وجوديّ» يتهدّد بقاء الأمّة التركية في غضون عقود. الحربُ التي أُسمّيها، بلا مواربة: الحربَ الديموغرافية.
ثمّة حروبٌ تُخاض بالمدافع، وأخرى تُخاض بالأرحام. الأولى تُحصى ضحاياها في ساعات، والثانية لا يظهر أثرُها إلا بعد أجيال — حين تستيقظ الأمّةُ فتجد نفسها وقد شاخت وتقلّصت، وفقدت لا قدرتَها على التقدّم فحسب، بل قدرتَها على البقاء. ولأنّ هذه الحرب صامتةٌ بلا أزيز رصاص، فإنّ خطرَها أعظم؛ إذ يُهزَم فيها المرءُ وهو يظنّ أنه يمارس «حرّيته».
اظهار أخبار متعلقة
إنّ الانحسار المتسارع في معدلات المواليد عبر العالم — وفي عالمنا العربي والإسلامي خاصة — ليس قدرًا طبيعيًّا محايدًا، بل هو في جانبٍ منه حصيلةُ حربٍ هادئة تُشَنّ بالقِيَم والقوانين والتمويل، وبإعادة تعريف الأسرة والأمومة، تحت رايةٍ برّاقة عنوانها «تنظيم الأسرة» و«تمكين المرأة». وأمامنا حالتان تقفان على طرفَي خندقٍ واحد: تركيا التي سمّت المعركة وقرّرت أن تقاومها بحزمةٍ من الإجراءات، ومصر التي انخرطت في الجبهة المقابلة — عن قناعةٍ أو عن استيرادٍ للنموذج — فصارت أداتُها تعمل، في المحصّلة، ضدّ مصلحة شعبها البعيدة. ومن إسطنبول إلى القاهرة، تُروى قصّةُ كيف تُدار ديموغرافيا الأمم: لا بالأرقام وحدها، بل بالأفكار و السرديات والإرادة.
قبل وصف المعركة، لا بدّ من تشريح السلاح والتعرف عليه . فعقيدة «فرط السكان» ليست كشفًا علميًّا محايدًا وُلد اليوم؛ إنها مشروعٌ أيديولوجيٌّ عابرٌ للحدود تبلور في القرن العشرين بتمويلٍ غربيٍّ كثيف — مؤسسات فورد وروكفلر ومجلس السكان (Population Council) والوكالة الأمريكية للتنمية (USAID) — واستهدف خصوبةَ شعوب الجنوب العالمي على وجه الخصوص، انطلاقًا من «نظرية الندرة» وهلعٍ مالتوسيٍّ من أن «تبتلع» كثرةُ الفقراء مواردَ الكوكب.
يرى بعض الباحثين منهم ناجي محمد الهتاش فى كتابه السياسة الدولية وزيادة السكان: بين نبوءة مالثوس القديمة وحلول المالثوسيين الجدد أن تأخر تدخل مجلس الأمن والقوى الكبرى لوقف الحروب في دول العالم الثالث يعكس سياسة تخدم مصالح الدول الكبرى، مستشهدين بتأخر إنهاء الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأهلية في الكونغو بعد سقوط أعداد هائلة من الضحايا.
كما يشيرون إلى أن التدخلات العسكرية الأمريكية، ومنها الحرب على العراق، أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة. ويربط هؤلاء بين هذه السياسات وبين مخاوف غربية من النمو السكاني في الدول النامية، ما دفع إلى دعم برامج الحد من النسل للحفاظ على المصالح الاقتصادية والموارد الطبيعية. كما ينتقدون رفض الولايات المتحدة الالتزام ببعض الاتفاقيات البيئية الدولية. وتذهب بعض الأطروحات إلى أبعد من ذلك، إذ تطرح فرضيات مثيرة للجدل حول استخدام الأوبئة والفيروسات كوسيلة للحد من النمو السكاني، مستندة إلى مزاعم غير محسومة بشأن منشأ بعض الأمراض وانتشارها.
وقد وثّق المؤرّخ ماثيو كونلي في كتابه المرجعي «وَهْمٌ قاتل: الصراع من أجل ضبط سكان العالم» (Fatal Misconception, 2008) كيف انزلقت هذه الحركة من شعار «الصحة الإنجابية» إلى الإكراه الصريح، وكيف كانت لها جذورٌ تحسينية (eugenic) لا تُخفي ازدراءها لخصوبة «غير المرغوبين». أمّا عالم الأنثروبولوجيا محمود ممداني، الذي يُعد من أبرز الباحثين في دراسات الاستعمار وما بعد الاستعمار والسياسة الإفريقية. في اطروحته «أسطورة ضبط السكان» (1972)، فقلب المعادلة رأسًا على عقب حين أثبت أنّ كثرة الإنجاب لدى فقراء الريف كانت سلوكًا اقتصاديًّا عقلانيًّا لا مرضًا يُعالَج؛ وأنّ أيديولوجيا ضبط السكان أساءت تشخيصَ الفقر، فجعلته مشكلةً في بطون الفقراء لا في فساد الإدارة واختلال موازين الثروة وانعدام العدالة.
ويرى أن التركيز على ضبط السكان يُستخدم أحيانًا لصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للفقر، مثل: الاستغلال الاقتصادي وعدم المساواة. و الإرث الاستعماري. و سوء توزيع الثروة والموارد. والعلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بين الدول الغنية والفقيرة. ويجادل ممداني بأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي الطريق الأجدى لمعالجة المشكلات السكانية، وليس فرض سياسات للحد من الإنجاب.
وفى هذا الاطار فند الاب هنرى بولاد اليسوعي في كتابه أسطورة التضخم السكاني الذي كتبه بمناسبة مؤتمر القاهرة للسكان مزاعم ارتباط الفقر بالزيادة السكانية.
اظهار أخبار متعلقة
و حملاتُ التعقيم القسري في الهند إبّان حالة الطوارئ (1975–1977) التي طالت ملايين تحت الضغط والإغراء، والإجهاضُ والتعقيمُ القسريان في سياسة الطفل الواحد الصينية، بما خلّفته من اختلالٍ مروّعٍ في نسبة الجنسين وشيخوخةٍ تنهش اليوم أكبرَ اقتصادات آسيا. هذا هو السلاح في صورته الفجّة. أمّا في صورته الناعمة المعاصرة، فقد انتقل من المشرط إلى الشاشة والمنهج والخطاب: ترويجُ نمط حياةٍ يؤجّل الزواج؛ بل ويُحاط الزواجُ — حين يقع — بمنظومةٍ من القوانين والأعراف تجعله فخا و مخاطرةً محسوبةً بالخسارة لا شراكةً للبناء، فيتردّد الشبابُ في الإقدام عليه، وتتسارع حالاتُ الانفصال، فيتقلّص الزواجُ ومعه يتقلّص النسل. ويُغذّى ذلك بثقافةٍ تُصوّر الطفل عبئًا والأمومةَ قيدًا، تحت لافتتَي «الحرية» و«الحقوق». ومن امتلك هذا التشخيص، فهِم لماذا يصرّ بعضُ القادة على أنّ ما يجري ليس مصادفةً عابرة، بل هجومٌ مُمنهج.
تقف تركيا اليوم على حافّة الهاوية التي حذّرت منها حكومةُ العدالة والتنمية قبل عقدين. فقد تراجع معدل خصوبتها الكلي من 2.38 طفلٍ لكلّ امرأة في 2001 إلى 1.51 في 2023 ثمّ 1.48 في 2024 وأخيرًا نحو 1.42 في 2025، أي دون مستوى الإحلال (2.1) الذي لم تبلغه منذ 2016 (TÜİK، 2026). غير أنّ ما يميّز الحالة التركية ليس الرقم وحده، بل أنّ قيادتها سمّت المعركة باسمها، ورفضت أن تستسلم. ومن هنا وُلدت مشاهدُ كالتي رأيتُها في «كُمرو»: بلدياتٌ تُحوّل ميزانيّاتها إلى ذخيرةٍ في معركة.
وفي المنتدى الدولي للأسرة بإسطنبول (مايو 2025)، لم يكتفِ الرئيس رجب طيب أردوغان بالأرقام، بل قدّم — بنصِّه التركي — ما يكاد يكون إعلانًا صريحًا بأنّنا في حربٍ حقيقية:
«أوساطٌ معلومة مارست طوال سنواتٍ طويلة الدعوةَ إلى سياسات ضبط السكان وتنظيم الأسرة. ومنذ ستينيات القرن الماضي طُبِّقت سياساتٌ مماثلة في بلدنا كما في مناطق كثيرة من العالم. والإجهاضُ — وهو في جوهره جريمةٌ خارج الضرورات الطبية — جرى تبريئُه وتطبيعُه على يد الأوساط نفسها. وهكذا اختلّ توازننا الديموغرافي للأسف، ونحن اليوم نواجه النتائج المؤلمة لسياساتٍ خبيثة النيّة.»
— أردوغان، المنتدى الدولي للأسرة، إسطنبول، 23 مايو 2025 (نصٌّ تركيّ، عبر Gazete Oksijen وT24)
ويُجهض الذريعة الاقتصادية سلفًا: «هبط معدل الخصوبة للمرة الأولى في تاريخنا إلى 1.48؛ إنها كارثة… وحين نقول هذا يسارع بعضُهم إلى قول ‹الاقتصاد›، والمعارضة خاصةً تستغلّ هذه المسألة. إنّ تراجع المواليد لا علاقة له بالمشكلات الاقتصادية الدورية»، مذكّرًا بأنّ الناس أنجبوا أكثرَ حين كان دخلُ الفرد خُمسَ مستواه الحالي. وفي تأطيرٍ حضاريٍّ جامعٍ يلامس القلب قبل العقل، يقول:
«لا تُقاس قوةُ الأمة بقدرة جيشها وحده، ولا بحجم اقتصادها أو تقدّم تقنيتها؛ إنّ قوة الأمة كامنةٌ في الأبناء الذين يكبرون في المهود، وفي القيم التي تنتقل من جيلٍ إلى جيل»، و«إنّ العقلية التي ترى في الطفل عبئًا على الأسرة، وفي السكان عبئًا على الدولة، قد أفلست تمامًا».— أردوغان، برنامج «عقد الأسرة والسكان 2026–2035» — رئاسة الجمهورية التركية
و لم يبقَ الخطاب حبيسَ المنابر، بل صار سلاحًا يُشهَر. أعلن أردوغان 2025 «عام الأسرة»، ثمّ الفترة 2026–2035 «عقد الأسرة والسكان». وبمرسومٍ رئاسيٍّ (ديسمبر 2024) أُنشئ «معهد الأسرة» و«مجلس السياسات السكانية» لتوحيد جهود الوزارات في جبهةٍ واحدة. وعلى الصعيد الاقتصادي، أُطلق قرضُ الزواج بلا فائدة (نحو 150,000 ليرة) ومدفوعاتُ الولادة التصاعدية عبر «صندوق الأسرة والشباب» — وما واقعةُ «كُمرو» إلا صدًى محليٌّ لهذا النفير. وعلى صعيد الصحة الإنجابية، قيّدت أنقرة الولاداتِ القيصرية الاختيارية في المراكز الخاصة (أبريل 2025) ضمن حملة «الولادة الطبيعية».
والأهمّ رمزيًّا أنّها انسحبت من «اتفاقية إسطنبول» (2021) — التي كانت أوّلَ الموقّعين عليها — بوصفها، في نظر السلطة، رأسَ جسرٍ لِما تسمّيه «أيديولوجيا الجندر» الوافدة. هكذا تقدّم تركيا نفسها أمّةً لم تكتفِ بتشخيص «الحرب»، بل حفرت خنادقَ مقاومتها على جبهاتٍ متعددة.
ولم تمرّ هذه المواجهة بلا ثمن؛ فقد جُوبهت إجراءاتُ أنقرة بهجومٍ ضارٍّ من جماعات الضغط المنحازة ثقافيًّا للغرب في الداخل، ومن الأمم المتحدة وشبكاتٍ دولية في الخارج، ترفع لواءَ «الحقوق» في وجه كلّ محاولةٍ لرأب الصدع الديموغرافي. والمقصود هنا توصيفُ الموقع لا تزكيةُ كلّ إجراء: تركيا في موضع المقاوِم الذي يسمّي خصمه ويواجهه.
إذا كانت تركيا قد اختارت موقع المقاوِم، فإنّ
مصر — أكبر دولة عربية سكانًا — اختارت، أو أُدخِلت، الموقعَ النقيض. فمنذ منتصف القرن العشرين تبنّت الدولةُ المصرية النموذجَ الأمميَّ–الغربيَّ لـ«ضبط السكان» بدعمٍ مباشرٍ من مجلس السكان ومؤسسة فورد والوكالة الأمريكية، وبَنَت عليه جهازًا كاملًا ما زال يعمل. واليوم تبلغ هذه المقاربة ذروتها في خطابٍ رسميٍّ يَعُدّ كثرةَ المصريين — لا سوءَ إدارة مواردهم — أصلَ البلاء، فيُحارِب الشعبَ في أخصب ما يملك: قدرتِه على التجدّد.
حين يُساوي
السيسي المولودَ بالإرهابي يقوم الخطاب المصري على معادلةٍ صادمة كرّرها السيسي منذ 2017؛ فحين سُئل عن فرض عقوبات، أجاب: «النمو السكاني أراه أحد التحديات الكبيرة، ولا يقلّ عن تحدّي الإرهاب لأنه أحد روافده؛ فحالة الفقر المدقع تدفع الناس إلى التشدّد والتطرّف، وعلينا الاعتراف بهذا.»— السيسي، ردًّا على سؤالٍ تلفزيوني، مايو 2017 — CNN بالعربية.
بهذا التأطير، يُنقَل المولودُ الجديد من خانة «الثروة» إلى خانة «التهديد الأمني»، ويُربَط مباشرةً بانهيار الدولة؛ بل عزا خروجَ الناس في ٢٥ يناير 2011 إلى الزيادة السكانية ذاتها: «النمو السكاني الذي هو فوق طاقة البلد… يؤدي إلى تدمير الدولة، أو كاد أن يؤدي إلى تدمير الدولة في 2011» — و«الزيادة السكانية الكبيرة أحد أسباب خروج الناس في 2011».— السيسي، 2021 و2023 — «المرصد المصري» و«اليوم السابع».
وفي المؤتمر العالمي للسكان (2023) بلغ التأطيرُ التقييدي مداه حيث أبدى «عدم الموافقة على الحرية المطلقة في الإنجاب»، وحدّد الهدف صراحةً ببلوغ «400 ألف مولودٍ سنويًّا» نزولًا من نحو مليونين. ومن المفارقات العجيبة أن يستشهد السيسي بـ«نجاح» التجربة الصينية منذ 1968، متجاهلًا أنّ الصين نفسها تعيش اليوم كابوسَ تلك السياسة: شيخوخةٌ متسارعة وانكماشٌ سكانيّ دفعها إلى خطّة طوارئ لتشجيع الإنجاب وعكس ما فعلته. أي إنّ القاهرة تتبنّى اليوم الدواءَ الذي تَفِرّ منه بكينُ مذعورة.
وعلى الأرض، تَرجمت الدولةُ ذلك إلى جهازٍ متكامل: حملة «اتنين كفاية» (2018) التي استهدفت أكثرَ من مليون أسرةٍ فقيرة بزياراتٍ منزلية، و«مشروع خط الإنقاذ» (2017) الذي صُمِّم لخفض الخصوبة بزعم توفير نحو 200 مليار جنيه، و«الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية 2023–2030». بل كشفت تقاريرُ صحافية ودراساتٌ موثّقة عن حملةٍ غير معلَنة لتركيب «اللولب» للسيدات أثناء الولادة، عدّها نقّادٌ انتهاكًا صريحًا للاستقلالية الجسدية — وهي اللحظة التي ينزلق فيها «التوعويُّ» إلى القسر الصامت.
حين يُلقى الوزرُ على أرحام الفقراء — وهنا يحقّ الاستنكار فالأنكى من الإكراه أنّ هذا الخطاب يقلب آيةَ السبب والنتيجة: فيُحمّل أرحامَ الفقراء وزرَ الفقر — بل ووزرَ الإرهاب — بدلًا من أن يُحمّله الفسادَ وسوءَ التوزيع وعجزَ التنمية واحتكارَ الثروة. وليس مصادفةً أنّ حملة «اتنين كفاية» صُوِّبت تحديدًا إلى الأسر الفقيرة، حيث تَطرق ما تسمى بالرائدات أبوابَها في الريف لإقناع نسائها بالكفّ عن الإنجاب؛ فالوصفة مُفصَّلةٌ على مقاس الفقراء وحدهم، وكأنّ كثرةَ أبنائهم — لا بؤسَ أحوالهم — هي أصلُ الداء. وهي المغالطةُ المالتوسية عينُها التي فنّدها ممداني، وغيره والوجهُ المحليُّ لهذه الحرب: أن يُطلَب من الفقير أن يكفّ عن التكاثر، بدل أن يُنتَشل من فقره.
اظهار أخبار متعلقة
وتبلغ المفارقةُ ذروتَها حين نتأمّل حالَ الواعظ نفسه. فالرجل الذي يُنذر الفقراءَ بأنّ «طفلين يكفيان»، وأنّ فائضَ النسل «رافدٌ للإرهاب»، نشأ هو ذاته في أسرةٍ كبيرة تضمّ نحو ثلاثة عشر أخًا وأختًا (من زواجَين لوالده سعيد حسين السيسي)، وأنجب من زوجته انتصار عامر أربعةَ أبناء — أي ضِعفَ ما يصفه لرعيّته. فالقاعدةُ للمحكومين، والاستثناءُ له. وليس مكمنُ الاستنكار أنّ في كثرة الولد عيبًا — فهي في ميزاني نعمةٌ لا نقمة — بل أنّ الخطاب يُجرّم على الفقير ما يستبيحه القائلُ به لنفسه، ويُحيل قرارًا حميمًا في غرفة النوم إلى قضيّةِ «أمنٍ قوميّ» والعلاقة الجنسية الى عملية ارهابية ما دام الفاعل فقيرًا. وهكذا تبدو مصر منخرطةً في حربٍ على مهدها هي، تُديرها ضدّ مستقبل شعبها الديموغرافي.
ومن المفارقات الكاشفة أنّ المؤسسة الدينية في مصر (الأزهر ودار الإفتاء) جُنِّدت لتسويغ «تنظيم الأسرة» وتسويقه مباحًا في المطلق — على النقيض تمامًا من تركيا حيث يُجنَّد الدين لتشجيع الإنجاب؛ ما يكشف أنّ «الديموغرافيا» ليست معطًى تقنيًّا محايدًا، بل ميدانٌ تتقاطع فيه السياسةُ والدينُ والهوية، وتُوظَّف فيه النصوصُ في الاتجاهين بحسب وجهة السلطة وتوجّهاتها.
لا يجادل أحدَ في كرامة المرأة وحقّها في التعليم والعمل والصحة؛ فهذه قضايا عادلة يدعمها كلُّ من يعرف قدر الأسرة قبل غيره. لكنّ الفارق الجوهري بين الدفاع الصادق عن المرأة، وبين توظيف هذا الدفاع خطَّ إمدادٍ في حربٍ ديموغرافية، هو لبّ المسألة. فحين يُعاد تعريفُ الأمومة بوصفها قيدًا، والطفلِ بوصفه كُلفةً، والأسرةِ بوصفها خيارًا فائضًا، ثمّ يُصدَّر هذا النموذج إلى مجتمعاتنا غير الغربية، فإنّ أثره — أيًّا كانت النيّة — هو إفراغُ المهد وتأجيلُ الزواج وكبحُ النسل.
وهذا تحديدًا ما عناه أردوغان حين تحدّث عن «أوساطٍ معلومة» طبّعت الإجهاض و«قلبت التوازن الديموغرافي»، وما يجسّده موقفُه القديم (2014): «دور المرأة في المقام الأول هو الأمومة… والنسوية لا تقبل الأمومة» (وقد قال في السياق نفسه عبارتَه: «لا يمكن أن تتساوى المرأة بالرجل، فهذا مخالفٌ للفطرة»).
الانكماشُ هو الهزيمةُ الكبرى قد يقال: وما الضير في أمّةٍ أقلّ عددًا و أرفهَ حالًا؟ تُجيب الأرقامُ بقسوةٍ لا ترحم. فكوريا الجنوبية، التي أنفقت نحو 270 مليار دولار منذ 2006 على تشجيع الإنجاب، هبطت خصوبتها إلى 0.72 — الأدنى في تاريخ البشرية — ولم يُجدِ المالُ نفعًا حاسمًا؛ وأوروبا تشيخ وتنكمش، واليابان تتقلّص، والصين — النموذج المثالي لدى السيسي — دخلت عصرَ التراجع. ويحذّر الديموغرافيون (لوتز وزملاؤه) من «مصيدة الخصوبة المنخفضة»: فحين تهبط الخصوبة دون 1.5 ويترسّخ تصوّرُ الطفل عبئًا، يصير التعافي شِبهَ مستحيل، إذ يتحوّل الأمرُ من سياسةٍ إلى ثقافةٍ راسخة، ومن قرارٍ إلى قَدَر.
وهنا تكمن الخطورة التي تجعل هذه الحرب أخطرَ من أيّ غزوٍ أو احتلال: فالزيادة السكانية مشكلةٌ يمكن إدارتها بالتنمية وحُسن التوزيع وتحويل الشباب إلى «عائدٍ ديموغرافي»؛ أمّا الانكماش فمسارٌ يكاد لا يُعكَس، يأكل قاعدة العمل والإبداع والإعالة معًا، ويفكّك عقد التضامن بين الأجيال، ويُسلّم الأمّةَ شائخةً عاجزةً إلى من هم أكثرُ عددًا وأشدُّ فتوّة. وبهذا المعنى، فإنّ عبارة أردوغان عن «القوة الكامنة في المهود» ليست حنينًا عاطفيًّا، بل تشخيصٌ استراتيجيٌّ بارد: الأمّةُ التي تكفّ عن إنجاب نفسها، تكفّ — ببساطةٍ موجعة — عن الوجود.
ولستُ أزعم أنّ خلف كلّ هذا غرفةَ عملياتٍ واحدة تُدير المؤامرة بأزرارها؛ فالأمتنُ أن تُقرأ «الحرب الديموغرافية» بوصفها وصفًا لمفعولٍ متراكم — نموذجٌ ثقافيٌّ–سياسيٌّ يُفضي إلى تجفيف النسل — لا إثباتًا لتدبيرٍ مركزيّ.
أعود مشهد سيّارةٍ تنتظر مولودًا عاشرًا في بلدةٍ تركية صغيرة. قد يبدو المشهدُ طريفًا، لكنه في عمقه نبيلٌ ومؤلم: أمّةٌ أدركت أنّ أغلى ما تملكه ليس نفطَها ولا سلاحَها، بل ضحكةَ طفلٍ في مهد، فقرّرت أن تقاتل من أجلها. إنّ أخطرَ الحروب أهدؤها؛ والأمّةُ التي تُقنَع بأنّ أبناءها عبءٌ تكون قد رفعت رايةَ الاستسلام قبل أن تُطلَق رصاصة. تركيا، على ما في إجراءاتها من ثغرات، اختارت أن تقاوم. ومصر انخرطت في نموذجٍ يستهدف خصوبةَ الفقراء بدل أن يستهدف فقرهم، فعملت أداتُها — في المحصّلة — ضدّ مصلحة شعبها البعيدة.
لكنّ أمننةَ الإنجاب، واعتبارَ ولادة طفلٍ ما يشبه عمليةً إرهابية، ليست حلًّا؛ الحلُّ في اقتصادٍ وثقافةٍ يجعلان الأسرة ممكنةً ومُكرَّمة، ويَعُدّان الطفل — كما اقتبس أردوغان من ثقافته — «نشوةَ البيت»، ويَعُدّان المواطنَ ثروةَ الأمّة لا عبئَها؛ حلٌّ يدافع عن كرامة المرأة لا بإفراغ المهد، بل بإسناد من يملؤونه طوعًا واقتدارًا. إنّ استعادة المهد ليست دعوةً إلى الماضي، بل شرطُ بقاءٍ في المستقبل. والأمم التي تُدركه سترث القرن؛ أمّا التي تُصرّ على عدّ شعوبها عبئًا، فقد تُفيق يومًا على عددٍ أقلَّ من أن يُعَدّ.
عودة الى السبب الذي جعل زوجتى تهتم بمشاركة اعلان البلدية هو أنه تصادف ذلك مع كتابتى لورقة بحثية ضمن مؤتمر"الأسرة حصن المجتمع" الذي ينظمه الاتحاد بعنوان الحرب الدیمغرافیة: الهجوم الاستراتيجي للغرب على الأسرة والنمو السكاني - دراسة نقدية وحرصها على مبادلة الافكار والتي كان من أهمها التأكد من اننى لن اكتب أو أقترح فى الدراسة أن من بين حلول المشكلة الديمغرافية الزواج بالثانية أو تعدد الزوجات وتلك معركة فى الحقيقة علينا الاعتراف بالهزيمة فيها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.