بعد
قرابة ألف عام من تقرير الإمام أبي حامد
الغزالي حقيقةَ أن
الشمس لها دورة حياة
مثل الإنسان، عبر جهد عقلي علمي فلسفي مستند إلى معرفة إسلامية مرتبطة بمصدرها
الأول: الوحي، استطعتُ بكل أريحية وبساطة أن أضيف إلى أحد الهوامش في مقالة علمية
رابطَ تغريدةٍ منشورةٍ بتاريخ كانون الثاني/ يناير 2018 على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر/إكس"، من الحساب الرسمي لوكالة الفضاء الأمريكية "
ناسا".
وبشكل مختصر، قالت: "مثل البشر، تفقد شمسنا كتلتها مع تقدم عمرها، مما يضعف
جاذبيتها. لدراسة ديناميكيات نجمنا الشيخوخي، قام باحثو ناسا بتجنيد عطارد، أصغر
وأقرب كواكب النظام الشمسي إلى الشمس". وأُرفق المنشور برابط لمقالة تشرح هذا الكشف العلمي.
لم
تكن الأجرام السماوية، في نظر فلاسفة الإسلام المتأثرين بأرسطو وبالإرث اليوناني،
من جنس الأجسام التي نعرفها على الأرض. فالفارابي وابن سينا ميّزا بوضوح بين
عالمين: عالم سفلي، هو عالم "الكون والفساد"، مركب من العناصر الأربعة: الأرض،
والماء، والهواء، والنار؛ تحكمه الاستحالة والتغير والفناء؛ وعالم علوي، هو عالم
الأفلاك والكواكب والنجوم، مصنوع -في تصورهم- من جوهر خامس مغاير كل المغايرة
لعناصر الأرض، لا يقبل الكون ولا الفساد، وحركته الدائرية أزلية أبدية، لا بداية
لها ولا نهاية. الشمس، في هذا التصور، لم تكن جرماً يشيخ أو يتغير أو ينفد وقوده،
بل كانت رمزاً للثبات المطلق، جزءاً من نظام كوني لا يعرف الاهتراء الذي يعرفه كل
ما هو أرضي.
حُجّة الغزالي، في جوهرها، بسيطة وعميقة معاً: كل ما سوى الله ممكن الوجود، لا واجبُه، والممكن لا يلزم من تصوره وجوبُ بقائه على حال واحدة إلى الأبد. فحين يقول الفلاسفة إن السماء لم تتغير منذ عرفناها، فهم يصفون واقعاً مشاهَداً في مدة محدودة من الزمن، لا يثبتون استحالةً عقليةً للتغير
هذه
الدعوى -أزلية الأجرام السماوية وأبديتها معاً- لم تمرّ عند الغزالي مرور الكرام.
فقد خصّص لها مبحثين متتاليين من أهم مباحث "تهافت الفلاسفة": الأول
لنقض القول بأن العالم بأسره، وفي مقدمته السماء، قديم لا بداية له؛ والثاني، وهو
امتداد مباشر للأول، لنقض القول بأنه أبدي لا نهاية له ولا فساد يعتريه. ولم يكن
اعتراضه فلكياً بطبيعة الحال، إذ لم تكن أدوات عصره تسمح بذلك، بل كان اعتراضاً في
صميم المنطق ونظرية المعرفة.
حُجّة
الغزالي، في جوهرها، بسيطة وعميقة معاً: كل ما سوى الله ممكن الوجود، لا واجبُه،
والممكن لا يلزم من تصوره وجوبُ بقائه على حال واحدة إلى الأبد. فحين يقول
الفلاسفة إن السماء لم تتغير منذ عرفناها، فهم يصفون واقعاً مشاهَداً في مدة
محدودة من الزمن، لا يثبتون استحالةً عقليةً للتغير. والفارق بين الأمرين جوهري:
أن نراقب انتظاماً، فذلك شيء؛ وأن نبرهن على أن هذا الانتظام ضرورة عقلية لا يتصور
تخلّفها، فذلك شيء آخر تماماً.
هذه
القاعدة نفسها هي التي بنى عليها لاحقاً نقده الأشهر للسببية الضرورية، كما سنوضحه
في مقالة لاحقة، حيث رفض أن يتحول اقتران النار بالاحتراق من عادة مطّردة إلى رباط
عقلي حتمي. وبما أن الله قادر على كل ممكن، فلا يمتنع عقلاً أن يُحدِث في السماء
ما لم تعهده، أو أن يُفنيها كما أوجدها؛ فالقول بامتناع ذلك ليس إلا تحديداً لقدرة
الخالق بغير برهان.
هذه
المسافة النظرية بين "ما نلاحظه فنعتاد عليه" و"ما نبرهن عليه عقلاً"
هي عينها المسافة التي ردمها العلم الحديث، لا بالفلسفة هذه المرة، بل بالرصد
المباشر. فالنجوم -والشمس واحدة منها- ليست ذلك الجوهر الثابت الذي تصوره القدماء،
بل أجسام تُولد وتنمو وتستهلك وقودها وتتحول، تماماً كما يتحول أي جسم أرضي. تفقد
الشمس كتلتها تدريجياً كلما تقدم بها العمر، وهذا ما يجعلها، فيزيائياً، أقرب إلى
الكائن الذي يشيخ منها إلى الجوهر الأزلي الذي تخيّله فلاسفة اليونان و ورثه عنهم
فلاسفة الإسلام.
ولستُ
أنزلق إلى مبالغة، ولا أقول إن الغزالي "تنبأ" بفيزياء النجوم أو توصّل
إلى نظرية علمية في التطور النجمي، فهذا تحميل لنصه أكثر مما يحتمل، ويسيء إلى
الفكرة أكثر مما يخدمها. بل أود أن أقول إن الغزالي أنكر، قبل قرابة عشرة قرون
وبأدوات عقلية بحتة، أن يكون ثبات السماء وأبديتها حقيقة برهانية قاطعة، وأثبت أن
تغيّرها ممكن عقلاً ما دام ممكن الوجود لا واجبه.
وحين
يأتي العلم الحديث، بعد قرون طويلة، ليقرر أن الشمس فعلاً تفقد كتلتها وتتقدم في
عمرها نحو نهاية حتمية، فإن ما يثبته ليس تفصيلاً كان الغزالي قد سبق إليه، بل
الاتجاه العام الذي دافع عنه: أن لا شيء في هذا الكون، مهما بدا ثابتاً، واجب
الثبات بذاته.
وهذا
وحده كافٍ ليكون شاهداً على أن معركة الغزالي مع الفلاسفة لم تكن معركة جهل ضد
علم، بل كانت -كما في كثير من مواقفه الأخرى- معركة عقل ناقد ضد يقين لم يكن، في
حقيقته، إلا افتراضاً لم يُبرهن عليه قط. بل إننا الآن دخلنا في عصر مفارقة اليقين
إلى الاحتمال مع فيزياء الكم. وهذه الأفكار التي بدت في زمنها جدلاً كلامياً تكتسب
اليوم وزناً أكبر، فالفيزياء الحديثة تجاوزت الصورة الكلاسيكية لكونٍ- آلةٍ
حتميٍّ، يمكن التنبؤ بمستقبله كاملاً لو عرفنا قوانينه وشروطه الابتدائية.
وميكانيكا الكم فتحت الباب أمام الاحتمال وعدم اليقين بوصفهما سمة أصيلة في وصف
الطبيعة على المستوى الدقيق، لا نقصاً مؤقتاً في معرفتنا.
وعلى
الرغم من ذلك، فإنه في أغلب ما يُكتب عن أبي حامد الغزالي اليوم، تتكرر الصورة
نفسها: الرجل الذي أغلق باب
الفلسفة في وجه العقل المسلم، وحوّل مسار الحضارة
الإسلامية نحو التقليد بدل الاجتهاد. صورة مريحة، متداولة، لكنها -إذا تأملناها عن
قرب- صورة مختزلة لا تفي بحق واحد من أعقد العقول التي أنجبها التاريخ الإسلامي
والإنساني.
المعركة الحقيقية للغزالي لم تكن مع العقل، بل مع ما يمكن تسميته "تأليه العقل"؛ أي تحويل الاستدلال الفلسفي من أداة للبحث إلى سلطة مطلقة تُصدر أحكاماً نهائية في مسائل الغيب والخلق والإرادة الإلهية
فالرجل
الذي يُتَّهَم بمعاداة الفلسفة، كان قبل أن يهاجمها قد أتقنها. لم يكتب الغزالي عن
الفلاسفة من الخارج، بل غاص في متنهم حتى النخاع: شرح آراءهم في "مقاصد
الفلاسفة" بدقة لم يبلغها كثير من أنصارهم، قبل أن يقلب عليهم السلاح نفسه في
"تهافت الفلاسفة". هذه التفصيلة وحدها تكفي لتفنيد الصورة الشائعة.
المعركة
الحقيقية للغزالي لم تكن مع العقل، بل مع ما يمكن تسميته "تأليه العقل"؛
أي تحويل الاستدلال الفلسفي من أداة للبحث إلى سلطة مطلقة تُصدر أحكاماً نهائية في
مسائل الغيب والخلق والإرادة الإلهية.
لم
يكن اعتراضه، وفق قوله، على علم الحساب أو الطب أو المنطق، بل على دعاوى
ميتافيزيقية بعينها: أزلية العالم، وإنكار البعث الجسدي، والقول إن علم الله لا
يتعلق بالجزئيات.
خلال
هذه المعركة، التي لا يزال الغزالي يسجل فيها انتصارات وأهدافاً في مرمى الخصم،
وتنحاز إليه الفلسفة الحديثة بعد هذه القرون الطويلة، كان الركن الشديد الذي يرتكن
إليه هو الوحي؛ الذي أخبره أن الله سبحانه هو الخالق، الذي خلق السماوات والأرض
وما بينهما، وأن كل من عليها فانٍ، وأن الفلك تجري في البحر بإذن ربها، وأن النار
قيل لها: "كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً".
فالمنتصر
الحقيقي هو النص القرآني الثابت في عصر السيولة، الباقي رغم توالي السنين. ويظهر
الغزالي، في الحقيقة، مجرد جندي رسم حدود العقل بالعقل، ودافع عن الوحي بالعقل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.