تعرفت
على الغزالي الفيلسوف في "تهافُتِ الفلاسفة" أولَ مرةٍ وأنا في عُمْرِ
التاسعةَ عشرة، في مُقتبلِ دراستي الجامعية في الأزهر الشريف، فلم أفهم ولم أُدرك
وقتها شيئاً. وعندما رجعتُ إليه في المرة التالية، كنتُ أحمل الصورةَ الشائعةَ عن
الغزالي: فقيهٌ متكلّمٌ أغلق بابَ
العقل، وأنكر
السببية، وحمّله بعضُهم وِزْرَ
انحطاطِ الفكرِ العلميِّ في العالم الإسلامي. وخرجتُ منه، بعد سنواتٍ من القراءة
والمراجعة والدراسة والتأمل، بصورةٍ مختلفةٍ تماماً.
لم
تكن الصورةُ الجديدةُ أكثرَ تمجيداً أو تقديساً للغزالي، لكنها كانت أكثرَ إنصافاً
له، وأكثرَ صرامةً معي أنا أيضاً. وكنتُ أظن، مثل كثيرين، أن الإمامَ أبو حامدٍ
الغزاليَّ رجلٌ وقف ضدَّ العقل والعلم. هكذا سمعتُ عنه من الخطّافين والسُّرّاق
النصّابين، كهنةِ معبدِ العلمانيةِ في بلادنا: أنه "أنكر الأسباب"، وقال
إن النارَ لا تُحرِق، وإن الماءَ لا يَروي، بل إن بعضَهم يُحمّله مسؤوليةَ تأخُّرِ
المسلمين في العلوم.
أذكر
وقوفي الطويل أمام عبارته في المسألة السابعة عشرة في "تهافُتِ الفلاسفة":
"الاقترانُ بين ما يُعتقد في العادة سبباً وبين ما يُعتقد مُسبَّباً ليس
ضروريّاً عندنا، بل كلُّ شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثباتُ أحدهما
مُتضمِّناً لإثبات الآخر..".
يطرح الغزالي مثالاً بسيطاً جداً: قطعةُ قطنٍ تقترب من النار فتحترق. نحن جميعاً نقول: النارُ أحرقت القطن، لكن الغزالي يسألنا سؤالاً يبدو غريباً في البداية: ماذا رأيتَ بعينك فعلاً؟ رأيتَ النارَ تلمس القطن، ثم رأيتَ القطنَ يحترق. هذا كلُّ ما رأيته: شيءٌ حدث، ثم حدث بعده شيءٌ آخر. أمّا "القوة الخفية" التي تجعل النارَ تحرق بنفسها، ولا يمكن أبداً أن تتخلّف، فلم يرها أحد
قرأتُها
أولَ الأمر كما يقرؤها خصومُه، أي بوصفها إنكاراً للعلم التجريبي المقدّس،
وللعالَم المنتظم وفقاً لهذا المنظور. ثم أعدتُ القراءة، فتبيّن لي أن الرجل لا
يقول إن النارَ لا تُحرِق، بل هو يطرح سؤالاً أعمق: ما الذي نراه فعلاً حين نرى
النارَ تُحرِق القطن؟ نرى ملامسةً ثم احتراقاً؛ أي تتابعاً واقتراناً. أمّا "القوة"
التي تُلزم أحدهما بالآخر لزوماً ذاتيّاً يستحيل تخلُّفُه، فلا تقع تحت الحسّ؛ لا
نراها، ولا نلمسها، ولا العقلُ يجد تناقضاً في أن نتخيّل النارَ تلمس القطنَ ولا
يحترق، ولذلك فإن الاحتراقَ ليس أمراً يُلزمنا به العقلُ إلزاماً قاطعاً.
بمعنى
أنها ليست أموراً يستحيل عقلاً أن تكون على خلاف ما هي عليه؛ لأن خلافها تناقضٌ
صريح؛ مثل: المثلثُ له ثلاثةُ أضلاع، أو الجزءُ أصغرُ من الكل. لو قلتَ: "مثلثٌ
بأربعة أضلاع"، لناقضتَ نفسَك في الجملة نفسها، فالعقلُ يرفضها فوراً؛ هذا هو
ما يُسمّى "الضرورةَ العقلية". كانت تلك لحظةَ صدمةٍ معرفيةٍ حقيقية،
فالغزالي لم يكن يهرب من العقل، بل كان يمارس عليه أقسى وأقصى أنواع التدقيق:
التمييز بين ما نشاهده، وما نضيفه نحن إلى المشاهدة.
ويطرح
الغزالي مثالاً بسيطاً جداً: قطعةُ قطنٍ تقترب من النار فتحترق. نحن جميعاً نقول:
النارُ أحرقت القطن، لكن الغزالي يسألنا سؤالاً يبدو غريباً في البداية: ماذا
رأيتَ بعينك فعلاً؟ رأيتَ النارَ تلمس القطن، ثم رأيتَ القطنَ يحترق. هذا كلُّ ما
رأيته: شيءٌ حدث، ثم حدث بعده شيءٌ آخر. أمّا "القوة الخفية" التي تجعل
النارَ تحرق بنفسها، ولا يمكن أبداً أن تتخلّف، فلم يرها أحد. توقفتُ طويلاً عند
هذه الفكرة؛ الرجل لا يقول إن النارَ لا تُحرِق، بل يقول: انتبه إلى الفرق بين ما
تشاهده بعينك، وما يضيفه عقلك إلى المشاهدة.
فتعلّمتُ
مع الوقت أن أغلبَ سوء الفهم يأتي من خلط مستويين، فالغزالي والأشاعرة لم يُنكروا
الأسباب، ولا انتظامَ السُّنن، ولا العملَ بها، الفكرة أبسطُ مما يُشاع. الغزالي
ومدرستُه، وهم الأشاعرة، لم يقولوا إن الأسباب غير موجودة. النارُ تُحرِق،
والسكينُ تقطع، والطعامُ يُشبع، والدواءُ يشفي، وعلينا أن نأخذ بهذه الأسباب في
حياتنا. لكنهم رفضوا فكرتين:
الأولى:
الفاعليةُ الذاتيةُ المستقلةُ للأشياء؛ لأن الفاعلَ الحقيقيَّ عندهم هو الله وحده،
والنارُ جمادٌ "لا فعلَ ولا إرادةَ لها"، كما يقولون. وينكرون أن
الأشياءَ تفعل بنفسها وكأنها مستقلةٌ عن الله. فالنارُ في نظرهم مخلوقٌ لا يملك من
أمره شيئاً، والفاعلُ الحقيقيُّ هو الله.
والثانية:
أن هذا الارتباطَ ضرورةٌ يستحيل تخلُّفُها؛ لأن القول بها يُغلق بابَ خرقِ العادة،
ولأن ذلك يعني أن اللهَ نفسه لا يستطيع أن يُغيّره، ومن ثَمَّ يُغلق بابَ المعجزة،
ويستحضرون قصةَ إبراهيمَ عليه السلام، كما في قوله تعالى: "يَا نَارُ كُونِي
بَرْداً وَسَلَاماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ".
والبديلُ
عندهم الذي قدّموه هو ما سمّوه "العادة" أو "الاقترانَ العاديَّ"،
أي انتظامٌ مستقرٌّ أجراه اللهُ ويجري دائماً، لكنه ليس واجباً بذاته. النارُ
تُحرِق دائماً في العادة؛ لأن اللهَ أجرى الكونَ على هذا النظام الثابت، لكنه
نظامٌ من صنعه، وهو قادرٌ على تغييره متى شاء. ويمكن تشبيه ذلك بساعةِ المنبّه
التي ترنّ كلَّ صباحٍ في الموعد نفسه؛ أنت تثق بها تماماً، وتبني يومك عليها، لكنك
تعلم أنها لا ترنّ "من نفسها"، بل لأن أحداً ضبطها، ويستطيع أن يعيد
ضبطها. ومن اللافت أن الغزالي نفسه لم يُسقط السببيةَ العامة؛ فهو يقرر في "الاقتصاد
في الاعتقاد" أن كلَّ حادثٍ لا بدَّ له من سبب، وأن هذا أمرٌ ضروريٌّ في
العقل. إذن، هو يفرّق بين مبدأ "لكل حادثٍ مُحدِث"، وهو مبدأٌ يثبته،
ودعوى "هذا الشيء بعينه يُوجب ذاك بطبعه"، وهي دعوى ينفيها.
الطريف
أن فيلسوفاً بريطانيا من اسكتلندا اسمه ديفيد هيوم، عاش في القرن الثامن عشر، أي
بعد الغزالي بنحو سبعة قرون، قال شيئاً قريباً جداً: نحن لا نرى السببية، بل نرى
حدثين متتابعين، ومن كثرة تكرار المشهد، اعتدنا أن نتوقع الثاني كلما رأينا الأول.
لكن الفرق بينهما كبير؛ هيوم ترك المسألة معلّقة، وقال إن الأمر مجرد "عادةٍ
في عقولنا"، أمّا الغزالي فقال إن هذا الانتظام له مصدر، وهو الله الذي خلق
الكون وأجرى فيه سننه بحكمة.
فحين
جاء هيوم، بعده بسبعة قرون، وقال إننا لا نرى إلا الاقتران، وإن العادة النفسية هي
التي تولّد اعتقادنا بالضرورة، التقى مع الغزالي في نقد الضرورة المشاهَدة، ثم
افترق عنه افتراقاً جذريّاً؛ فالغزالي أسند الانتظام إلى إرادةٍ إلهيةٍ حكيمة،
وضمِن إمكان المعرفة بقوله إن الله "خلق لنا علماً" بأن هذه الممكنات لا
تقع. فالمعرفة عنده "مضمونة"، لكن ضمانها ليس في طبيعة النار، بل في أن
الله أجرى العالم على نظام ثابت، وجعلنا نعلم هذا الثبات علماً لا نشك فيه. ومصدر ثقتنا بالعالم ليس ضرورة موجودة في
الأشياء نفسها كما يقول الفلاسفة، بل هو علم يقيني يخلقه الله في نفوسنا أمّا هيوم
فترك الانتظام معلّقاً في فراغٍ نفسيٍّ أربك يقينه هو نفسه، حتى جاء كانط، الذي
قال إن هيوم أيقظه من سباته الدوغمائي، فجعل السببية مقولةً قبليةً في العقل.
جاءت
المرحلة الأكثر إثارة حين بدأتُ أقرأ الغزالي إلى جانب
فلسفة الفيزياء الحديثة،
خلافاً للفيزياء الكلاسيكية التي، لقرونٍ طويلة، تصوّر العلماء من خلالها أن الكون
آلةٌ ضخمةٌ تشبه الساعة: إذا عرفتَ كلَّ تفاصيلها الآن، تستطيع أن تعرف ما سيحدث
بعد ألف سنةٍ بدقةٍ كاملة، حيث جاءت، في القرن العشرين "فيزياءُ الكم"،
وهي العلم الذي يدرس عالم الذرّات والجسيمات الصغيرة جداً، فاكتشف العلماء أموراً
مدهشة. في ذلك العالم الصغير، لا يمكنك أحياناً أن تعرف ماذا سيحدث بالضبط، بل
تعرف فقط الاحتمالات. خذ ذرّةً مشعّةً واحدة: لا يستطيع أحد أن يقول لك في أي
لحظةٍ ستتفكك، لكنه يستطيع أن يحسب احتمالَ ذلك.
وتذكرتُ
أيضاً العالمَ المصريَّ أحمد زويل، الذي نال جائزةَ نوبل لأنه استطاع أن "يُصوّر"
التفاعلاتِ الكيميائيةَ لحظةً بلحظة، على مقياسٍ زمنيٍّ اسمه الفيمتوثانية، وهو
جزءٌ من مليون مليار جزءٍ من الثانية. وهنا خطر لي سؤال: حتى بهذه الدقة الخيالية،
ماذا نرى؟ نرى خطوةً تتبعها خطوةٌ، بسرعةٍ لا يتخيلها العقل، لكننا لا نرى "القوة"
التي تربط بينهما. إنه سؤال الغزالي نفسه عن النار والقطن، وقد عاد إلينا من داخل
أحدث المختبرات.
قلتُ
لنفسي: لقد سبق الغزالي علماءَ الفيزياء بتسعة قرون!.. علماً أن الفيزياء الحديثة
لم تقل إن الأسباب غير موجودة، هي فقط كشفت أن القوانين في عالم الذرّات تعمل
بطريقةٍ مختلفة، بلغة الاحتمالات بدل اليقين المطلق. وقد رفض أينشتاين متشددا
ومذهولا فكرة الاحتمالات، وقال عبارته الشهيرة المعبرة عن حيرته، في رسالة إلى
صديقه الفيزيائي ماكس بورن عام 1926، رداً على التفسير الاحتمالي لفيزياء الكم: "الله
لا يلعب النرد".
بعد كل هذه القراءة، أرى أن الغزالي قدّم لنا توازناً جميلاً: نأخذ بالأسباب، ونثق في نظام الكون، ونبني عليه علومنا، دون أن نجعل هذه الأسباب آلهةً صغيرةً تعمل من دون خالقها
وإن
كنتُ أرى في نفسي أن الغزالي والفيزياء الحديثة يسألان سؤالين مختلفين، فالغزالي
يسأل: من الذي يفعل؟ والفيزيائي يسأل: كيف تحدث الأشياء؟ وأن يلتقي الجوابان في
نقطةٍ ما أمرٌ جميلٌ ومُلهم. إلّا أنني أشاهد بعيني كيف يُنصف الغزالي بعد قرابة
ألف سنة، وذلك فقط لأنه كان يرتكن إلى الوحي، المصدر المعرفي الأوثق. لذلك لا أريد
أن أقول إن العلم أثبت كلام الغزالي، بل أقول شيئاً أصدق: إن الغزالي طرح سؤالاً
عميقاً جداً، ما زال العلم الحديث نفسه يدور حوله حتى اليوم، ولعلّه أوشك أن يصل
إليه.
بقي
معي درسٌ في التواضع، فقد علّمني الغزالي ألّا أصدّق كلَّ ما يبدو لي بديهيّاً،
وأن أسأل دائماً: هل رأيتُ هذا فعلاً، أم افترضتُه؟ وعلّمتني الفيزياء أن الكون
أعجب وأعمق مما نتخيل. وتعلّمتُ أيضاً أن أحترم من خالف الغزالي، مثل الفيلسوف
الأندلسي ابن رشد، الذي خاف أن يؤدي هذا الكلام إلى إهمال الأسباب والعلم. وهو
خوفٌ مشروع؛ لأن العلم يحتاج إلى الثقة في أن الكون منتظم.
لكنني،
بعد كل هذه القراءة، أرى أن الغزالي قدّم لنا توازناً جميلاً: نأخذ بالأسباب، ونثق
في نظام الكون، ونبني عليه علومنا، دون أن نجعل هذه الأسباب آلهةً صغيرةً تعمل من
دون خالقها. وأهم ما خرجتُ به أن السؤال الذكي أحياناً أثمن من الجواب السريع. وقد
طرح الغزالي سؤالاً ذكيّاً عن النار والقطن قبل تسعة قرون، وما زلنا نتأمله حتى
اليوم. جعلني الغزالي أنظر إلى الذين يعيشون لحظات السؤال والبحث والسير نحو
الحقيقة واليقين نظرةَ عطفٍ وإحسان، بل وإعجابٍ بمسيرتهم في رحلتهم التي يمتلئ
قلبي يقيناً بأنهم سيصلون في أقرب وقت، وأنظر إلى الملاحدة الجاحدين لكل حقيقة،
والمتألّهين في الأرض، نظرةَ ازدراءٍ واستعجاب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.