المَسِيحُ الْمُخْلِصُ.. مَسِيحُ المصريين ومُخَلِّصُهم المنتظر

عطية أبو العلا
"يوضح السيسي، من خلال نص كلامه، أنه لا توجد مؤسسات بالمعنى الذي يتصوّره المصريون"- جيتي
"يوضح السيسي، من خلال نص كلامه، أنه لا توجد مؤسسات بالمعنى الذي يتصوّره المصريون"- جيتي
شارك الخبر
في أغلب الأديان والثقافات، تمثّل عقيدةُ المخلّص المنتظر أحدَ مقوّمات الأمل والمعنى في الحياة الدنيا؛ بدايةً من اليهودية التي تؤمن بقدوم المشيح، وهو قائد من نسل النبي داود، يُعيد بناء مملكة إسرائيل ويحقّق العدل والسلام، والمسيحية التي تؤمن بـالمجيء الثاني للسيد المسيح، حيث يعود في آخر الزمان لإقامة ملكوت الله، والقضاء على الشر، وإجراء الدينونة. ولدينا في الإسلام إيمانٌ بأحداث آخر الزمان، ومن أبرزها ظهور المهدي ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، مع اختلافٍ في تفاصيل الاعتقاد بالمهدي بين أهل السنّة والشيعة، بينما يتفق الجميع على نزول عيسى عليه السلام.

وحتى الزرادشتية تؤمن بظهور ساوشيانت، وهو المخلّص الذي يجدّد العالم، ويقضي على قوى الشر، ويحقّق الانتصار النهائي للخير. والهندوسية تؤمن بقدوم كلكي، وهو التجسّد العاشر والأخير للإله فيشنو، الذي يظهر في نهاية العصر الحالي للقضاء على الفساد وإعادة النظام الكوني. أما البوذية فتؤمن بظهور مايتريا، بوذا المستقبل، الذي سيأتي عندما تندثر تعاليم بوذا الحالية، ليعيد ويقود البشرية إلى الهداية.

وعند الشعب والمعارضة في مصر، حيث سرق منها "المسيح الدجال" إرادتهم عندما أخبرهم ووعدهم بأن مصر "هتبقى قدّ الدنيا"، وقال لهم: "إنتو مش عارفين إن إنتوا نور عنينا ولا إيه؟"، وطلب منهم الصبر "عليّ سنتين بس"، ووعدهم بأن "مصر دي هتبقى في حتة تانية". ثم بدأ في إطفاء الانوار فيها فلما ضلّمت خالص على المصريين نشأت حينها فكرة المخلص الذي سيأتي يوم 11/11 أو في ذكرى 25 يناير ليملأ مصر عدلا و فلوسا كما ملأها السيسي ديونا وظلما.

فكرة الدولة ومؤسساتها التي تعمل لمصلحة الشعب المصري، والتي يمكن أن توقف الرئيس عند حدّه عندما يتخطّى المصلحة الوطنية. وهي أيضاً فكرة الجيش الذي سيتخلّى عن السيسي، والمخابرات التي تغضب من تفريط السيسي وخيانته، بعدما مارس خيانةً عظمى وعلنية، وورّط فيها هذه المؤسسات، كما حدث في قضية بيع تيران وصنافير

تمثّل مقولة "الجيش ده فيه رجالة زي الدهب"، التي قالها الرئيس المصري الشهيد محمد مرسي رحمه الله، إحدى مرجعيات هذه العقيدة لدى المصريين؛ أي فكرة الدولة ومؤسساتها التي تعمل لمصلحة الشعب المصري، والتي يمكن أن توقف الرئيس عند حدّه عندما يتخطّى المصلحة الوطنية. وهي أيضاً فكرة الجيش الذي سيتخلّى عن السيسي، والمخابرات التي تغضب من تفريط السيسي وخيانته، بعدما مارس خيانةً عظمى وعلنية، وورّط فيها هذه المؤسسات، كما حدث في قضية بيع تيران وصنافير.

وقد خرج السيسي في خطاب يبرّر فيه ما جرى، وأثناء ذلك قال: "البلد دي مفيهاش مؤسسات". وهو يقول ذلك رغم أنه، وفق رؤيته التي يقدّمها باعتباره رجلاً يعرف مؤسسات الدولة من الداخل، يدرك طبيعة هذه المؤسسات وكيف تُبنى وتُدار. وقد قالها أكثر من مرّة صراحة، ومن أبرزها كلمته أمام ممثلي المجتمع في 13 نيسان/أبريل 2016.

نص كلامه:

"يعني مفيش في وزارة الخارجية وطني؟ كلهم ناس مش كويسين بيبيعوا بلدهم؟ طيب. مفيش في المخابرات العامة وطني؟ وكلهم عاوزين يبيعوا بلدهم؟ طيب. مفيش في الجيش حد وطني؟ وكلهم مستعدين يعملوا يبيعوا بلدهم؟ إنتو حاجة صعبة قوي.. صعبة بجد. دي بلدكو.. ودول ناسكو.. لما تشككوا فيهم بالطريقة ديّت.. فاضل إيه تاني في بلدنا؟

لما نقول النهارده ده الموضوع بقرار كده.. آآ.. خلّوا بالكم، إنتو بتتكلموا عن الموضوع بنسق الفرد، وأنا باكلمكم إن الموضوع بيتم تناوله بنسق الدولة، ومؤسسات الدولة وأجهزة الدولة بكل ما تعني هذه الكلمة. تبقوا تطمنوا.. تطمنوا مش على الجزيرتين.. لأ، تطمنوا على الراجل اللي إنتو أمنتوه على بلدكو. من فضلك.. لو سمحت، اللي إنتو أمنتوه على بلدكم، وعلى عرضكم وعلى أرضكو.. عرضكو، أرضكو. لإن أنا هنا..

فـ.. أنا قلت كلام كتير في الموضوع دوت، خليني أحسمه أو أنهيه يعني، بإن من فضلكم.. أرجو إن الموضوع ده.. أرجو الموضوع ده منتكلمش فيه تاني. أرجو إن إحنا منتكلمش فيه تاني. إنتو بتسيئوا لنفسكم. وفي برلمان إنتو اخترتوه هيناقش الموضوع. يشكّل لجنة واتنين ويجيب كل اللي هو عايزه.. كل اللي هو عايزه. أرجو إن إحنا نتوقف؛ لإن مش معقول يبقى إحنا متشككين في نفسنا، ومتشككين في أجهزتنا، متشككين في البرلمان بتاعنا، متشككين في.. في النقابات، متشككين في كل.. في كل.. مينفعش. مينفعش كده.

في برلمان، هذا البرلمان هيناقش هذه الاتفاقية، يمررها أو لا يمررها. يشكّل لجان زي ما هو عايز عشان يطمئن.. وباطمئنانه تطمئنوا. لازم يبقى في فاصل بين.. بين ممارساتنا وأدائنا وبين ممارسات وأداء الدولة، ما أمكن خلال هذه المرحلة" (انتهى النص).

يوضح السيسي، من خلال نص كلامه، أنه لا توجد مؤسسات بالمعنى الذي يتصوّره المصريون، لأنه، كرئيس سابق للمخابرات الحربية، يعرف كيف تُبنى وتُدار هذه المؤسسات.

فالبرلمان، مثلاً، تديره أجهزة الأمن؛ وهي التي تقرّر، بصورة أو بأخرى، من يُقبل ومن لا يُقبل لدخول البرلمان. وحتى إنهم صنعوا تسعيرة للترشّح، بعد الفحص والدراسة للشخصية؛ فأصبح الأمر، في هذا التصوّر، أشبه باختيار الشخص الأكثر سوءاً والأقل أهلية، ليكون هو الأحق بالمنصب، ثم يُقال له: لكي نرشّحك ادفع هذا المبلغ.

هذا النظام هو كابوس شعب مصر، الذي لن ينتهي إلا بيقظة الشعب واستيقاظه، ليستعيد حقّه في سلطته

وهذا الفحص الأمني، الذي يخضع له كل من يفكّر في الدخول إلى النادي الحاكم في مصر، هو كلمة السر في وجود "مهدي" أو "مسيح منتظر" داخل المؤسسات من عدمه.

ويمتد هذا الأمر، في تصوّر تاريخي أوسع، إلى عهد الوالي محمد علي، الذي أسّس الدولة العسكرية في مصر، ولم يكن يعتمد على المصريين في جيشه كضباط وقادة، بل كانوا في البداية عساكر، إلى أن تغيّر ذلك لاحقاً وبصورة تدريجية في عصر الخديوي سعيد وإسماعيل، ثم خلال فترة الاحتلال البريطاني، حيث قُصرت القيادة تماماً على الضباط البريطانيين.

وبعد معاهدة 1936، دخلت فئات من الشعب المصري إلى صفوف الضباط، ولكن بشروط وضوابط إنجليزية تضمن استمرار الاحتلال، وإن كان الجيش قد أصبح يضم ضباطاً مصريين.

لا مسيحَ منتظراً؛ فالشعب نفسه هو المنتظر، وهو الذي يخافه المسيح الدجال عبد الفتاح السيسي. لا جيش يخطّط للانقلاب ليعطي السلطة للشعب، ولا جهاز مخابرات يدرس ويحلّل خطورة التدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وانعكاسها على مستقبل الوطن وكيانه ووجوده من الأساس، فضلاً عن غياب منظومة قضاء أو كوادر دولة تقول "لا". وبكل أريحية: ليس منهم رجل رشيد.

هذا النظام هو كابوس شعب مصر، الذي لن ينتهي إلا بيقظة الشعب واستيقاظه، ليستعيد حقّه في سلطته.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)