مما لا شك
فيه أن هناك
مخرجين يصنعون
سينما بديعة، تحمل فكراً وجمالاً ورؤية لصياغة العالم، مخرجون
يحملون همّاً ما، وبالطبع تتعدد رؤاهم، ويتفقون في النهاية على صناعة الجمال في
السينما. لكن الملاحظ هذه الأيام أن ما يتم إنتاجه وتقديمه هو مجرد
أفلام لا تصل
إلى مرتبة السينما. فهي، على أكثر تقدير، أفلام مصنوعة بشكل جيد تقنياً، لكنها
تفتقد الحس الجمالي والإنساني، أي تفتقد أن تكون سينما. فهي مجرد أفلام تذهب من
ذاكرتك بمجرد انتهاء مشاهدتها، أي تفتقد الخلود الفني والسينمائي.
وعندما
نذكر لفظة "سينما"، يتبادر إلى الذاكرة أسماء لا تخطئها العين؛ أسماء
صنعت تاريخاً للسينما
المصرية. فمن ينسى
المخرج محمد كريم وروائعه، بمقياس تلك الفترة، مع المبدع محمد عبد الوهاب؟ من ينسى
كمال سليم ورائعته "العزيمة"؟ من ينسى نيازي مصطفى وأفلامه مع نجيب
الريحاني؟
نعم، لقد
تنوعت رؤى وأساليب المخرجين، لتقدم لنا سينما ذات صبغة اجتماعية تارة، أو ذات طابع
كوميدي تارة أخرى، وكان هذا إيذاناً بظهور سينما جديدة لجيل من المخرجين الموهوبين
الطامحين.
تنوعت رؤى وأساليب المخرجين، لتقدم لنا سينما ذات صبغة اجتماعية تارة، أو ذات طابع كوميدي تارة أخرى، وكان هذا إيذاناً بظهور سينما جديدة لجيل من المخرجين الموهوبين الطامحين
ظهروا في
أواخر الخمسينيات، ليبزغوا في الستينيات، وكان منهم، أو على رأسهم، عز الدين ذو
الفقار، ومحمود ذو الفقار، وحسن الإمام، ويوسف شاهين، وصلاح أبو سيف، وكمال الشيخ،
وفطين عبد الوهاب، وعاطف سالم، وغيرهم.
والملفت
أن الأرضية الاجتماعية والسياسية لكثير منهم كانت منطلقاً لرؤاهم السينمائية، ولا
غرو في هذا، فقد تزامن ذلك مع موجات التحرر الوطني والإفريقي والآسيوي في كثير من
البلدان.
ولهذا نجد
أن كل أعمال صلاح أبو سيف، أو معظمها، تنطلق من تلك البديهية، فكانت سينماه تعبيراً
عنها. فلا تنسى، مثلاً: "القاهرة 30"، و"الزوجة الثانية"، و"بين السما والأرض"،
و"لك يوم يا ظالم".
وكذلك
الكبير يوسف شاهين، الذي قدم أعمالاً تحمل هموماً اجتماعية وسياسية، كفيلم "الأرض"
لعبد الرحمن الشرقاوي، و"باب الحديد"، و"عودة الابن الضال"، و"العصفور"،
و"الاختيار".
وبالطبع،
لن نغفل جيل حسين كمال وأشرف فهمي وغيرهما. فمن منا ينسى فيلم "البوسطجي"
وفيلم "المستحيل" لحسين كمال، وكذلك "نحن لا نزرع الشوك"؟ فكانت
سينماهم وقتذاك تقدم تحليلاً اجتماعياً وسياسياً بمذاق حداثي.
وهكذا
نأتي إلى جيل الثمانينيات، وكان على رأس حربته عاطف الطيب، وسمير سيف، وعلي عبد
الخالق، ومعهم محمد خان وخيري بشارة. وقد قدموا سينما معبرة عن واقعها الآني،
باحترافية ورؤى شديدة الطموح.. وهكذا..
وعندما
ننظر إلى ما آلت إليه السينما المصرية الآن، وإلى تحولها إلى مجرد أفلام تقترب في
بنائها من أسلوب الإسكتش، يعترينا الغضب والحزن على ما آلت إليه سينمانا الحبيبة،
الآسرة، الساحرة.
نتمنى أن
تتعافى وتعود مرة أخرى إلى سابق عهدها؛ فتيةً قوية، تمنحنا أملاً وبهجةً وشباباً
وسحراً.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.