فريد شوقي الذي لا يعرفه أحد..!

هشام عبد الحميد
"أصبح فريد شوقي رمزاً فنياً كبيراً، لا بسبب ذكائه الفطري فقط، بل لما قدمه للفن بشكل عام"
"أصبح فريد شوقي رمزاً فنياً كبيراً، لا بسبب ذكائه الفطري فقط، بل لما قدمه للفن بشكل عام"
شارك الخبر
الفنان الكبير فريد شوقي هو حالة فنية خاصة، ومسيرته درس للأجيال القادمة في عالم الفن الصعب، المحفوف دوماً بالمخاطر.

فلقد بدأ هذا الفنان، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية؛ قسم التمثيل والإخراج، إبان ما كان يُطلق عليه "معهد التمثيل" فقط، بأدوار متناهية الصغر، محدودة القيمة والتأثير، ثم تطور قليلاً ليعتمده صُنّاع السينما وقتذاك كأحد أشرار السينما المصرية.

والجدير بالذكر أن الكبير محمود المليجي كان يشير إلى المنتجين بفريد شوقي كبديل له، نظراً لضيق وقت المليجي.

وقد بات من المستحيل أن يغيّر فريد شوقي القالب الذي حصره فيه المنتجون والمخرجون لسنين طويلة، بل وكانت من سلبيات تلك الفترة أنه لو تجرأ ممثل لكسر هذا الطوق المفروض عليه من النمطية والكليشيهات، كما حدث مع عبد السلام النابلسي على سبيل المثال لا الحصر، عندما تمرد على أدوار الصف الثاني، وقدم فيلماً واحداً وأخيراً من بطولته بعنوان "حلاق السيدات"، فشل الفيلم فشلاً ذريعاً، وسط صمت مطبق من قبل الموزعين والمنتجين والمخرجين. فاضطر النابلسي، إزاء هذا التواطؤ غير المعلن، إلى العودة إلى أدوار الصف الثاني.

جاء فريد شوقي بذكائه الفطري، واستطاع بمهارة شديدة إدارة موهبته الإدارة الصحيحة، وأدرك مبكراً أن أحد أسباب التغيير هو الإنتاج، فقرر خوض مجال الإنتاج من باب إعادة صياغة صورته الفنية الجديدة

وظل فشل النابلسي شبحاً وكابوساً يطارد كل من كانت تسوّل له نفسه كسر طوق النمطية المفروض عليه من قبل المنتجين والموزعين، إلى أن جاء فريد شوقي بذكائه الفطري، واستطاع بمهارة شديدة إدارة موهبته الإدارة الصحيحة، وأدرك مبكراً أن أحد أسباب التغيير هو الإنتاج، فقرر خوض مجال الإنتاج من باب إعادة صياغة صورته الفنية الجديدة.

وعليه، قام فريد شوقي بإنتاج فيلمه البديع "الأسطى حسن"، مقدماً من خلاله صورة البطل الشعبي، التي بدورها كسرت نمطيته عند صُنّاع القرار في السينما المصرية. وبدأ بالفعل في تقديم أوراق اعتماده كنجم جديد في عالم السينما، وبصورة مغايرة تماماً عما كان عليه. وهذا هو ما أراده ونجح نجاحاً كبيراً فيه.

ولم يكتفِ فريد شوقي بالبطل الشعبي، المشروع الذي منحه لقب "ملك الترسو" فقط، بل خاض عالم أفلام الآكشن، وأصبح بطلاً لها بلا منازع.

ثم بدأ فريد يدرك، بحسه الفني وذكائه الفطري، أنه لا بد من التنوع، فقدم الكوميديا من خلال تراث العظيم نجيب الريحاني وعلى مسرحه، تحت رغبة وإلحاح الكاتب الكبير بديع خيري. وبالرغم من رعب المقارنة وخطورتها، فإن فريداً اجتازها بنجاح منقطع النظير.

وتمضي السنون، وتبدأ علامات الزمن تترك آثارها على جسد فريد ووجهه، ومعها يتغير المناخ السينمائي نفسه، فقد ظهرت ظاهرة ما يُسمى بأفلام الكاراتيه، فضربت أو قللت من تأثير أفلام الحركة المصرية، ومعها بدأت نجومية فريد في الانحسار.

ولكنه، كما فعل من قبل، أعاد صياغة صورته الفنية بما يتفق معه مرحلياً، وبدأ يتجه إلى إنتاج أعمال ميلودرامية، تضعه في صورة الأب المكلوم على رحيل ابنه في فيلم "لا تبكي يا حبيب العمر"، وهو الفيلم الذي أعاد فريد شوقي من خلاله تقديم صورته الجديدة التي أرادها، وبصورته السنية التي أصبح عليها.

وعليه، سطعت نجومية فريد التي قاربت على الخفوت، مستعيداً مكانته ونجوميته، ليصبح رمزاً في المعادلة الصعبة. فلقد أقدم فريد على خطوة كان من الممكن أن تنزلق به إلى عالم الأدوار الثانية والثالثة أو ضيوف الشرف، وهذا ما حدث مع غيره من نجوم مرحلته، كيحيى شاهين، وعماد حمدي، وشكري سرحان، وأحمد مظهر. والوحيد الذي فلت من هذا المأزق الصعب هو فريد شوقي، ويعود هذا إلى ذكائه الفطري الحاد.

لم يكتفِ فريد شوقي بالبطل الشعبي، المشروع الذي منحه لقب "ملك الترسو" فقط، بل خاض عالم أفلام الآكشن، وأصبح بطلاً لها بلا منازع. ثم بدأ فريد يدرك، بحسه الفني وذكائه الفطري، أنه لا بد من التنوع، فقدم الكوميديا

لقد كسر فريد شوقي حاجز السن، وأصبح من الممكن أن تُكتب له أدوار البطولة لشخصيات طاعنة في السن، بعدما ظلت السينما لفترة طويلة جداً لا تعترف إلا بالشباب في أدوار البطولة.

حقاً، لقد أصبح فريد شوقي رمزاً فنياً كبيراً، لا بسبب ذكائه الفطري فقط، بل لما قدمه للفن بشكل عام. فهو أول منتج ممثل ينتج الفيلم الوطني "بور سعيد" لعز الدين ذو الفقار، وهو فيلم باهظ التكلفة وقتذاك.

وهو أيضاً صاحب الأفلام التي تغيرت قوانين بسببها، كفيلم "جعلوني مجرماً"، الذي عُدّل القانون بسببه، في ما يتعلق بالسابقة الأولى لأي مجرم. وهو صاحب فيلم "كلمة شرف"، الذي كان سبباً رئيسياً في تعديل قانون يسمح للمسجون بالخروج لمدة 24 ساعة في الحالات الإنسانية، من مرض أو وفاة أو فرح يخص أسرته أو مَن له صلة دم من الدرجة الأولى.. وهكذا..!

وهذا فضلاً عن وقوفه بجانب الوجوه الجديدة في الأعمال التي توزع باسمه، وكانت أدوار البطولة لهم، ولقد قبِل ذلك عن طيب خاطر. وكان من تلك الوجوه الجديدة: عادل إمام، ونور الشريف، وأحمد زكي، ومحمود عبد العزيز، وغيرهم ممن أصبحوا نجوماً تتلألأ في سماء الفن المصري.

ولهذا استحق أن يُطلق على فريد شوقي لقب "الملك" بجدارة، فكان ملكاً في كل شيء.. في أخلاقه، وفنه، وحياته. إنه بلا منازع.. إنه الملك، فريد شوقي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)