أمريكا.. من المبادرة العسكرية إلى المراوغة السياسية

حازم عيّاد
"ساعات حولت فائض القوة الأمريكية إلى عبء على أصحابها"- جيتي
"ساعات حولت فائض القوة الأمريكية إلى عبء على أصحابها"- جيتي
شارك الخبر
انتقلت الولايات المتحدة من المبادرة والمباغتة في هجومها على إيران في 28 من شباط/فبراير الماضي إلى رد الفعل والمراوغة، أملا في تجنب جولة قتال لم تكن مستعدة لها، على نحو ما حذر منه رئيس هيئة الأركان الأمريكي الجنرال دان كين، وقائد المنطقة المركزية الأدميرال براد كوبر؛ من نقص في الذخائر والجاهزية للقوات الأمريكية.

في المقابل انتقلت إيران من رد الفعل إلى الفعل والمبادرة الميدانية المباغتة للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، على نحو أحرج الولايات المتحدة ووضعها أمام استحقاقات لا تبدو مستعدة لمواجهتها عسكريا وسياسيا في هذه المرحلة من الحرب، وهو ما تمت ترجمته عبر ضربات محسوبة ودقيقة استهدفت 8 مواقع عسكرية في العراق وموقع تاسع في مدينة بيرانشهر شمال غرب إيران بالقرب من الحدود العراقية، ردا على الهجمات الإيرانية وهجمات الفصائل العراقية تجاه الأراضي الأردنية والسعودية.

النقلة الاستراتيجية الأمريكية من المبادرة والفعل إلى رد الفعل والمراوغة لم تكن مفاجئة بل عملية متدرجة مهد لها جولات قتال وتفاوض متكررة، أفقدت الولايات المتحدة عنصر المبادرة والمباغتة في الخليج العربي والإقليم، وانتقل تأثيرها إلى مواضع أخرى من العالم في بحر الصين الجنوبي وشرق أوروبا وغربها.

النقلة الاستراتيجية الأمريكية من المبادرة والفعل إلى رد الفعل والمراوغة لم تكن مفاجئة بل عملية متدرجة مهد لها جولات قتال وتفاوض متكررة، أفقدت الولايات المتحدة عنصر المبادرة والمباغتة في الخليج العربي والإقليم

ففي الوقت الذي كانت تخوض فيه الولايات المتحدة جولتها الرابعة من القتال في مضيق هرمز كانت الصين تتوسع في بحر الصين الجنوبي بالقرب من جزر سبارتلي، حيث تعاركت بحريتها مع البحرية الفلبينية بالأيدي وخراطيم المياه، ما استدعى تدخلا أمريكيا سريع بإطلاق مناورات بحرية مشتركة مع الفلبين وبشراكة مع اليابان طول الأيام الخمسة الفائتة.

ليست الصين الطرف الوحيد المستفيد من الحرب والفجوات في الاستراتيجية الأمريكية الناجمة عنها، فروسيا وبعد تورط السعودية في جولة التصعيد عبر اليمن ومضيق باب المندب والعراق؛ توافرت لها فرصة كبيرة لخنق أوروبا تجاريا وطاقويا في الآن ذاته بعد أن ظنت أوروبا بأنها وجدت ممرا آمنا للخروج من أزمتها التي تسبق الشتاء المقبل عبر البحر الأحمر وغاز المتوسط.

التداخل والتقاطع ما بين حرب أمريكا في الخليج العربي وتطورات الأحداث والأزمات في بحر الصين الجنوبي والبحر الأسود وبحر قزوين والبحر المتوسط الذي شهد حوادث أمنية خطيرة؛ بدأ بهجوم أوكراني على ناقلة غاز روسية بالقرب من جزيرة مالطا مطلع آذار/مارس الماضي، فتوسع الصراع حقيقة صلبة كان آخر فصولها في ميناء دمياط المصري؛ حيث استُهدفت ناقلة غاز ومحطة تغويز أمريكية متنقلة بطائرة مسيرة مجهولة المصدر، فلا يُعلم هل هي أوكرانية، أم يمنية، أم عراقية، أم إسرائيلية لإثارة الفتن، أم أنها انتقام روسي صرف على حادثة مالطا في آذار/مارس الماضي، ليتوزع بذلك غازها المهدور في البحر بين القبائل العالمية المتناحرة.

إدارة ترامب في ضوء هذه الفوضى المتسعة تراوغ عسكريا من خلال رد ميداني محدود وسعي دبلوماسيا محموم لإطلاق وساطات ومبادرات إقليمية تجنبها مواجهة أوسع وأكثر شمولا؛ تُغرقها في حرب استنزاف طويلة،
ساعات قليلة مضت أفقدت أمريكا قدرتها على المبادرة أمام إيران، ساعات كشفت حدود قوتها المبعثرة خارج حدود الإقليم الضيقة
وتشاغلها عما يحدث في بحر الصين الجنوبي والحزام الاوراسي ما بين بحر قزوين والبحر الأسود وصولا إلى بحر البلطيق ودائرته القطبية الشمالية، وهي محددات مستجدة صنعها التهور والفشل الأمريكي في الخليج العربي على نحو فرض قيودا على الرد الأمريكي وفتح آفاقا لإيران وشركائها للانتقال من رد الفعل إلى الفعل والمبادرة.

ختاما.. ساعات قليلة مضت أفقدت أمريكا قدرتها على المبادرة أمام إيران، ساعات كشفت حدود قوتها المبعثرة خارج حدود الإقليم الضيقة، ساعات نقلت الصراع في الخليج العربي من مستواه الإقليمي إلى مستوى دولي أعلى وأعقد من حيث أطرافه وأزماته ومساوماته؛ تقاطعت فيه المصالح والصراعات الدولية في البحار وحقول النفط عبر قوى ثانونية تمتعت بالقدرة على المبادرة كأوكرانيا والفصائل العراقية، ساعات حولت الولايات المتحدة إلى الطرف الأكثر مراوغة والأقل مبادرة، هروبا من استحقاقات جيوسياسية واستراتيجية ثقيلة تهدد مكانتها كقوة دولية مهيمنة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.. ساعات حولت فائض القوة الأمريكية إلى عبء على أصحابها كونها أجبرتهم على تقديم تنازلات لقوى إقليمية صاعدة كتركيا وباكستان، وأخرى متمردة كإيران التي صنعت بدورها مستنقعا جيوسياسيا متحركا يهدد بابتلاع أمريكا المتخمة بالقوة.

x.com/hma36


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)