لم تعد
الحرب على
إيران مواجهة عسكرية تدور
آثارها داخل حدود الشرق الأوسط، بل تحولت إلى حرب على شرايين الطاقة والتجارة
الدولية. فمع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، وامتداد هجمات الحوثيين إلى ناقلات
النفط والمنشآت السعودية المطلة على البحر الأحمر، أصبح الاقتصاد العالمي يواجه
تهديدًا متزامنًا في مضيقين حيويين هما: هرمز وباب المندب.
وقد أعلن الحوثيون استهداف ناقلتي نفط
سعوديتين في البحر الأحمر، وفرض ما وصفوه بحصار بحري على السفن المرتبطة
بالسعودية. ثم اتسع التصعيد بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة تجاه منشآت نفطية في ينبع
وجازان، ردًا على الغارات السعودية على مواقع في الحديدة. وأفادت مصادر أمنية
باعتراض السعودية صاروخين باليستيين كانا يستهدفان منشآت نفطية في ينبع.
يعد مضيق هرمز أهم ممر بحري للطاقة في العالم، إذ تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وقد كشفت بيانات تتبع السفن عن مرور ثلاث سفن فقط يوميًا عبر المضيق خلال الفترة من 22 إلى 24 تموز/ يوليو، وهو ما يعكس اختناقًا فعليًا في حركة الملاحة، وليس مجرد مخاوف نظرية في الأسواق.
وتكمن خطورة استهداف ينبع في أنها ليست
مدينة نفطية عادية، بل تمثل المنفذ الغربي البديل الذي تعتمد عليه السعودية لتصدير
جزء من نفطها بعيدًا عن مضيق هرمز. إذ ينقل خط أنابيب شرق ـ غرب النفط من المنطقة
الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر. ومن ثم، فإن تعرض ينبع للتهديد يعني أن الطريق
الذي يُفترض أن يتجاوز أزمة هرمز أصبح هو نفسه عرضة لمخاطر الحرب.
ويعد مضيق هرمز أهم ممر بحري للطاقة في
العالم، إذ تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وقد كشفت بيانات
تتبع السفن عن مرور ثلاث سفن فقط يوميًا عبر المضيق خلال الفترة من 22 إلى 24
تموز/ يوليو، وهو ما يعكس اختناقًا فعليًا في حركة الملاحة، وليس مجرد مخاوف نظرية
في الأسواق.
وفي الوقت نفسه، ازدادت أهمية باب المندب
باعتباره الطريق البديل للنفط السعودي المصدر من ينبع. غير أن تهديد الحوثيين
للسفن السعودية دفع عددًا من الناقلات إلى تغيير اتجاهاتها أو التردد في دخول
المنطقة، بينما أغلقت ناقلات أخرى أجهزة التتبع الخاصة بها لأسباب أمنية. وقد غيرت
ثلاث ناقلات تحمل النفط السعودي مسارها في البحر الأحمر عقب التهديدات الحوثية، في
حين بدأت سفن أخرى البحث عن طرق أكثر طولًا وأعلى تكلفة.
وهكذا أصبح العالم أمام ما يمكن تسميته «حرب
المضيقين» من خلال اختناق شديد في هرمز، وتهديد متصاعد لباب المندب. وليست الخطورة
في الإغلاق الكامل للممرين فقط، بل في بقاء الملاحة ممكنة، ولكن تحت خطر الهجوم؛
لأن شركات النقل والتأمين تتعامل مع المخاطر المحتملة كما لو كانت تكاليف فعلية،
فترفع أسعار الشحن وأقساط التأمين وتغير المسارات.
وقد ظهرت النتائج سريعًا في أسواق النفط؛ إذ
تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل خلال شهر تموز/ يوليو، قبل أن يتراجع
مجددًا دون هذا المستوى، في ظل تحرك الأسعار صعودًا وهبوطًا وفق تطورات الحرب
والجهود الدبلوماسية. وقد قدّر بنك «باركليز» متوسط سعر خام برنت خلال عام 2026
بنحو 96 دولارًا للبرميل، محذرًا من مخاطر صعود واضحة إذا استمر تعطل الملاحة في
مضيق هرمز. وفي السيناريو الأكثر تشددًا، قد يصل السعر الفوري إلى 150 دولارًا
للبرميل إذا امتدت الأزمة ثلاثة أشهر، وإن لم يكن ذلك هو السيناريو الأساسي للبنك.
كما قد يدفع استمرار اضطراب الإمدادات واتساع نطاق الحرب الأسعار إلى تجاوز سعر
البرميل 120 دولارًا.
كما أن تكلفة نقل النفط نفسه معرضة
للارتفاع. فالابتعاد عن هرمز وباب المندب قد يضيف نحو شهر إلى بعض الرحلات
البحرية، وهو ما يرفع تكلفة تشغيل الناقلة بنحو 2.5 مليون دولار. وقد تمتد رحلة
النفط السعودي إلى الأسواق الآسيوية من نحو 19 يومًا إلى 48 يومًا إذا اضطرت السفن
إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح. كما يمكن أن ترتفع تكلفة الوقود من نحو 1.26
مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار للرحلة، فضلًا عن رسوم العبور والتأمين.
والخاسر الأكبر من هذه التطورات هو الدول
المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الاقتصادات التي تعاني أصلًا ضعف العملات وارتفاع
التضخم والمديونية. فارتفاع النفط يرفع تكلفة النقل والكهرباء والصناعة والزراعة،
ثم ينتقل تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات.
ومن هذه الدول تركيا التي قد تتعرض لضغوط
واضحة نتيجة اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة. فارتفاع فاتورة النفط والغاز
يضغط على الحساب الجاري والليرة، ويعقد جهود البنك المركزي لكبح التضخم. وإذا ظلت
أسعار النفط بين 100 و120 دولارًا فترة طويلة، فقد يصبح خفض أسعار الفائدة أكثر
صعوبة، وتتراجع قدرة الاقتصاد التركي على الجمع بين خفض التضخم واستعادة النمو.
وكذلك مصر التي قد تتعرض لخسارة مزدوجة؛ فهي
تستورد جزءًا من احتياجاتها النفطية، وفي الوقت نفسه تعتمد على قناة السويس كمصدر
رئيس للعملة الأجنبية. وكل سفينة تختار طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من البحر
الأحمر وقناة السويس تعني إيرادات أقل للقناة. وقد عانت إيرادات القناة منذ بدء
هجمات البحر الأحمر، قبل أن تظهر مؤشرات تعافٍ محدودة خلال فترات التهدئة. ومن شأن
عودة التصعيد قرب باب المندب أن تعطل هذا التعافي وتزيد الضغط على موارد مصر
الدولارية، وهو الأمر الذي قد يدفع إلى مزيد من انخفاض سعر صرف الجنيه مقابل
الدولار، ومن ثم ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وقد تستفيد مصر جزئيًا من خط أنابيب "سوميد"،
الذي يسمح بنقل النفط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتبلغ طاقته نحو 2.5 مليون
برميل يوميًا. إلا أن هذه الاستفادة لا تعوض خسارة رسوم قناة السويس ولا ارتفاع
فاتورة استيراد الطاقة والسلع.
أما الرابحون، فهم منتجو النفط والغاز
البعيدون نسبيًا عن مناطق الصراع، مثل الولايات المتحدة والنرويج والبرازيل، إضافة
إلى شركات الناقلات التي ترتفع أجور سفنها وشركات التأمين التي تفرض أقساط مخاطر
أعلى. وقد تستفيد روسيا أيضًا من ارتفاع النفط، وإن حدت العقوبات والقيود المالية
من قدرتها على تحصيل كامل هذه المكاسب.
أما دول الخليج، فصورتها أكثر تعقيدًا؛ إذ
تستفيد نظريًا من ارتفاع سعر النفط، لكنها قد تخسر إذا تعذر شحنه أو ارتفعت تكاليف
نقله وتأمينه. فالسعر المرتفع لا يمثل مكسبًا حقيقيًا للمنتج إذا لم يتمكن من
إيصال البرميل إلى المشتري.
إن أخطر ما في حرب المضيقين ليس إغلاق هرمز أو باب المندب بصورة كاملة، وإنما تحويلهما إلى ممرين يعملان تحت الخوف. فمجرد التهديد يكفي لتغيير مسارات السفن، ورفع تكلفة التأمين، وزيادة أسعار الطاقة والسلع. وبذلك تصبح الحرب ضريبة عالمية يدفعها المستهلكون والدول المستوردة، بينما تتوزع أرباحها المؤقتة بين منتجي الطاقة وشركات النقل والتأمين.
ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
الأول: هو
نجاح الوساطات وعودة التهدئة، وعندها قد يتراجع النفط إلى مستويات أقرب إلى ما قبل
التصعيد، مع بقاء التأمين مرتفعًا لبعض الوقت.
والثاني: هو استمرار الحرب والضربات
المحدودة دون إغلاق كامل للمضيقين، وفي هذه الحالة قد يتحرك سعر برميل برنت غالبًا
بين 95 و115 دولارًا، مع تضخم عالمي أعلى ونمو أضعف.
أما السيناريو الثالث والأخطر فهو التعطيل
الطويل والمتزامن لهرمز وباب المندب أو استهداف البنية الأساسية في ينبع بصورة
مؤثرة. وعندئذ قد يتجاوز النفط 120 دولارًا، وترتفع تكاليف الشحن بشدة، وتعود
مخاطر الركود التضخمي؛ أي اجتماع ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النشاط الاقتصادي.
إن أخطر ما في حرب المضيقين ليس إغلاق هرمز
أو باب المندب بصورة كاملة، وإنما تحويلهما إلى ممرين يعملان تحت الخوف. فمجرد
التهديد يكفي لتغيير مسارات السفن، ورفع تكلفة التأمين، وزيادة أسعار الطاقة
والسلع. وبذلك تصبح الحرب ضريبة عالمية يدفعها المستهلكون والدول المستوردة، بينما
تتوزع أرباحها المؤقتة بين منتجي الطاقة وشركات النقل والتأمين.
ومن هرمز إلى ينبع وباب المندب، لم تعد
المعركة تدور فقط حول السيطرة العسكرية، بل حول من يتحكم في تكلفة الطاقة، ومن
يتحمل فاتورة اضطراب الاقتصاد العالمي، وكل ذلك بفعل السلوك العدواني للولايات
المتحدة والكيان الصهيوني، الذي دفع المنطقة إلى أتون حرب لا ناقة لها فيها ولا
جمل، بينما يتحمل شعوبها والعالم أجمع تكلفتها الاقتصادية والإنسانية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.