لم تكشف التطورات
التي أعقبت مذكرة التفاهم الأمريكية-
الإيرانية عن انهيار الاتفاق بقدر ما كشفت حدود
قدرته على إعادة تشكيل العلاقة بين الطرفين. فاستمرار الضربات الأمريكية، وتجدد التوتر في مضيق هرمز، وتصاعد الاحتكاك
مع بعض دول الخليج، كلها مؤشرات توحي بأن المذكرة لم تمس جذور الخلاف، بل أدارت مستوى
التصعيد ضمن سقف يمنع
الحرب الشاملة دون أن يزيل دوافعها.
الرهان على
أن التوقيع سيفتح صفحة جديدة من الاستقرار بدأ مبكراً. فقد بُنيت توقعات واسعة على
فرضية أن طهران ستتجه إلى أولوية التعافي الاقتصادي، وأن واشنطن ستستبدل بسياسة الضغط
سياسة الاحتواء، غير أن الوقائع أظهرت أن التفاهم لم يُنتج توافقاً حول شكل النظام
الإقليمي، بل ترك مساحة واسعة لاختلاف التأويلات وتضارب المصالح.
وتكمن المعضلة
في أن الخلاف الأمريكي- الإيراني لا يدور حول بند تفاوضي أو ملف تقني، بل حول رؤيتين
مختلفتين لمفهوم الأمن والنفوذ. فواشنطن تسعى إلى تثبيت نظام إقليمي يقوم على حرية
الملاحة وشبكات التحالف التقليدية، بينما تنظر طهران إلى نفوذها الإقليمي وأدوات ردعها
بوصفها جزءاً من أمنها القومي، وليس فقط ورقة تفاوض يمكن التخلي عنها بسهولة.
مستقبل المذكرة لن يتحدد بمدى الالتزام الشكلي ببنودها، بل بقدرة الطرفين على تضييق الفجوة بين رؤيتين متعارضتين لموازين القوة في الشرق الأوسط. وحتى يتحقق ذلك، ستظل التفاهمات المرحلية تؤدي وظيفة إدارة الصراع أكثر من وظيفة إنهائه
ومن هذا المنظور
لا تبدو صعوبة الوصول إلى تسوية شاملة مرتبطة بصياغة المذكرة، بل بطبيعة المشروع السياسي
الذي يحكم سلوك الطرفين. فهناك من يرى أن انتقال إيران إلى أنموذج الدولة التقليدية
سيقتضي إعادة تعريف مصادر شرعيتها وأدوات نفوذها الإقليمية، وهو تحول يتجاوز الحسابات
الدبلوماسية إلى إعادة بناء فلسفة الدولة نفسها، الأمر الذي يجعل أي اتفاق مرحلي أقل
قدرة على إحداث تغيير بنيوي.
كما أن مضيق
هرمز لم يعد فقط ممرّاً للطاقة، بل أصبح أحد أدوات إدارة التوازنات الاستراتيجية. فكل
تصعيد فيه يحمل رسالة تتجاوز الملاحة البحرية إلى اختبار حدود الردع وكلفة الضغوط المتبادلة،
وهو ما يفسر استمرار التوتر رغم وجود تفاهم سياسي بين الطرفين.
وفي السياق
ذاته، تعكس الرسائل الصادرة عن القيادة الإيرانية تمسكاً بخطاب الاستمرارية أكثر من
الانعطاف، بينما تواصل الولايات المتحدة استخدام القوة المحدودة للحفاظ على قواعد الردع
التي تعتبرها أساساً لاستقرار الإقليم. وهذا يعني أن الطرفين لم يغيّرا خياراتهما الاستراتيجية،
وإنما أعادا تنظيم أدوات إدارتها.
لذلك قد يكون
الخطأ في توصيف مذكرة التفاهم بوصفها مشروعاً لإنهاء الصراع. فالمعطيات تشير إلى أنها
أقرب إلى آلية لتنظيم المنافسة ومنع تحولها إلى مواجهة شاملة، لا إلى تسوية تعالج أسبابها
العميقة. وما دام الخلاف يدور حول هندسة النظام الإقليمي وتوزيع النفوذ، فإن أي تفاهم
سيظل معرضاً للاهتزاز كلما اصطدمت نصوصه بوقائع الميدان.
وعليه، فإن
مستقبل المذكرة لن يتحدد بمدى الالتزام الشكلي ببنودها، بل بقدرة الطرفين على تضييق
الفجوة بين رؤيتين متعارضتين لموازين القوة في الشرق الأوسط. وحتى يتحقق ذلك، ستظل
التفاهمات المرحلية تؤدي وظيفة إدارة الصراع أكثر من وظيفة إنهائه، وهذا لا يجعل السؤال
الحقيقي: هل نجحت المذكرة؟ بل: هل صُممت أصلاً لتُنهي الصراع، أم لتمنع انفجاره؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.