قراءة في تأثير احتجاجات تونس على المشهد المصري

محمد زويل
"انتهى زمن عدوى الثورات، لكن لم ينته زمن مسؤولية الدول عن تجديد شرعيتها بالإنجاز والكفاءة والقدرة على الاستجابة لتطلعات شعوبها"- جيتي
"انتهى زمن عدوى الثورات، لكن لم ينته زمن مسؤولية الدول عن تجديد شرعيتها بالإنجاز والكفاءة والقدرة على الاستجابة لتطلعات شعوبها"- جيتي
شارك الخبر
كلما شهدت تونس احتجاجات شعبية عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل تبدأ موجة جديدة تمتد إلى مصر كما امتدت شرارة كانون الأول/ديسمبر 2010 قبل ستة عشر عاماً؟

السؤال مفهوم لكنه يفترض ضمناً أن التاريخ يعيد نفسه وأن الشعوب تتحرك بالمنطق ذاته وأن الدول تبقى على حالها، وهذا افتراض لا تؤيده خبرة التاريخ ولا علم السياسة. والأرجح أن ما حدث في مصر عام 2011 لن يتكرر بالصيغة نفسها، ليس لأن المجتمع فقد قدرته على الاحتجاج ولا لأن الدولة أصبحت بمنأى عن الضغوط، بل لأن عناصر المعادلة كلها تبدلت. لكن هذا لا يعني أن الاطمئنان المطلق مبرر، فالدول لا تسقط فقط بسبب المظاهرات وإنما قد تتآكل ببطء إذا تراكمت الأزمات دون حلول.

هل انتهى عصر"عدوى الثورات"؟

في عام 2011 كان هناك ما يشبه المناخ الثوري العربي، فكانت الشعوب تشاهد نظاماً يسقط في تونس فتؤمن أن إسقاط نظام آخر ممكن، وكانت وسائل الإعلام وشبكات التواصل تصنع حالة نفسية موحدة تتجاوز الحدود، حتى بدا وكأن المنطقة كلها تتحرك بإيقاع واحد، أما اليوم فقد انهارت فكرة "النموذج الواحد".

رأت الشعوب ما جرى في ليبيا، وسوريا، واليمن، والسودان، ولبنان، كما رأت تعثر الانتقال الديمقراطي في أكثر من دولة، وأصبح السؤال الذي يسبق أي دعوة للتغيير ليس: كيف نغير؟ بل: وماذا بعد التغيير؟

لقد رأت الشعوب ما جرى في ليبيا، وسوريا، واليمن، والسودان، ولبنان، كما رأت تعثر الانتقال الديمقراطي في أكثر من دولة، وأصبح السؤال الذي يسبق أي دعوة للتغيير ليس: كيف نغير؟ بل: وماذا بعد التغيير؟ وهذا التحول النفسي ربما يكون أكبر فارق بين 2011 و2026.

تعلمت مؤسسات الدولة المصرية من التجربة فأعادت بناء أجهزتها العسكرية وطورت أدواتها الأمنية والإدارية ووسعت قدرتها على إدارة الأزمات، وأصبحت آلة القمع أكثر استعداداً لاحتواء أي اضطرابات. قد يختلف الناس في تقييم السياسات، لكن يصعب إنكار أن الدولة نفسها أصبحت أكثر خبرة في إدارة المخاطر مما كانت عليه قبل خمسة عشر عاماً، ولهذا فإن المقارنة الميكانيكية بين المشهدين تبدو غير صحيحة.

المجتمع تغير أيضاً

ليس صحيحاً أن الدولة وحدها هي التي تغيرت، فالمجتمع نفسه تبدل. جيل عاش الثورة ثم عاش الانقسام ثم عاش القمع الشديد ثم عاش الضغوط الاقتصادية، فأصبح أكثر حذراً من القفز في المجهول، حتى من يحمل انتقادات حادة للأوضاع الاقتصادية أو السياسية؛ كثيراً ما يفصل بين الرغبة في الإصلاح وبين الرغبة في الانهيار وهذا فارق جوهري. ولكن هل يعني ذلك أن كل شيء بخير؟ هنا تبدأ المنطقة التي يتجاهلها كثير من المحللين.

فالدول لا تواجه التحديات الأمنية فقط وإنما تواجه أيضاً تحديات الشرعية والكفاءة والقدرة على تحسين حياة المواطنين، ولا توجد دولة تستطيع أن تعتمد إلى ما لا نهاية على أدوات الضبط وحدها إذا ظلت الضغوط الاقتصادية تتراكم واتسعت الفجوة بين توقعات المواطنين وقدرة الدولة على الاستجابة. فالاستقرار ليس حالة أمنية فقط، بل هو أيضاً شعور عام بالثقة في المستقبل.

الدرس التونسي الحقيقي
الخوف وحده وليس القبضة الأمنية وحدها، وليس الإرهاق الشعبي وحده بل مزيج معقد من: تغير البيئة الإقليمية والدولية، واختلاف بنية الدولة المصرية، وتبدل المزاج الاجتماعي، وتراجع جاذبية نماذج "الربيع العربي" بعد حصيلة السنوات الماضية

الخطأ أن ننظر إلى احتجاجات تونس باعتبارها مقدمة حتمية لما سيحدث في مصر، والخطأ الأكبر أن نتعامل معها باعتبارها شأناً تونسياً لا علاقة لنا به، فالدرس الحقيقي ليس في انتقال المظاهرات وإنما في فهم الأسباب التي تدفع المجتمعات إلى الاحتجاج.. فحين يشعر المواطن بأن المؤسسات قادرة على الاستماع والتصحيح يقل الميل إلى الانفجار، وحين يغيب الأفق تصبح أي أزمة اقتصادية أو سياسية أكثر قابلية للتحول إلى الانفجار.

ليس الخوف وحده وليس القبضة الأمنية وحدها، وليس الإرهاق الشعبي وحده بل مزيج معقد من: تغير البيئة الإقليمية والدولية، واختلاف بنية الدولة المصرية، وتبدل المزاج الاجتماعي، وتراجع جاذبية نماذج "الربيع العربي" بعد حصيلة السنوات الماضية، وإدراك قطاعات واسعة من المجتمع أن كلفة الفوضى قد تكون أعلى من كلفة الإصلاح التدريجي.

لكن في المقابل، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية وتوسيع مساحات المشاركة المجتمعية ورفع كفاءة الإدارة العامة تظل عوامل مؤثرة في قوة الدولة وقدرتها على الحفاظ على استقرارها على المدى الطويل.

السؤال ليس: هل ستنتقل مظاهرات تونس إلى مصر؟ هذا السؤال ينتمي إلى عقلية عام 2011؛ أما السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار اليوم فهو: كيف نحول دون تراكم أسباب الاحتقان؟ لأن الدول القوية ليست تلك التي تمنع الاحتجاج فقط، وإنما تلك التي تجعل الاحتجاج أقل ضرورة عبر تحسين الأداء، وتعزيز الثقة، وفتح مسارات فعالة للإصلاح والاستجابة وتحقيق السلم الاجتماعي وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين.لقد انتهى زمن "عدوى الثورات"، لكن لم ينته زمن مسؤولية الدول عن تجديد شرعيتها بالإنجاز والكفاءة والقدرة على الاستجابة لتطلعات شعوبها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)