بعد
"الثورة
التونسية" وما أحدثته من انكسار بنيوي في الحقل السياسي
اللاّئكي المتشكل منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، خرج الإسلاميون في تونس -بفضل
صناديق الاقتراع والاحتكام إلى الإرادة الشعبية- من الوضعية التي رافقتهم على مدار
تاريخهم، أي اعتبارهم من لدن أجهزة الدولة وأذرعها الوظيفية موضوعا للخطاب/القمع
وخطرا وجوديا على "النمط المجتمعي التونسي"، إلى وضعية المتكلم/منتج
الخطاب والفاعل الاجتماعي الذي يمتلك حق/شرعية إعادة التفاوض حول ذلك "النمط
المجتمعي" بأساطيره التأسيسية وخياراته الكبرى ومحصوله الواقعي.
بصورة
عامة، يمكننا تصنيف الإسلاميين في تونس إلى صنفين: صنف أول تصالح مع
الديمقراطية
بدرجات متفاوتة، وخرج من منطق البديل إلى منطق الشريك ومن استراتيجية إسقاط الدولة
أو اختراقها إلى استراتيجية التصالح معها وعدم مواجهتها (خاصة حركة النهضة وبصورة
أقل حزب التحرير)؛ وصنف ثان اعتبر الديمقراطية من المقالات "الكفرية"،
ورفض العمل القانوني وأصرّ على منطق "البديل الإسلامي" على مقتضى الفقه
المذهبي التراثي، خاصة الفقة الحنبلي الجديد والمدرسة التّيمية (الحركات
الوهابية/السلفية بوجهيها المدخلي والجهادي).
رغم
وعينا بأهمية المقالات السلفية داخل الحقل الإسلامي بصورة خاصة وداخل الحقل
السياسي بصورة عامة، فإن موقفها التكفيري للديمقراطية وللقائلين بها من الإسلاميين
قبل غيرهم يجعل منها حليفا موضوعيا للأطروحات العلمانية لدى أغلب مكونات ما يُسمّى
بالعائلة الديمقراطية، وهي أطروحات تتبنى استراتيجيتي الاستئصال الصلب والاستئصال
الناعم وتحمل في أعماقها بنية دينية تكفيرية لكن بصورة معلمنة.
رغم وعينا بأهمية المقالات السلفية داخل الحقل الإسلامي بصورة خاصة وداخل الحقل السياسي بصورة عامة، فإن موقفها التكفيري للديمقراطية وللقائلين بها من الإسلاميين قبل غيرهم يجعل منها حليفا موضوعيا للأطروحات العلمانية لدى أغلب مكونات ما يُسمّى بالعائلة الديمقراطية، وهي أطروحات تتبنى استراتيجيتي الاستئصال الصلب والاستئصال الناعم وتحمل في أعماقها بنية دينية تكفيرية لكن بصورة معلمنة
وليس
يعنينا في هذا المقال إلا الصنف الأول باعتبار أن "المسلم الديمقراطي"
عند السلفية هو كافر مرتد (كافر غير أصلي)، وهو جزء من "العدو الأقرب"
الذي كان يشمل الأنظمة الرسمية، والذي تُقدم محاربته على العدو الأبعد أو الكافر
الأصلي، أي الغرب الصليبي بمصطلح السلفية. كما أن تعبير "المسلم
الديمقراطي" عند النخب اللائكية التونسية هو مجرد ترصيف لغوي أو تناقض منطقي،
فالأغلب الأعم من "الديمقراطيين" في تونس يتبنون مقولة "الاستثناء
الإسلامي" -أي استحالة التوفيق بين الإسلام في ذاته وبين الديمقراطية
ومرجعيتها العلمانية- وإن كانوا لا يُصرحون بذلك ويحاولون تحييد
"الإسلام" في صراعهم ضد الإسلام السياسي، خاصة منه ذلك الإسلام الذي دخل
عليهم باب "الديمقراطية" وبشّر بولادة نخب بديلة تهدد بصورة وجودية
النخب الوظيفية التقليدية.
بعيدا
عن التفصيلات النظرية، فإن "المسلم الديمقراطي" هو جزء من القوى
الاجتماعية المحافظة التي تشمل -حسب بعض الإحصائيات- ما يقارب ثلاثة أرباع الشعب
التونسي. وليس "المسلم الديمقراطي" عندنا هو فقط ذلك المنتمي إلى حركة
النهضة أو إلى حزب التحرير أو إلى مكون ذي مرجعية إسلامية سواء أكانت سنية أو
شيعية، كما هو شأن بعض الأحزاب. ولمّا كانت الأحزاب اليسارية -بشقيها الماركسي
والقومي- والأحزاب الليبرالية -المرتبطة بالبورقيبية- تتعرف ذاتيا بأنها أحزاب
"تقدمية" و"حداثية"، بالمعنى الذي تدار فيه عملية التحديث
بالتقابل مع الهوية المحافظة للشعب، فإن "المسلم الديمقراطي" سيتموضع
بالضرورة بالتقابل مع تلك السرديات ومع خياراتها التحديثية الفوقية والمسقطة بقوة
الدولة على المجتمع التونسي منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا. وهو ما يُفسر جزئيا
التحالف الموضوعي بين سرديات متناقضة نظريا ومتصارعة تاريخيا.
فالعدو
المشترك -أي الإسلامي الذي دخل الحقل السياسي القانوني وأثبت محدودية العمق الشعبي
للنخب الوظيفية التي احتكرت تمثيل المواطنين لعقود- قد ذوّب الخلافات بين أغلب
القوى "الحداثية" ووحّدها ضد "المسلم الديمقراطي"، باعتباره
العدو الوجودي للنمط المجتمعي التونسي، أي للنمط المجتمعي "المتخيل"
داخل السرديات الحداثية، لا النمط المجتمعي الواقعي كما يحياه أغلب التونسيين
بفئاتهم المقهورة وجهاتهم المهمشة تحت سلطة ما أسميناه في أكثر من مقال سابق بـ"منظومة
الإذلال المزدوج": إذلال الخارج لوكلائه المحليين ومنعهم من بناء مقومات
السيادة، وإذلال هؤلاء الوكلاء وأذرعهم الوظيفية لعموم التونسيين والتونسيات.
إن
التشكيك النسقي في إمكانية وجود "مسلم ديمقراطي" لا يعكس فقط قوة مقولة
"الاستثناء الإسلامي" ذات الجذور الاستشراقية المشبوهة واختراقها الكامل
لعقول أغلب النخب الحداثية التونسية -بما فيها العقول التي تنتمي إلى "القوى
الثورية"- بل يعكس أيضا مخاوف مشروعة أحيانا ومبالغ فيها أحيانا أخرى من هذه
الهوية الأيديولوجية الملتبسة. وهو التباس لم يدفع بالعقول الحداثية إلى محاورة
أصحابها كما يتمثلون أنفسهم أو كما يريدون أن ينظر شركاؤهم/ خصومهم إليهم، بقدر ما
دفعهم إلى سياسة "المجهود الذهني الأدنى" والاكتفاء بالصور النمطية
للإسلامي، وهي صور تختزله في "مشروع تمكين" خفي وفي تحالفات غير مرئية
مع التكفيريين والإرهابيين وفي عداوة وجودية لكل مرجعية حداثية، بل تختزله في
"عميل" للقوى الاستعمارية وللصهيونية العالمية.
إن
"المسلم الديمقراطي" الذي يحاصره التكفيري السلفي في الدائرة الإسلامية
ويشكك في إسلامه ذاته، يجد نفسه أمام نسق تكفيري آخر هو التكفير المُعلمن. وهو
تكفير مداره التشكيك في صدق ديمقراطية أي فاعل سياسي ذي مرجعية إسلامية، وبالتالي
تبرير أي استهداف سلطوي له ومؤازرة ذلك الاستهداف بدعوى درء الخطر عن "النمط
المجتمعي" ومكاسبه في مستوى الحقوق الفردية والجماعية.
لا
شك عندنا في أن هذا المنطق في المستوى التكتيكي سيحمي المصالح الفردية والقضايا
الصغرى للمروجين له من النخب الوظيفية، ولكنّ محصوله في المستوى الاستراتيجي سيكون
نكالا على عموم المواطنين؛ لأنه سيحول دون أي مشروع لبناء ديمقراطية صلبة وفعّالة
وغير قابلة للارتكاس إلى مشاريع استبداد بواجهات/سرديات سياسية مختلفة تحت الهيمنة
الخفية لمنظومة الاستعمار الداخلي. فإقصاء "المسلم الديمقراطي" -أي
التونسي الذي يرفض إقصاء الإسلام من عملية بناء المشترك الوطني ولا يرى أي تعارض
بين الإسلام وبين الديمقراطية- بقوة الدولة وبمباركة الوظيفيين لا يعني في نهاية
التحليل إلا بناء حقل سياسي مشوّه وغير ممثل لإرادة عموم المواطنين. كما يعني هذا
الوضع فقدان جزء معتبر من التونسيين والتونسيات لمن يُمثلهم داخل أجهزة الدولة وفي
مراكز صنع القرار.
فالأقليات
الأيديولوجية أو القوى النوعية -مهما بلغت مزايداتها- لا تستطيع أن تدعيَ أنها
تمثل القوى المحافظة أو الفئات والجهات المهمشة إلا من باب المجاز. ذلك أن التعامد
الوظيفي أو خيار التخادم الذي ميز علاقتها بدولة الاستعمار الجديد منذ بنائها
مرورا بعهد المخلوع ووصولا إلى منظومة الحكم الحالية؛ يفقد تلك الادعاءات أية
مصداقية ويجعلها من باب ما يكتبه المرء لأهل ملّته.
لقد
أثبتت خيارات حركة النهضة وسياساتها التوافقية منذ المرحلة التأسيسية أنها لا تمثل
أي خطر وجودي على "النمط المجتمعي التونسي" وعلى مصالح النواة الصلبة
لمنظومة الاستعمار الداخلي، ولكنّ ذلك لم يشفع لها، بل كان علة سقوطها ذاته. فـ"المسلم
الديمقراطي" الذي تطرحه النهضة هو خطر وجودي على النخب الوظيفية بمختلف
مرجعياتها اليسارية والقومية والليبرالية. هذا "المسلم الديمقراطي" الذي
يستمد شرعية وجوده من الإرادة الشعبية سيمثل خطرا استراتيجيا على "الوظيفي
التقليدي" الذي يستمد شرعيته أساسا من الخدمات التي يقدمها لمنظومة الاستعمار
الداخلي -داخل أجهزة الدولة وفي ملحقاتها الوظيفية المدنية والنقابية- وليس من
التمثيل الشعبي. وهي فرضية لم
تجاوز الصراعات الهوياتية القاتلة لا يمكن أن يحصل إلا بتجاوز مقولة "الاستثناء الإسلامي" واستراتيجيات إقصاء الإسلام عن المجال العام من لدن العلمانيين، وتجاوز دعوى احتكار الإسلام الصحيح ومشروع أسلمة الدولة من لدن الإسلاميين
يكن الوظيفي التقليدي ليقبل بها، وبالتالي لم يكن
ليقبل باشتغال الديمقراطية بصورة طبيعية يكون مستقرها فقدانه لدوره داخل منظومة
الاستعمار الداخلي. فالوظيفي التقليدي -على عكس المسلم الديمقراطي باعتباره شكلا
جديدا من أشكال الوظيفية- يعرف جيدا أن الديمقراطية هي عدوه الوجودي. ولذلك فإنه
لا يرى أن تناقضه الرئيس هو مع منظومة الاستبداد والفساد والتبعية -أي الرجعية
البرجوازية- بل يراه مع "المسلم الديمقراطي" أو ما يسميه بالرجعية
الدينية، أي مع من يحمل مرجعية إسلامية تشتغل تحت سقف الدستور الوضعي.
رغم
أن "المسلم الديمقراطي" في السياق الحالي ليس مشروع تحرير وطني، فإنه
عندنا ضرورة بنيوية لذلك المشروع في المستوى الاستراتيجي. فلا تحرر من هيمنة
الخارج من دون تحرير الإرادة الشعبية والاعتراف بها، ولا اشتغال للحقل السياسي
بصورة طبيعية دون مشاركة الإسلاميين الذين خرجوا من منطق البديل إلى منطق الشريك
و"أسلموا" الديمقراطية باعتبارها أداة للحكم لا تتعارض مع مقاصد الشارع.
بل إننا نذهب إلى أن "المسلم الديمقراطي" هو هوية أيديولوجية
"رخوة" و"هشة" نظريا واجتماعيا، ولا مستقبل لها إذا انحصرت في
الإسلاميين دون غيرهم من باقي الفاعلين الجماعيين.
ونحن
نقصد بذلك أن تجاوز الصراعات الهوياتية القاتلة لا يمكن أن يحصل إلا بتجاوز مقولة
"الاستثناء الإسلامي" واستراتيجيات إقصاء الإسلام عن المجال العام من
لدن العلمانيين، وتجاوز دعوى احتكار الإسلام الصحيح ومشروع أسلمة الدولة من لدن
الإسلاميين. وهو ما نراه شرطا ضروريا لبناء حقل سياسي طبيعي يكون مستقرة نفي
الحاجة للهويات الأيديولوجية التي تكتسب هويتها سواء من تمثيل الإسلام والدفاع عنه
ضد أعدائه، أو تكتسب تلك الهوية من تمثل "روح الإسلام" وجوهره من منظور
لائكي مسقط على الإسلام كما يعيشه ويفهمه عموم المواطنين والمواطنات في تونس.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.