قراءة مختلفة لملف "المسؤولية السياسية" قبل الثورة وبعدها في تونس

عادل بن عبد الله
"الدم مسفوح ولكنه يوجد حيث لا يستطيع ذلك الوظيفي أن ينظر: في جهة الإسلاميين، خاصة النهضويين" - فيسبوك
"الدم مسفوح ولكنه يوجد حيث لا يستطيع ذلك الوظيفي أن ينظر: في جهة الإسلاميين، خاصة النهضويين" - فيسبوك
شارك الخبر
رغم أن ما نسميه باليسار الوظيفي -أي اليسار الذي يضع رساميله البشرية والرمزية في خدمة منظومة الاستعمار الداخلي وواجهاتها السياسية- كان منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا جزءا من النظام، فإن التسمية ذاتها تشير إلى أنه كان دائما تابعا للنواة الصلبة لمنظومة الحكم ولم يكن جزءا من نواتها الصلبة. ولكنّ طابعه الوظيفي لا يقلل من أهميته في الأنظمة المتعاقبة على حكم تونس قبل الثورة وبعدها، بدءا من "الزعيم"، مرورا "بصانع التغيير" والمرحوم الباجي قائد السبسي، وانتهاء بسردية "تصحيح المسار". فإذا كانت العائلات الريعية هي عصب الاقتصاد في تونس، وكان الأصل الجهوي المعلوم لكل التونسيين هو أساس الدخول إلى مراكز القرار في المرحلتين الدستورية والتجمعية، فإن اليساريين -بجناحيهم الماركسي والقومي- كانوا دائما هم خزان المنظومات الحاكمة في المستوى الأيديولوجي، خاصة أولئك اليساريين المرتدين واقعيا عن المقولات الصلبة للسرديات الكبرى والمتحولين إلى هوامش حقوقية أو ديكور سياسي لنظام المخلوع.

بعد "الثورة" استطاعت النواة الصلبة للحكم أن تحرف الصراع عن مداره الأساسي (الصراع ضد منظومة الاستعمار الداخلي بكل مكوناتها وملحقاتها الوظيفية) إلى صراع ضد الواجهة السياسية لنظام المخلوع وبعض رموزه الفردية والعائلية. ولم تكن هذه الاستراتيجية لتنجح إلا بالتهوين من أهمية "الوظيفيين" من جهة أولى، ومن جهة ثانية تحويل الملفات السياسية التي تشتغل على تفكيك منظومة الفساد إلى ملفات فساد شخصي ذات طابع جنائي، وهو ما يتعارض مع فلسفة العدالة الانتقالية ذاتها.

كان حل التجمع -الحزب الحاكم زمن المخلوع- مجرد خطوة تكتيكية تستجيب للمطالب الشعبية في الظاهر، ولكنها كانت خطوة ضرورية في استراتيجية المنظومة القديمة لإعادة التموضع والانتشار تحت سقف "الثورة". فحلّ التجمع دون إقرار قانون العزل السياسي -وهو ما شاركت فيه حركة النهضة ذاتها وستدفع ثمن هذا الخيار غاليا فيما بعد- كان يعني الدفع بالأجسام الوظيفية وبالخزان البشري المتحالف مع ذلك الحزب إلى واجهة المشهد السياسي تحت مسميات جديدة؛ لا وظيفة لها إلا الانقلاب على الانتقال الديمقراطي وشيطنة الديمقراطية ومخرجاتها مهما كانت هشة.

بعد أن نجح اليسار الوظيفي -بتواطؤ صامت أو نشط من حركة النهضة- في عملية الحرف الأولى (تحويل الصراع من مداره الأصلي، أي صراع التأسيس ضد المنظومة بمختلف مكوناتها، إلى صراع ضد الحزب الحاكم وبعض رموز النظام السابق)، حوّل ذلك اليسارُ الوظيفي الصراعَ مرة ثانية إلى مدار هوياتي أساسه صراع "القوى الديمقراطية" (بما فيها الأحزاب التجمعية الجديدة) ضد حركة النهضة باعتبارها القوة السياسية الأهم بعد الثورة، أي القوة التي أسقطت أوهام الأقليات الأيديولوجية وأثبتت زيف احتكارهم لتمثيل الإرادة الشعبية وارتباط قوتهم بالدولة لا بصناديق الاقتراع والإرادة الحرة للناخبين والناخبات. وبحكم موازين القوى الداخلية -وربما بسبب إملاءات خارجية- كان من "اللامفكر فيه" خلال مرحلة التأسيس طرح قضية مسؤولية اليسار الوظيفي -من داخل أجهزة السلطة ومن خارجها في المجتمع المدني والنقابات والإعلام والثقافة الخ- في جرائم نظام المخلوع. ونحن هنا لا نتحدث عن المسؤولية الجنائية فقط، بل نتحدث عن المسؤولية السياسية والأخلاقية لذلك اليسار في الدعم النشط للخيارات اللاوطنية لنظام "صانع الصناديق والمرتزقة"، ولجرائمه في حق الإسلاميين وغيرهم من معارضي ذلك النظام.

إذا كنا لا نستطيع أن نطالب ورثة التجمع وحلفاءهم في اليسار الوظيفي بأن يفتحوا هذا الملف، فإن من حق المشتغل بالشأن العام أن يتساءل عن علّة إغلاق حركة النهضة وغيرها من القوى المتضررة من نظام المخلوع لملف مسؤولية اليسار الوظيفي سياسيا عن نظام المخلوع. فجرائم المخلوع لم تنحصر في حركة النهضة -وإن كانت أكبر المتضررين- فهناك العديد من القوى اليسارية الوطنية وغير المشبوهة أو المخترقة بمنطق السلطة وبأجهزتها الأمنية.

وإذا كنا، بحكم المشترك الأيديولوجي أو بمنطق المصلحة الانتخابية، نستطيع أن نتفهم سكوت اليسار الوطني عن رفاقه من الوظيفيين، فإن تهميش حركة النهضة لهذا الملف خلال مرحلة التأسيس وما بعدها يحتاج إلى فهم. فمسؤولية اليسار الوظيفي عن محرقة الإسلاميين بعد إغلاق "الفاصلة الديمقراطية" أوائل التسعينات من القرن الماضي هو أمر لا يحتاج إلى برهان. فالحزب الحاكم (أي التجمع) كان نقطة جذب للكثير من اليساريين الماركسيين (خاصة الأوطاد والقوميين الناصريين والبعثيين)، وكذلك الشأن في الملحقات الوظيفية للنظام مثل المجتمع المدني والنقابات والثقافة والإعلام والتعليم، ولم تخل الأجهزة الأمنية من اليسار الوظيفي بحكم حاجة النظام إلى أذرع مؤدلجة لمحاربة الإسلام السياسي. فلماذا لم تفتح النهضة هذا الملف الذي سيكون أصحابه أحد أهم أسباب فشل الانتقال الديمقراطي وأكبر الدعاة إلى "البيان رقم واحد" منذ المرحلة التأسيسية؟

كان تحوّل النهضة من حزب سري إلى حزب قانوني من أكبر مظاهر تفكك المنظومة القديمة على الأقل في المرحلة الأولى من "الثورة"، ولكنه كان أيضا مركز فعل النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي. فبعد فرض منطق "استمرارية الدولة" وتكريس البورقيبية خطابا كبيرا للثورة التي قامت ضد نواتها الصلبة، وبعد أن أُسقط مشروع تحصين الثورة (العزل السياسي) وتشكل تحالف ما بعد أيديولوجي على قاعدة تقابل "العائلة الحداثية" بما فيها ورثة التجمع ضد "أعداء النمط المجتمعي التونسي" -أي ضد حركة النهضة- أصبحت مسؤولية اليسار الوظيفي عن جرائم النظام السابق مسألة منسية.

ونحن نذهب إلى أن قيادات حركة النهضة قد ارتضت غلق هذا الملف لأسباب لا تتعلق فقط بموازين القوى -أو في الحقيقة موازين الضعف- وبالإملاءات الخارجية، بل غلقته حتى لا يُفتح ملف مسؤولية تلك القيادات عن بعض الخيارات الكارثية وغير المدروسة للحركة بعد انقلاب 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987. ففتح باب المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تلك المرحلة هو أمر سيدين اليسار الوظيفي حتى في مستوى المسؤولية الجنائية، ولكنه سيدين سياسيا أغلب قيادات النهضة خلال "محرقة الإسلاميين"، خاصة وأنها هي القيادات نفسها التي تصدرت حركة النهضة دون مساءلة أو محاسبة سياسية عن مآسي الآلاف من الإسلاميين زمن المخلوع.

عندما يصيح اليساري الوظيفي بأعلى صوته بأن بينه وبين حركة النهضة دما لا يُنسى ولا يقبل المحو ويمنع أي تواصل أو تحالف، فإنه يقول نصف الحقيقة، فالدم مسفوح ولكنه يوجد حيث لا يستطيع ذلك الوظيفي أن ينظر: في جهة الإسلاميين، خاصة النهضويين. وإذا كان من حق اليسار أن يطالب بمعرفة الحقيقة في قضية الاغتيال السياسي أو الإرهاب، فإن تعاطيه مع هذين الملفين لا يفارق جوهره الوظيفي. فقد أصبح ملف الاغتيالات مثلا ملفا مُسيّسا لا يطلب أصحابُه الحقيقةَ في ذاتها، بل يطلبون تأكيد سرديتهم المؤدلجة مهما أشارت الأدلة إلى خلافها. ولا شك أن اليسار الوظيفي لم يكن ليتصرف بهذا المنطق لو فتحت النهضة ملف علاقته بالنظام السابق ودور مكوناته في جرائم المخلوع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية.

إن مزايدات اليسار الوظيفي بعد الثورة ترجع كلها إلى الخلل البنيوي في منطق التأسيس وفي ملف العدالة الانتقالية. ذلك أن التجمع -الحزب الحاكم زمن المخلوع- لم يكن إلا جزءا من منظومة الحكم، وكان اليسار الوظيفي أحد مكوناتها الأهم، ولكنه ظل خارج أي مساءلة أو محاسبة ولو في المستوى السياسي. ولمّا أُسقط مشروع العزل السياسي وأُفسد ملف العدالة الانتقالية صار المجال مفتوحا أمام خصوم الثورة وأعداء الإرادة الشعبية للتحدث باسميهما، بل صار المجال مفتوحا ليتاجر هؤلاء بدماء رفاقهم، وليتموضعوا دائما في أي مشروع انقلابي ضد الديمقراطية، وليتهربوا بعد ذلك من أية مسؤولية عن مواقعهم/مواقفهم زمن المخلوع وبعد الثورة. وهو ما يجعل من إعادة كتابة تاريخ اليسار الوظيفي-منذ زمن المخلوع إلى سردية تصحيح المسار- أمرا مؤكدا، لكن بشرط أن تتم الكتابة بعيدا عن ادعاءاته الذاتية ومزايداته الوطنية، وبعيدا عن خيارات النهضة التوافقية التي كانت هي أول ضحاياها.

فالواقع لا يمكن أن يُفهم إلا بالتاريخ، والمستقبل لا يمكن أن يُبنى بسرديات لا علاقة لها بالحقيقة ولا بالمقهورين إلا من جهة الدعوى الكاذبة التي ليس تحتها إلا القضايا الصغرى والمكبوتات أو الضغائن الأيديولوجية.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)